○ ●قسم اخبار فلسطين كلّ ما يدور على السآحه الفلسطينيه من أحداث و أخبار .. يهمّنآ

الإهداءات
الوردة الخجولة من رآئعوون : لكـــم فــي النطــقِ تحيــة و فــي الصمــت إحتــرآآم أنــتم فــي القلـ♥ــلب هـــدية و علــى الصدر وســـآم ... Zineb Zi من الجزائر : الله يهدي ما خلق ندي حياتي من فلسطين : اشياء لا تعود...الكلمة اذا خرجت...و الزمن اذا مضي....والثقة اذا ضاعت.. ندي حياتي من فلسطين : الدنيا من أولها إلى آخرها لا تساوي غم ساعة؛ فكيف بغم العمر؟! الوردة الخجولة من البيت : عَطِرْ فَــمًكـ بِذِكِرْ اْلَلهـ♥

إضافة رد
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 01-06-2012, 06:39 PM   رقم المشاركة : 11
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


جولات غزية
1- هجرة رجل جريء وشجاع

لم يكن أحد يتأثر بحساسية مفرطة تجاه المهندس بقدر ما كان يتأثر اسحق رابين الذي يضطلع بالمسؤولية المباشرة عن عمليات الموساد والشاباك بحكم توليه منصب رئيس الوزراء. ففي اجتماعه الدوري مع القيادة المشتركة لأجهزة الاستخبارات الثلاث في شهر آذار (مارس) من عام ،1995 ضرب رابين الطاولة بغضب شديد حين عرضت عليه الشاباك اعترافات وسام فرحات، وهو أحد الذين اعتقلوا على خلفية شاحنة تل السبع. فقد تضمنت تلك الأوراق استنتاجات وخلاصات توصل إليها الجنرال يعقوب بيرى (رئيس الشاباك) بأن يحيى عياش قد نجح في مغادرة الضفة الغربية ووصل إلى قطاع غزة. ولم يجد رابين إجابات صريحة ووافية عن التساؤلات التي أثارها حول هذا الموضوع. ورغم ذلك، فقد طالب بإصرار من رؤساء أجهزة الاستخبارات بتفسيرات واضحة حول الكيفية التي استطاع المهندس من خلالها أن يتجاوز آلاف المخبرين الإسرائيليين الذين كلفوا بمتابعته وعشرات الآلاف من الجنود وحرس الحدود ورجال الشرطة الذين انتشروا في الضفة الغربية وقطاع غزة وبحوزتهم صور ملونة ليحيى عياش بأشكال مختلفة (حليق وملتحي وبشارب وبغير شارب...) ولديهم أوامر عسكرية مباشرة بقتله فوراً وحال القبض عليه(108).

ولكن خبراء الأمن والاستخبارات الإسرائيليون هم أول من اعترف بأن (هجرة) المهندس إلى قطاع غزة وجه ضربة قاسية لمكانة الحكومة وسمعة القدرات الأسطورية لأجهزة استخبارات الدولة العبرية. ففي الوقت الذي يفتخر فيه كل إسرائيلي بمآثر الموساد والشاباك وآمان التي تضمنت اغتيال قادة بارزين في منظمة التحرير الفلسطينية وتدمير المفاعل النووي العراقي بالقرب من بغداد، وعملية الأماكن الفذة لرهائن طائرة الركاب الفرنسية المختطفة إلى عنتيبى بأوغندة، بدا ضرباً من المستحيل وصعباً على التصديق عند المواطن الإسرائيلي أن يحير قروي فلسطيني بنفر قليل من الأتباع أكبر العقول الاستخبارية في الدولة اليهودية.

أحد الخبراء الأمنيين الإسرائيليين لم يستطع أن يخفي إعجابه بالمهندس ليس بسبب مهارته في التخطيط وصناعة القنابل فحسب، وإنما بسبب مهارته في التخفي وقدرته على التفكير وحساسيته تجاه السرية. وينقل هذا الخبير، والذي لم تشر صحيفة الأوبزيرفر البريطانية في تقريرها المطول عن المهندس إلى اسمه أو رتبته، عن أحد المعتقلين الذين عملوا في خلايا عسكرية لحركة حماس كانت تتبع يحيى عياش بأنه مضت عدة شهور قبل أن يكتشف أن المرأة التي كانت تجلس في أحد الحقول بمنطقته هي في الحقيقة (المهندس).

تقارير الاستخبارات الإسرائيلية حول الصراع اللامنتهي والخفي مع المهندس كانت تتضمن معلومات تفصيلية اجتهد عملاؤها في الحصول عليها. ولأننا أمام طرفان لا يستهين أحدهم بالآخر، فإن طبيعة الحرب بين المهندس والشاباك لا بد أن تتضمن تسريب معلومات يراد منها التضليل وإبعاد الأنظار عن أمر معين.

وفي إطار عملية التضليل التي مارسها المهندس على أجهزة الاستخبارات، نقل أحد المجاهدين المعتقلين -بإيعاز من المهندس- بأن التخفي خلف حجاب امرأة، واحد من أكثر التشكيلات التنكرية المفضلة ليحيى عياش كونها تمكنه من عبور نقاط التفتيش العسكرية بسهولة كبيرة. ففي أوساط الرجال الفلسطينيين قلما تثير امرأة محجبة أثناء سيرها في شوارع رام الله مثلاً انتباه المارة(109).

عبقرية المهندس وشخصيته الأسطورية التي تكاد تخلط الحقيقة بالخيال إذا ما أُسقطت عليها معايير العصر الحديث تتقدم على أعتى العقول العسكرية وأكفأها في حرب العصابات. فالرجل رغم غموض هدفه من تسريب هذه المعلومات عند رفاقه في قيادة كتائب عز الدين القسام ومساعديه، كان يخطط للطريقة التي سينتقل من خلالها إلى قطاع غزة. وعندما نقارن الأسلوب الذي اختاره يحيى عياش للهجرة مع شخصية المهندس المثيرة، نجد أنفسنا أمام إنسان غير عادي بقدراته وجرأته وشجاعته. فقد رفض أن ينتقل في عتمة الليل كخفافيش الظلام أو يجتاز السلك الإلكتروني المحيط بقطاع غزة عن طريق المهربين وغيرهم، وإنما اختار طريقاً اعتاد المتميزون من قادة ومجاهدي كتائب عز الدين القسام سلوكه. وإن كنا لا نقلل من قدر أحد أو جهاده، فإنه حتى هؤلاء المتميزون لم يكونوا مطلوبين بالشكل الذي كانت عليه حالة يحيى عياش مع سلطات الاحتلال. وما نقصده هنا، حول الطريقة أو الأسلوب الذي اختاره المهندس في الهجرة إلى قطاع غزة، هو العبور بشكل رسمي وفي وضح النهار عبر حاجز ايرز الذي يمثل البوابة الشمالية الشرقية للقطاع مستخدماً سيارة تحمل لوحات إسرائيلية صفراء وهوية حاخام يهودي، وهذه بلا شك مجازفة خطيرة. ولأنها تمت، وبنجاح، فإنه يسجل للمهندس وكتائب عز الدين القسام القدرة على حفظ السر والكتمان، إذ استمرت قوات الاحتلال والشاباك في حملتها المكثفة للبحث عن يحيى عياش في الضفة الغربية.

وفي يوم جميل من أيام الشتاء المعتدلة، انطلق المهندس في سيارته باتجاه حاجز ايرز في رحلة حبس القساميون في الضفة الغربية وقطاع غزة أنفاسهم لساعات عديدة بانتظار كلمة السر ترد عبر الأثير من المجاهد البطل كمال كحيل -قائد الكتائب في المنطقة الشمالية من قطاع غزة الذي خرج بدوره من قاعدته لاستقبال المهندس في الطرف الثاني من الحاجز الإسرائيلي. وقد روى أحد المجاهدين الذين عملوا مع المهندس في قطاع غزة لمراسل صحيفة بريطانية كيف اجتاز المهندس حاجز ايرز، حيث كتب شيام بهاتيا وتحت عنوان (بطل إرهابي يترصد إسرائيل) ما يلي: «بكل أدب، رد الجنود الإسرائيليون عند نقطة التفتيش في حاجز إيرز على تحية الحاخام الإسرائيلي، الذي اعتمر قلنسوة ضيقة -شالوم- وهم يلوحون لسيارته السبارو بالعبور إلى داخل مناطق الحكم الذاتي، معتبرين إياه واحداً من أربعة آلاف مستوطن يقطنون القطاع، خاصة وأنه لم يثر انتباه أي منهم. ولم يعلموا، أن اليهودي المبتسم وصاحب العيون الغائرة هو يحيى عياش، المطلوب الفلسطيني الأول، والذي يعتقد أنه وراء سلسلة من العمليات الانتحارية أسفرت عن مصرع 70 إسرائيلياً وجرح عشرات آخرين. فعندما اختار عياش التخفي في صورة حاخام يهودي حرص على التأكد من كتابة كل الشعارات الضرورية على سيارته، من قبيل: الله أعطى هذه الأرض لليهود، والجولان لنا، والخليل مدينة يهودية. كما وضع عياش رشاش العوزي بشكل ظاهر للعيان في المقعد المجاور للسائق. وعلى الرغم من مزاج التصالح بين الإسرائيليين والفلسطينيين، فإن مجرد ذكر اسم المهندس يثير موجات من الذعر في صفوف الإسرائيليين. وبالنسبة للعديد من أبناء شعبه فإن عياش قدم للأهداف والقضية الفلسطينية خلال ثلاث سنوات، ما لم تستطع م.ت.ف تقديمه خلال ثلاثة عقود»(110).

2- في حي الشيخ رضوان

لم يكد المهندس يستقر في حي الشيخ رضوان حيث يتخذ القائد كمال كحيل إحدى قواعده السرية بين أهله الذين يعرفون بتأييدهم ومساندتهم لحركة المقاومة الإسلامية (حماس)، تمهيداً لدراسة الأوضاع ميدانياً بهدف اختيار أفضل وأنجع الخطط لتنفيذ الأهداف التي من أجلها وفد لقطاع غزة، حتى وجد المهندس نفسه أمام حالة استثنائية تتطلب منه التدخل بشكل مباشر ورد كيد الصهاينة إلى نحورهم بجواب عملي على رسالتهم الدموية. فقد اغتالت الشاباك المجاهد هاني عابد -أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي في قطاع غزة- بتفجير قنبلة متقنة الصنع وضعت خلف مقعد السائق في سيارته أثناء توقفها خارج مبنى كلية العلوم والتكنولوجيا في خان يونس، حيث يعمل كمدرس لمادة الكيمياء. وكان واضحاً بأن اغتيال عابد الذي تم يوم الأربعاء الموافق 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 يشكل (رسالة) أرادت الشاباك إسماع صداها لقادة حركة حماس، إذ علق إليكس فيشمان -المحلل العسكري في صحيفة معاريف الإسرائيلية- على عملية الاغتيال ومغزى اختيار أحد قادة الجهاد الإسلامي بدلاً من استهداف حماس بعد أن أوحت حكومة اسحق رابين بنيتها تنفيذ سلسلة اغتيالات في صفوف قادة حماس بعد عملية تل أبيب، قائلاً: «إن اغتيال عابد جاء ليؤكد أن قواعد اللعبة قد تغيرت، فهذه العملية تنطوي على عنصر عقوبة شخصية مباشرة يقول: إن من له ضلع في الإرهاب سيدفع الثمن. وهذه هي الرسالة التي حرصت إسرائيل على نقلها لحركة حماس، الفصيل الأكبر والأنشط، عن طريق حركة أصغر تعتقد إسرائيل أنها أقل قدرة على الرد. ومن جانب آخر، فإن إسرائيل لم توجه الضربة لحركة حماس مباشرة، رغم التهديدات الأخيرة، فهذا يعود إلى حرص إسرائيل على عدم توسيع نطاق حربها مع حركة حماس الأقوى من حركة الجهاد الإسلامي، ومقتل عابد جاء كرسالة عملية منها لزعماء في حركة حماس من أجل أن يأخذوا تهديداتها هذه المرة مأخذ الجد». وقد أكدت الحكومة الإسرائيلية ما جاء في تحليل فيشمان حين وصف أوري درومي، المتحدث الرسمي للحكومة، مقتل عابد بأنه كان «رسالة من جانب من قام بقتله»(111).

وفي رد فعل طبيعي، بدأ التوتر في قطاع غزة شديداً، وظهر جلياً أثناء تشييع جثمان الشهيد هاني عابد إذ أن مشاعر الغضب والتحفز قد طغت على أحاسيس الحزن لدى آلاف المشيعين. وفي أجواء مثل تلك، لم تغب حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بطبيعة الحال، بل إنها كانت حريصة على إظهار مساندتها ووقوفها إلى جانب حركة الجهاد الإسلامي. وظهر ذلك جلياً من خلال البيان المشترك الذي توعدت فيه الحركتان بأن تجعلا العدو الصهيوني يدفع ثمن هذه الجريمة(112)، إلى جانب تنظيم مظاهرة ضخمة شارك فيها نحو (18) ألف فلسطيني انطلقت من مسجد فلسطين في مدينة غزة عقب صلاة الجمعة أطلق فيها القائد كمال كحيل والمجاهد حاتم حسان النار في الهواء تكريماً للشهيد هاني عابد(113). ولم تكتف حركة حماس بهذه الفعاليات فحسب، بل اتبعتها بما هو أكبر وأقوى تأثيراً على الكيان الصهيوني. فقد طلب المهندس من القائدين كمال كحيل ومحمد الضيف رصد المواقع العسكرية والاستيطانية الإسرائيلية وترشيح أهداف مختارة بعناية بحيث يُحدث التعرض لها آثاراً حسية ومعنوية لدي العدو تتناسب مع عملية اغتيال القائد هاني عابد.

لم تكن تلك المهمة بالأمر السهل، في ضوء استنفار القوات الإسرائيلية وإعلانها حالة الطوارىء في صفوف قواتها العاملة في كافة أرجاء القطاع وداخل المستوطنات اليهودية فيه. ورغم هذه الحقيقة، رشحت وحدات الاستطلاع والرصد عدة أهداف منها ما هو عسكري كالنقطة العسكرية عند مفترق مستوطنة نتساريم ومنها ما هو استيطاني كغوش قطيف جنوب قطاع غزة. وبعد موازنة بين تلك الأهداف، استقر رأي المهندس على المباشرة بالتخطيط لتنفيذ عملية استشهادية ضد ضباط قيادة كتيبة المظليين المرابطين في مفترق نتساريم. ولإبعاد العيون عن عملاء الاحتلال، طلب المهندس من المجموعات التي كانت تعمل بإمرة القائد كمال كحيل تسريب معلومات استخبارية حول نية كتائب الشهيد عز الدين القسام تنفيذ هجوم استشهادي بواسطة سيارة ملغومة ضد إحدى المستوطنات اليهودية في منطقة غوش قطيف. وبالفعل، عززت قوات الجيش ووحدات المخابرات الإسرائيلية من تدابيرها وحراستها حول تلك المستوطنات، وعلى الطرق المؤدية إليها. كما قامت قوات الاحتلال بإجراء تفتيشات دقيقة جداً في سيارات المواطنين الفلسطينيين المارة على الطرق المؤدية لغوش قطيف أو المحاذية لها(114).

المعلومات التي جمعتها مجموعات الرصد التابعة للكتائب حول مفترق نتساريم دلت بأن الهدف قد تم تحصينه بمكعبات إسمنتية إلى جانب توسيع المنطقة الأمنية المحيطة والإعلان عن حالة الطوارىء في صفوف كتيبة المظليين. وبعد دراسة المهندس لتلك المعطيات، وجد أن استخدام سيارة مفخخة للهجوم يعد مجازفة غير مضمونة النتائج، خاصة وأن المركبات المسافرة على الطريق المؤدي للمفترق تسير ببطء شديد في انتظار الفحص الأمني عند الحاجز الإسرائيلي. وفي ضوء هذا الواقع، أخذ مهندس الأجيال يفكر بوسيلة يستطيع من خلالها إيصال قنبلة بشرية (استشهادي يحمل حقيبة متفجرات) إلى داخل الموقع العسكري بالمفترق متجاوزاً رتل السيارات ودون أن يثير شبهة أو انتباه جنود الحراسة في برج المراقبة. ولم يطل الأمر، حتى توصل المهندس إلى مبتغاه، والتي اعترف العسكريون الإسرائيليون بأنه لم يخطر على بالهم مواجهة عملية استشهادية على دراجة هوائية(115).

ولم يكن الاستشهادي الذي تطوع لتلك المهمة سوى الشيخ هشام إسماعيل عبد الرحمن حمد (أبو محمد) البالغ من العمر (21) عاماً والذي يعمل إماماً لأحد مساجد حي الشيخ رضوان، وهو أصغر أشقائه الستة سناً. ولأن اليوم المفترض لتنفيذ العملية لم يكن عادياً، بالنسبة للشيخ هشام، فقد طلب من والدته حين توجه للمسجد كعادته لأداء صلاة الفجر بأن تباركه وتدعو له بالجنة. وبعد الصلاة، التحق شيخنا بإخوانه حيث تم تدريبه على تشغيل المتفجرات وطريقة الوصول للموقع والنقطة العسكرية المقصودة، وهي تجمع ضباط الكتيبة. وعاد الشيخ إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة، ثم ركب الدراجة الهوائية واتجه نحو المكان المعد لاستلام الحقيبة التي أعدها المهندس والتي احتوت على حزام من المتفجرات شديدة الانفجار تزن نحو عشرة كيلوجرامات(116).

بناء على التعليمات والخطة المعدة، غادر الشيخ هشام حي الشيخ رضوان ماراً ببيارات البرتقال المجاورة، ومن هناك صعد إلى الطريق الرئيسي المؤدي للمفترق. وتقدم المجاهد بدراجته دون أن يثير الشبهات عند أحد، وتابع طريقه نحو الضباط الإسرائيليين الذين كانوا يصدرون تعليماتهم إلى الجنود لاتخاذ جانب الحذر من عمليات متوقعة ويرشدونهم حول كيفية مواجهة مظاهرات غضب فلسطينية قد تصل حتى المفترق. ومن بين السيارات، انطلق الشاب الأسمر بسرعة فائقة نحو هدفه في نحو الساعة الثانية إلا ربع من بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1994. وفجر البطل عبواته الناسفة على بعد أقل من متر من الضباط الثلاثة (مقدم ونقيب وملازم أول) فقتلوا على الفور وأصيب ستة من الجنود وأفراد حرس الحدود، اعتبر الأطباء إصابة اثنان منهم خطيرة، وأحدهم أصيب بشلل جسدي كامل. وعلى الأثر، هرعت قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي إلى المكان، وأغلقته، ومنعت أحداً من الوصول إليه، وأشرف قائد المنطقة الجنوبية الجديد، الميجر جنرال شاؤول موفاز على عمليات التمشيط التي جرت في محاولة لتقصي أي أثر يقود إلى من أرسل الشهيد هشام حمد(117).

كانت العملية بما أحدثته من خسائر بشرية ومادية، وما أثارته من مناقشات وتصريحات حول العبء الأمني الكبير الذي يقع على الجيش الإسرائيلي نظير قيامه بحماية وحراسة المستوطنات، بالإضافة إلى اهتزاز الروح المعنوية لدى الصهاينة، رداً مناسباً على جريمة اغتيال الشهيد هاني عابد. وهذا ما دفع اسحق رابين ونائبه، شمعون بيريز على انتقاد هبوط الروح المعنوية وتآكل الجبهة الداخلية في الكيان الصهيوني، إذ قال رابين خلال لقاء عقده مع الصحفيين: «كانت الكوارث والعمليات تعطينا المناعة وترص صفوف الجمهور، أما اليوم فلست متأكداً من ذلك، إذ أن الجمهور الإسرائيلي ليس لديه مناعة ضد ظاهرة العمليات الانتحارية». كما حذر شمعون بيريز في تعليقه الجمهور الإسرائيلي من التعامل مع العملية الاستشهادية في نتساريم بروح ونفسية مهزومة إذ «إننا نتعامل مع منظمة سرية بالغة الخطورة لديها كثير من المهاجمين الانتحاريين في صفوفها» على حد تعبيره(118).

3- تحية عسكرية لعماد عقل

مثلت عملية الشهيد البطل هشام حمد في مفترق نتساريم بداية مرحلة جديدة ليحيى عياش، مهندس العمليات الاستشهادية الأول في فلسطين. وهذه البداية لا تقتصر على كون العملية، هي الأولى التي يشرف على تنفيذها في قطاع غزة فحسب، بل لكون المهندس قد اتفق مع قيادة الحركة الإسلامية في القطاع بألا تعلن كتائب الشهيد عز الدين القسام أو حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عن تبني العمليات الاستشهادية التي تنفذ في قطاع غزة أو تنطلق من هناك. وكان البعد الأمني لهذا الموضوع واضحاً في هذا الاتفاق، إذ أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لم تكن على علم بأي شكل من الأشكال -حتى الأسبوع الرابع من آذار (مارس) 1995- بوجود المهندس في قطاع غزة، وكان آلاف الجنود والمخبرين ورجال الشرطة يبحثون عنه كما أشرنا في الضفة الغربية.

ويعود المهندس بنا إلى حي الشيخ رضوان حيث اجتمع مع مساعديه والقائد كمال كحيل لتقييم الهجوم الاستشهادي في مفترق نتساريم ودراسة الآثار والتوقعات المحتملة لردود الفعل الإسرائيلية، وتحرك أجهزة أمن واستخبارات شرطة الحكم الذاتي بحثاً عن الخلايا التي تقف وراء الشهيد هشام حمد. وفي ضوء التقارير الواردة من جهاز الأمن التابع لحركة حماس ومجموعات الرصد السرية في كتائب الشهيد عز الدين القسام، وجدت الكتائب بأن الوضع يتطلب نقل قاعدة المهندس إلى المنطقة الجنوبية من قطاع غزة (خان يونس - دير البلح - رفح)، خاصة وأن شرطة الحكم الذاتي قد ركزت مجهوداتها على مدينة غزة والمخيمات المحيطة بها.

لم تكن أجواء خان يونس غريبة على يحيى عياش، فقد عاصر الكثير من مجاهديها الذين وفدوا إلى الضفة الغربية مثل عبد الرحمن حمدان وإبراهيم سلامة ومحمد شهوان وغيرهم. كما أن صديقه القديم، محمد الضيف (أبو خالد) الذي وفد أيضاً إلى الضفة وعمل مع المهندس في أوقات سابقة، يقف اليوم على رأس الجهاز العسكري لحركة حماس في المنطقة. وسوياً، بدأ القائدان القساميان بتدريب وتأهيل المرشحين للعمل الجهادي إلى جانب وضع الخطط والتفاصيل الدقيقة لتنفيذ عمليات عسكرية تستهدف منشآت عسكرية وأهداف استيطانية ليس في قطاع غزة فحسب، وإنما في القدس والمناطق المحتلة منذ عام 1948 بالتعاون مع المجموعات التي نظمها المهندس في الضفة الغربية قبل مغادرته.

«قتل اليهود عبادة نتقرب بها إلى الله» عبارة كان الشهيد القائد عماد عقل يرددها في مجالسه وأمام إخوانه، ولئن غادر عماد مبكراً بعد أن ساهم في وضع القواعد الأولى وأساسات البناء السليم لكتائب عز الدين القسام، فإن آثاره وجهوده ما زالت راسخة يحفظها الصغير قبل الكبير والشاب قبل الشيخ. ولذلك، لم يكن مستهجناً أن يحتشد ما يزيد عن سبعين ألف شخص في حي الشجاعية الذي تشرف بإيواء القائد الشهيد في آخر أيامه، للمشاركة في المهرجان الإسلامي الكبير الذي نظمته حركة حماس في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده. ولأن عماد الفكر والممارسة والجهاد لم يمت، والشعب لم ينس ابنه البار حين هتفت الجماهير المحتشدة بصوت واحد كالهدير (تحية للكتائب، عز الدين) فإنه من باب أولى أن تتقدم كتائب الشهيد عز الدين القسام لتكون في طليعة الصفوف عند أداء التحية للبطل في ذكرى رحيله.

تحية الكتائب لم تكن تحية تقليدية يطلق خلالها مجاهدون ملثمون عيارات نارية في الهواء خلال مهرجان التكريم. فقد اتفق المهندس مع أبو خالد على إحياء احتفال القساميين بطريقة تليق بمآثر الشهيد عماد عقل. ولم تكن تلك الطريقة سوى المزاوجة بين الرشاش والعبوات الناسفة.

فالأولى، تمثل السلاح الرئيسي الذي استخدمه عماد وتميزت به عمليات الكتائب منذ انطلاقتها وحتى العام ،1993 بينما السلاح الثاني يمثل التطور الذي وصلت إليه حركة حماس وعنوان النجاح الذي بدأ يرافق الكتائب منذ بداية العام 1994. وأما الهدف، فقد كان سيارة جيب عسكرية تقوم بأعمال الدورية على طول السلك الحدودي الذي يفصل بين مدينة رفح وجمهورية مصر العربية. وبعد أن صمم المهندس ثلاث عبوات ناسفة تنفجر بواسطة جهاز تحكم عن بعد، قامت إحدى المجموعات القسامية بوضع تلك العبوات التي قدر خبراء سلاح الهندسة في الجيش الإسرائيلي قوتها بما يعادل انفجار ست قنابل يدوية في طريق الدورية القريب من بلوك (ج) بمخيم تل السلطان. وعند مرور السيارة العسكرية في حوالي الساعة الخامسة وسبع دقائق من صباح يوم الخميس الموافق 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1994 فجر المجاهدون العبوات الناسفة ثم أطلقوا زخات كثيفة من الرصاص باتجاه الجيب الذي دمر نهائياً جراء الانفجار مما أدى إلى مقتل أو إصابة العسكريين الثلاثة الذين كانون داخله(119).

وعلى الأثر، هرعت قوات كبيرة من جنود الاحتلال لتغلق المنطقة وتمنع الاقتراب منها ، فيما قامت الرافعات بنقل الجيب المدمر وإزالة الآثار. وقد اعترف المتحدث العسكري الإسرائيلي بمقتل ضابط برتبة كابتن، وضابط صف برتبة رقيب أول بينما أصيب ثالث بجروح بالغة(120).

4- أول ضابط طيران في الكتائب

لا بد من الإقرار بمقدرة وإمكانيات أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، فتلك الأجهزة أدركت السياسة الجديدة للمهندس ورفيقه. ولذلك، أوعزت لقوات الجيش والشرطة بالاستمرار في إجراءاتها الاحترازية والإبقاء على حالة الاستنفار واليقظة وبخاصة في الأماكن الحساسة والمهمة. وظهر ذلك بوضوح في مدينة القدس على وجه التحديد، فقد حذر وزير الشرطة الإسرائيلية من مغبة التراخي أو ترك ثغرة مفتوحة في جدار الأمن الذي أقامته الوحدات التابعة لوزارته بالمدينة. وإن كان موشيه شاحل قد توقع في سياق تحذيره بأن تنجح الكتائب القسامية في تنفيذ عملية كبيرة في القدس، وأن القضية هي مسألة وقت فقط(121)، فإن هذا التحذير لم يحل دون استمرار المهندس في وضع اللمسات الأخيرة في خطته الجديدة والتي تستهدف ضباط وطواقم الجنود العاملين في سلاح الطيران الإسرائيلي الذين يتجمعون في محطة كبيرة لنقل الركاب تقع قبالة مركز المؤتمرات الرئيسي وعلى بعد بضعة أمتار من مباني الكنيست عند مدخل القدس الغربي. ويستقل هؤلاء الضباط حافلة ركاب تابعة لشركة إيجد تعمل على الخط رقم (23) الذي يمر عبر الطريق السريع المؤدي إلى مدينة تل أبيب. وبعد أن رتب المهندس كافة الأمور المتعلقة بتفاصيل العملية، ابتدأ من تجهيز عبوة ناسفة تزن عشرة كيلوجرامات وإجراء الاتصالات مع المجاهد حاتم إسماعيل الذي أبقاه في المدينة المقدسة كضابط ارتباط لتوفير بدلة عسكرية مشابهة لما يستخدمه جيش الاحتلال وانتهاء باختيار موعد التنفيذ وطريقتها، حيث طلب من القائد أبو خالد أن يرشح له أحد المجاهدين لتنفيذ العملية. ولم يكن المجاهد المرشح سوى البطل أيمن كامل جمعة راضي (21 عاماً) وهو أحد شباب مسجد الشافعي بمخيم خان يونس الذين شاركوا بفعالية خلال الانتفاضة المباركة حتى أنه أصيب في إحدى المواجهات بعيار ناري في قدمه. ورغم أنه كان معروفاً كأحد نشطاء حركة حماس، إلا أنه التحق بشرطة الحكم الذاتي في أول دفعة لها وعمل في مركز شرطة الرمال بمدينة غزة كشرطي مرور(122).

ويغادر المجاهد أيمن راضي موقعه يوم الاثنين الموافق 19 كانون أول (ديسمبر) 1994 ليلتحق بالقاعدة السرية للمهندس حيث تم تدريبه على تشغيل العبوات الناسفة. كما وضع المهندس أمامه المخطط التفصيلي للعملية، وشرح له طريقة الخروج من قطاع غزة وكيفية الاتصال بالمجاهد حاتم إسماعيل بمدينة القدس. وركز المهندس في توجيهاته على ضرورة الالتزام بالسرية المطلقة وعدم التحدث عن العملية أو أي أمر يتعلق بها مع الأصدقاء والمقربين وحتى الأهل والوالدين. وعلى الرغم من الحصار المفروض على الضفة الغربية وقطاع غزة، إلا أن مجموعات الإسناد التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام تمكنت من تحقيق إنجاز استخباري وأمني حين استطاعت إيصال البطل أيمن راضي إلى قلب التجمعات الإسرائيلية في مدينة القدس يوم الجمعة. وهناك، قام المجاهدان حاتم وأيمن بالتجول في المنطقة ورصد الهدف والتعرف على موقع الهجوم ميدانياً.

«وداعاً يا أهلي ويا أحبائي، فأنا سأمضي إلى الجنة مع الحور العين بعد أن أطرق أبوابها بجماجم بني صهيون.. وداعاً شباب الكتائب.. أُذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير»(123). بهذه الكلمات، طوى الشهيد أيمن راضي صفحة مشرقة من حياته عندما كان على موعد مع الشهادة. ففي صبيحة يوم الأحد الموافق 25 كانون أول (ديسمبر) ،1994 صلى ضابط الطيران الفجر ثم انطلق يحمل حقيبة المتفجرات نحو محطة انتظار الحافلات. وتكون المفاجأة غير المتوقعة أمام مجاهدنا حين يجد نفسه في مكان متأخر من طابور الضباط والجنود المصطفين بانتظار الحافلة. وعند وصول الحافلة في نحو الساعة السادسة والربع، حاول المجاهد الصعود إليها، غير أن كثافة الأعداد التي كانت أمامه حالت دون ذلك حيث قام السائق بإغلاق الأبواب بعد صعود نحو أربعين من ضباط وجنود سلاح الطيران الإسرائيلي. فلحق المجاهد بالحافلة التي سارت سبعة أو ثمانية أمتار بعيداً عن المحطة، وشغل جهاز التفجير ليدوي انفجار شديد دمر المحطة بشكل كامل وأصاب الحافلة الإسرائيلية بأضرار وركابها بحالة من الهلع الشديد. وقد أسفرت العملية عن مقتل وإصابة ثلاثة عشر ضابطاً وجندياً يخدمون في سلاح الطيران وأنظمة الدفاع الجوي(124).

تقارير الشاباك وخبراء المتفجرات أشارت بأن العبوة الناسفة التي حملها الشهيد أيمن راضي أعدت بطريقة مشابهة تماماً للعبوة الناسفة التي استخدمها الشهيد صالح صوي في عملية تل أبيب، وهذا يعني بأن المهندس يقف وراء إعداد وتنفيذ الهجوم الاستشهادي بالقدس. وعلى الأثر، شنت قوات الاحتلال حملة تفتيش مكثفة في منطقة نابلس اعتقاداً بأن المهندس ما زال مختبئاً هناك. وتركزت الحملة في بلدتي بديا وياسوف تم خلالها تفتيش عشرات المنازل بعد إخراج أصحابها منها، واعتدى الجنود الصهاينة بالضرب المبرح على العديد من الشبان بعد أن اتضح لهم بأن حملتهم قد فشلت في تحقيق أي تقدم باتجاه الكشف عن المكان الذي يتوارى فيه المهندس ومجموعاته. كما قامت وحدات الهندسة بجيش الاحتلال بتفجير سيارة تحمل لوحة تسجيل إسرائيلية أثناء توقفها في محيط مقام النبي يوسف القريب من بلدة بلاطة بعد أن اشتبهت سلطات الاحتلال بها نظراً لوجودها في مكان حساس وهام لليهود(125).

5- عربة مفخخة في كفارداروم

لم تكن النتيجة التي آلت إليها العملية الاستشهادية للبطل أيمن راضي لترضي المهندس أو تشفي غليل الثأر لاستشهاد القائد القسامي إبراهيم ياغي الذي اغتيل غدراً في أريحا قبل عدة أيام من العملية. وعلى الرغم من ذلك، أدركت الشاباك والقيادة العسكرية الإسرائيلية بأن الحظ وحدة كان الحاجز الذي حال دون إتمام العملية على الشكل الذي خططت له. وهذا الأمر، كان من أكثر المعطيات إثارة لقلق الأجهزة الأمنية والاستخبارية، لعلمها بأن المهندس يحتفظ بمخزون كبير من أنماط وأشكال مختلفة للمقاومة يستطيع من خلالها تجاوز إجراءات الأمن الاحترازية والوقائية التي تتخذها عادة تلك الأجهزة. ولم يطل الأمر بالمهندس ليثبت أن قلق الشاباك كان في محله، فقد طلب المهندس من إحدى المجموعات العاملة في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة رصد خطوط المواصلات ورحلات الحافلات الإسرائيلية التي تعمل بين المناطق المحتلة منذ عام 1948 ومستوطنات غوش قطيف القريبة من خان يونس.

المعلومات الأولية التي وفرتها مجموعة الاستطلاع دلت على أن هناك حافلة تمر بشكل يومي وفي وقت محدد على الطريق الشرقي بعد عبورها حاجز ايرز باتجاه مستوطنة كفارداروم. وأشارت المعلومات أيضاً إلى وجود سيارة جيب عسكرية تقل عدداً من جنوب حرس الحدود تسير أمام الحافلة لحراستها ومنع مرور السيارات ذات اللوحات الخاصة بقطاع غزة بمحاذاتها. وهذا يعني أن استخدام سيارة مفخخة غير مضمونة النتائج، وعليه بدأ المهندس بالتفكير بطريقة أخرى تتيح تحقيق الأهداف ونجاح العملية. وتفتقت العبقرية العسكرية على استخدام حمار يجر عربة محملة بالأغراض، وهي وسيلة نقل شائعة في القطاع ولا تثير الشبهة. وبعد دراسة هذا الاقتراح وتقليب الاحتمالات، ووفق الخطة المرسومة، جهز المهندس العبوات الناسفة ووضعها على العربة حيث انطلق المجاهد في صبيحة يوم الاثنين الموافق 9 كانون ثاني (يناير) 1995 نحو مستوطنة كفارداروم واجتاز كافة الدوريات العسكرية الإسرائيلية التي لم تكن تتوقع من المهندس استخدام هذا الأسلوب في الهجمات الاستشهادية. وما أن مرت سيارة الجيب التي تتقدم الحافلة الإسرائيلية، حتى تحرك المجاهد بعربته المفخخة باتجاهها. ويبدو أن سرعة تحرك المجاهد جعلته غير قادر على السيطرة على العربة، لتتساقط منها ما تحمله من بضاعة، ومن بينها حقيبة المتفجرات عند محاذاته لحافلة النقل العام التي كانت تقل جنوداً يحرسون مستوطنة كفارداروم.

وقد أدى انفجار العبوات إلى تحطيم نوافذ الحافلة وإلحاق خسائر مادية جسيمة فيها وإصابة المجاهد وعدد من جنود الاحتلال دون أن توقع قتلى. وعلى الأثر، انتشرت قوات مكثفة من الجيش ووحدات حرس الحدود وقامت بتفتيش المنطقة تفتيشاً دقيقاً وأغلقت الطريق الرئيسي، بينما قام المستوطنون الغاضبون بإشعال عدد من إطارات السيارات بالقرب من مدخل المستوطنة ورشقوا سيارات المواطنين الفلسطينيين بالحجارة(126).

6- هزيمة الجنرال يعقوب بيري

ستة أشهر مضت على غياب القائد القسامي علي عاصي، رفيق درب المهندس وأقرب الأصدقاء إليه. ورغم هذه المدة والانشغال بالجهاد والعمل الميداني اليومي، إلا أن اسم أبو جهاد وصورته ومآثره لم تغب عن الحضور بشكل دوري كلما جلس المهندس مع مساعديه يعد ويخطط للعمليات العسكرية النوعية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فكثيراً ما جاء علي عاصي وعدنان مرعي للمهندس في المنام ليسلما عليه ويسألاه عن أخبار الجهاد. ويعبر هذا الحضور عن طبيعة العلاقة التي كانت سائدة بين أقطاب الفريق الرباعي الذي قاد الجهاز العسكري لحركة حماس في منطقة شمال الضفة الغربية منذ عام 1992. ومع اتساع نطاق حركة المهندس وامتداد المجموعات التي أقامها في الضفة الغربية وتلك التي تعمل في قطاع غزة بقيادة محمد الضيف وكمال كحيل، وجد مهندسنا بأن الظروف والإمكانيات ملائمة لتنفيذ العملية التي خطط لها الشهيد علي عاصي قبل عامين تقريباً ضمن سياق سلسلة العمليات التي كان من المقرر تنفيذها تكريماً للمبعدين في مرج الزهور.

وفي ضوء الحقائق التي تراءت، وضع أبو البراء مخططات مفترق بيت ليد أو ما يعرف باسم مفترق هشارون إسرائيلياً أمام القيادة العسكرية لحركة حماس في قطاع غزة وشرح لإخوانه طبيعة هذا المفترق وأهميته لجنود الاحتلال، وتفاصيل العملية المقترحة ودور مجموعات الضفة الغربية في الدعم والإسناد وما يريده من المجموعات العاملة تحت قيادة محمد الضيف وكمال كحيل. وبعد دراسة مستفيضة لمشروع العملية، باركت القيادة العسكرية الخطة وأعطت الضوء الأخضر للتنفيذ بشرط ألا يصدر إعلان مسؤولية أو تبني باسم حركة حماس، حفاظاً على سرية وجود المهندس في قطاع غزة.

يعتبر مفترق بيت ليد من بين المفترقات الأكثر ازدحاماً في فلسطين المحتلة، وطبقاً لتقديرات دائرة المواصلات الإسرائيلية العامة، فإن ما يقرب من ثمانين ألف سيارة وحافلة تعبر هذا المفترق يومياً. وتتوزع من الموقع الاستراتيجي حركة المرور بين مناطق غوش دان والخضيرة وحيفا في شارع رقم (4) وبين مدن ناتانيا وطولكرم ونابلس في شارع رقم (57). وقد جعل الموقع المركزي للمفترق بين مناطق غوش دان (منطقة تل أبيب الكبرى) وشمال فلسطين منه نقطة انطلاق ونقل رئيسة للجنود الإسرائيليين في طريقهم إلى معسكراتهم وثكناتهم الكائنة في الضفة الغربية، ومكاناً يغص بالجنود الذين يسافرون بالحافلات إلى الخضيرة وحيفا وطبريا وكريات شمونة أو باتجاه تل أبيب والقدس. وإلى جانب ذلك، يوجد بمحاذاة المفترق سجن كفاريونا الذي يحتجز فيه مؤسس حركة حماس، الشيخ أحمد ياسين(127).

ووفق الوقائع التي نشرت في وسائل الإعلام، واعترافات المجاهد عبد الحليم البلبيسي (29 عاماً) التي انتزعها الشاباك منه بالقوة وعن طريق استخدام أسلوب الهز العنيف بعد اعتقاله في 6 كانون أول (ديسمبر) 1995م، فإننا نستطيع رسم المخطط الذي وضعه المهندس على النحو التالي:

1- تجهيز ثلاثة حقائب، شبيهة بتلك التي يحملها جنود الاحتلال، بنحو عشرة كيلو جرامات من المتفجرات شديدة الانفجار لكل حقيبة.

2- يرشح قادة الكتائب في غزة ثلاثة من المجاهدين الاستشهاديين، ويقوم المهندس بتدريبهم على تشغيل المتفجرات.

3- تقوم مجموعات الإسناد بنقل المجاهدين الثلاثة من قطاع غزة إلى مدينة القدس.

4- تتولى مجموعات الإسناد في القدس استقبال المجاهدين كل على حدة، وتعمل على توفير ملابس عسكرية لهم ثم تقوم بنقلهم إلى منطقة شمال الضفة الغربية.

5- مجموعات الرصد والاستطلاع في منطقة شمال الضفة الغربية مسؤولة عن رصد المفترق والحراسات الإسرائيلية وأي تغيرات تطرأ حولها.

6- تقوم مجموعات الإسناد في الشمال بنقل المجاهدين الثلاثة إلى المفترق في يوم الأحد الموافق 22 كانون الثاني (يناير) ،1995 حيث تصل في أيام الآحاد من كل أسبوع حافلات لنقل أو إنزال الجنود الذين يخرجون في إجازات من الخدمة العسكرية أو يعودون من إجازاتهم للالتحاق بوحداتهم.

7- يقوم المجاهد الأول بتفجير عبواته قرب الاستراحة والكافتيريا التي يرتادها الجنود. وبعد أن يخرج الجنود من المحطة المحمية جيداً هرباً، يتسلل المجاهد الثاني بينهم ويحيط بأكبر عدد ممكن منهم ثم يفجر حقيبته المفخخة. وأما الثالث، فإنه ينتظر قدوم طواقم الإنقاذ ووحدات التعزيز والحراسة ليفجر عبواته الناسفة وسط الحشود الكثيفة.

ترشح للعملية ثلاثة مجاهدين من قطاع غزة، نجح منهم اثنان في الوصول للهدف وتنفيذ الدور المطلوب منه بينما تأخرت مجموعات الإسناد في إيصال المجاهد الثالث إلى المفترق في الوقت المحدد مما جعل أمر تنفيذ ما خرج لأجله صعب التحقيق. وأما المجاهدان اللذان وصلا مفترق بيت ليد في الوقت المحدد فكان أحدهما صلاح عبد الحميد شاكر محمد (27 عاماً) وهو من سكان مخيم يبنا بمدينة رفح، واعتقل خلال الانتفاضة لمدة (18) يوماً وأصيب ست مرات. وكان صلاح قد انضم في بداية دراسته الثانوية إلى حركة الجهاد الإسلامي، إذ أن أخوته الكبار ينتمون إليها، ولكنه ترك الحركة وانضم لحماس التي أفرزته بعد عمليتي العفولة والخضيرة إلى كتائب الشهيد عز الدين القسام وعمل في المنطقة الجنوبية من قطاع غزة. والمجاهد الثاني الذي نجح في الوصول للهدف، هو البطل أنور محمد عطية سكر (25 عاماً) الذي يسكن قرب مسجد الشهداء بحي الشجاعية في مدينة غزة. واعتقل أنور مرة واحدة خلال الانتفاضة وقضى أحد عشر شهراً في سجون الاحتلال، وعند قدوم السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، اعتقل مرتين خلال الحملات التي نفذتها شرطة الحكم الذاتي ضد المجاهدين(128).

وبعد أن قام المهندس بتدريب المجاهدين الثلاثة وتوجيههم، كلف المجاهد عبد الحليم البلبيسي بالتنسيق مع القائد محمود الخواجة والمجاهدين نضال برعي وأيمن الرزاينة وعلاء الأعرج، وهم من أبطال حركة الجهاد الإسلامي لترتيب عملية مغادرتهم لقطاع غزة. وفي نفس الوقت، أجرى المهندس اتصالاته مع المجموعات التي أقامها في القدس ونابلس وطولكرم ورتب معها كافة التفاصيل المتعلقة بنجاح الهجوم وتعليمات الانسحاب من المكان بعد إيصال المجاهدين. وسارت الأمور كما رتب لها بالنسبة للمجاهدين صلاح وأنور اللذين ارتديا زي الجنود الإسرائيليين ووقفا في صباح يوم الأحد الموافق 22 كانون الثاني (يناير) 1995 في محطة الحافلات العسكرية بانتظار تجمع مئات الجنود. وحسب الخطة المعدة، دخل المجاهد أنور سكر الاستراحة والكافتيريا التي يرتادها الجنود وفجر عبواته الناسفة في نحو الساعة التاسعة وعشرون دقيقة مما أدى إلى تدمير المبنى وسقوط عدد كبير من الجنود بين قتيل وجريح. وعلى الأثر، خرج العشرات من الجنود الذين نجوا من الإصابة وهم في حالة فزع شديد وعدد منهم يبكي من هول الانفجار، وتجمع حول هؤلاء جمهرة من الجنود الذين وصلوا لتوهم إلى المفترق. وبعد دقيقتين إلى ثلاثة دقائق من التفجير الأول، تسلل المجاهد صلاح شاكر بين العشرات من العسكريين الإسرائيليين المذهولين من مشهد أشلاء القتلى والجرحى، وقام بتفجير الحقيبة التي يحملها بينهم مما أدى إلى سقوط عدد أكبر من الإصابات واحتراق حافلة عسكرية بالكامل بالإضافة إلى عدد من السيارات المتوقفة في المكان(129).

شكلت العملية البطولية للشهيدين صلاح وأنور سابقة متقدمة في تاريخ الجهاد على أرض فلسطين، فهي العملية الأولى من نوعها التي تستهدف هذا العدد من جنود الاحتلال وتحقق هذا النجاح على صعيد التخطيط والتنفيذ. وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على أن المهندس عرف أين هو مكمن ضعف الكيان الصهيوني، فوجه ضربته بإتقان مخترقاً أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي تتمتع بسمعة خرافية. وجعل الآلاف من الإسرائيليين يتجمعون في مدافن الجيش ويبكون بألم أمام جثث الجنود القتلى عبرت عنه صحيفة هيرالدتربيون البريطانية بقولها: «فيضان من الدمع ينهمر عندما دفنت الدولة المضطربة شبابها»(130). ولم تقتصر آثار الهجوم الاستشهادي على سقوط اثنان وعشرون قتيلاً (أربعة ضباط وثمانية عشر جندياً وضابط صف) وخمسة وستون جريحاً من المظليين، فقد بدا المفترق أشبه ببقايا معركة خاطفة حيث تناثرت أشلاء القتلى والجرحى وطارت أجزاء من أجسامهم المحترقة في الهواء وتعلق بعضها فوق الأشجار، وتناثرت الأكياس والحقائب التي كان يحملها الجنود وبعض البزات العسكرية والعديد من البنادق المحطمة والتي تفتت إلى قطع، فيما انتشر الدمار الذي لحق بالمحطة وقطع السيارات وبقع الدماء في دائرة قطرها نحو (200) متر. كما أدى الانفجاران إلى اقتلاع بعض الأشجار القريبة وتطاير زجاج سجن كفاريونا الذي يبعد (30) متراً عن المفترق(131).

اهتزت أركان المجتمع الإسرائيلي برمته جراء الهجوم الاستشهادي، واختل توازن حكومة اسحق رابين التي وجدت نفسها في مأزق حقيقي معقد دفع برئيسها إلى فض الاجتماع الدوري لها والمغادرة في طائرة عسكرية مروحية إلى نتانيا حيث كان المئات من المتظاهرين الغاضبين يرددون هتافات تقول: (رابين خائن) و(الموت للعرب) و(الموت لرابين.. رابين مجرم) و (الدم العربي هو الذي يجب أن يسفك وليس الدم اليهودي) احتجاجاً على سياسة الحكومة الأمنية. وبعد أن تجول بالمكان برفقة قائد الجبهة الداخلية في الجيش ورئيسي الشاباك والاستخبارات العسكرية، عقد اسحق رابين مؤتمراً صحافياً قرب المفترق وسط حراسة مشددة شاركت فيها الطائرات المروحية التي حلقت فوق المنطقة ساهمت في عمليات التفتيش وتوجيه الأطقم الأرضية لإقامة الحواجز العسكرية على طول الشارع الذي يصل بين مدينة طولكرم ومدينة نتانيا. وفيما بدت آثار الإرهاق والإحباط بادية وواضحة على وجهه، لم يستطع اسحق رابين إخفاء حزنه وتأثره، فبدأ خطابه قائلاً: «إنه يوم رهيب وفظيع وأليم بالنسبة لكل شعب إسرائيل.. إن الحل الأمثل والجذري على المدى المتوسط والبعيد هو الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين بما لا يتيح للفلسطينيين من مواطني الضفة والقطاع الدخول إلى مناطق السيادة الإسرائيلية. وحتى هذا الفصل قد لا يمنع شخصاً انتحارياً مستعداً للموت من التسلل إلى داخل إسرائيل، إذ لا سلاح رادع في مواجهة انتحاري كهذا»(132). وأضاف رابين الذي كانت عيناه تبحثان طيلة الوقت في السقف عن الكلمات المناسبة مخاطباً المهندس دون أن يذكره بالاسم: «سننتصر عليكم وسنواصل السلام وضربكم ومطاردتكم في آن واحد، وأية حدود لن توقفنا وسنقضي عليكم»(133).

وأما رؤساء الأجهزة الأمنية والقادة العسكريون، فقد أجمعوا على ذكاء المهندس ومقدرته في التخطيط، وبالمقابل فشل أجهزتهم في وضع الإجراءات المناسبة للحيلولة دون نجاح ما يخطط له. فقد وصف الجنرال اساف حيفيتس، المفتش العام للشرطة العملية بقوله: «عملية التفجير تعتبر شديدة الإحكام ودقيقة. ووصول منفذي العملية إلى العمق الإسرائيلي هو فشل أمني يصعب تبريره»(134). وذهب الجنرال يعقوب بيري، رئيس جهاز الشاباك إلى أبعد من ذلك حين أعلن استقالته من منصبه بعد يومين من العملية حيث قبلها رئيس الوزراء بصفته مشرفاً على الجهاز، وعزت وسائل الإعلام الإسرائيلية سبب الاستقالة وموافقة رابين عليها إلى إخفاق الجنرال بيري في العثور على المهندس وإحباط العمليات الاستشهادية التي يجهزها ويشرف على تنفيذها(135).

وضمن السياق نفسه، أبرز المحللون العسكريون جرأة المخططين للعملية بتركيزهم على العسكريين. ومن المفيد في هذا الخصوص، استعراض ما كتبه امير اورن في دافار تحت عنوان (هزيمة الجيش الإسرائيلي في بيت ليد) والذي يرى بأن الهجوم يعد ضربة لجوهر قوة الدولة وأسطورة العزة الإسرائيلية، إذ جاء في التحليل: «هذه الأجواء الشعبية الحزينة، وما يرافقها من تخبطات سياسية، يجب ألا تطمس الحقيقة الخطيرة، وهي أن الجيش الإسرائيلي قد مني بهزيمة ذريعة، مقدارها الكمي انتزاع فصيلتين من حجم الجيش، ومقدارها النوعي خدش آخر لكلام أفضل جيش في العالم. فقد استطاع المتعصبون المسلمون أن يقوموا بعملية حرب عصابات واضحة، ضد جيش كبير مترهل وهش. وهذه ليست مجزرة، لأن الجنود سقطوا وهم موجودون في الحراسة. ولكن من ذا الذي يحرس الجنود؟ لقد أصبح كل جندي هدفاً للهجوم عليه أو اختطافه.. لو أتقنت القيادة والشرطة العسكرية مهمتها، لشعر كل عسكري، من الجندي حتى الميجر جنرال في مفرق بيت ليد، أنه نحشون فاكسمان القادم»(136).

المهندس من جهته التزم بقرار القيادة عدم إصدار بيان باسم حركة المقاومة الإسلامية (حماس) يتبنى العملية، ولكن بعض القيادات العسكرية في الضفة الغربية وقطاع غزة تحركت بدون موافقة المهندس حيث اتصل مجهول بوكالة أنباء أجنبية في القدس وأعلن مسؤولية كتائب الشهيد عز الدين القسام. وفي قطاع غزة، أعلن عدد من نشطاء الحركة مسؤولية حماس عن العملية عبر مكبرات الصوت في مساجد مدينة غزة(137). ويبدو أن هذه التحركات قد تلقت ضوءاً أخضراً حين نشرت القيادة التنظيمية لحركة حماس في قطاع غزة بياناً في الصفحة الأولى من صحيفة الوطن الناطقة باسم الحركة تنعى فيه الشهيدين صلاح شاكر وأنور سكر، ولم يقف الأمر عند ذلك، إذ حيت حركة حماس العملية الاستشهادية وكتب شبابها شعارات على جدران منزل الشهيدين في غزة ورفح عُرف منها: «تحية عطرة من حركة حماس إلى المجاهد الشهيد.. كتائب عز الدين القسام تعاهدك يا شهيد فلسطين على الثأر والانتقام لدمائك الطاهرة التي نزفت من أجل الله... لتتعانق روح الشهيد أنور سكر مع روح الشهيد صالح نزال لتصنع المجد والكرامة». وفي مدينة رفح، ظهر مسلحون ملثمون من كتائب القسام وأطلقوا النار في الهواء مساء يوم العملية تحية للشهيد صلاح شاكر(138).

7- رجل يعيش بزمن مستعار

كانت عملية بيت ليد الاستشهادية بمثابة انعطاف حاد في طبيعة الصراع القائم بين فصائل المقاومة الإسلامية والكيان الصهيوني بشكل عام، وبين المهندس واسحق رابين وأجهزته الأمنية بشكل خاص. إذ أن استمرار المهندس في توجيه الضربات العنيفة جعلت رابين وحزبه يفقدان مبرر وجودهما في السلطة أمام الجمهور الإسرائيلي الذي يريد الأمن باستمرار. ولذلك، انتفض رابين بشدة عندما مرر مرافقه العسكري التقارير الاستخبارية وتحاليل مختبرات خبراء المتفجرات في جهازي الشرطة والشاباك له أثناء تفقده آثار العملية البطولية. ويقول المحلل العسكري الشهير، زئيف شيف في تحليله للعملية الاستشهادية نشرته هآرتس يوم الاثنين الموافق 23/1/1995 ناقلاً بعض ما ورد في تلك التقارير: «يدل طابع العملية وأسلوب تنفيذها أن المهندس الفلسطيني يحيى عياش له ضلع فيها كما هو الحال في العمليات السابقة. وهناك علامة أخرى تدل على أن للمهندس ضلعاً في العملية هي وجود مواد متفجرة معيارية أضيفت إليها كميات كبيرة من المسامير، وبهذا الشكل يزداد عدد الإصابات. ولكن توجد تقديرات أن العملية نفذت بالتعاون بين حماس والجهاد الإسلامي، إذ يوجد مثل هذا التعاون في قطاع غزة منذ فترة من الزمن»(139).

وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية قد أشارت أيضاً إلى ذلك حين كتبت: «ويجزم الخبراء العسكريون في حقل المتفجرات بأن ثمة تعاوناً وتنسيقاً بين حركة الجهاد الإسلامي التي تبنت العملية الانتحارية وحركة حماس التي تحمل العبوات المتفجرة بصمات المطلوب رقم واحد في إسرائيل. ويؤكد مراقبون أن إعلان حركة حماس مسؤوليتها -ولو بلسان فرد- عن تنفيذ العملية ثم تراجعها بعد تبني الجهاد الإسلامي، دليلاً على وجود نوع من التعاون الذي يزيد من فاعلية مثل هذه العمليات وتطورها»(140).

يقول مسؤول عسكري إسرائيلي أن رابين الذي اجتمع مع كبار القادة العسكريين والأمنيين بعد وقوع عملية بيت ليد استغرق في التفكير وهو يقلب ملفاً عن المهندس ثم التفت إليهم قائلاً: «إن أمر اعتقال يحيى عياش يجب أن يكون في رأس قائمة أولويات نشاطاتكم اعتباراً من هذه اللحظة»(141). ثم تابع رابين خلال عرضه تقويماً للأوضاع ولمسار الأمور الذي ستسلكه حكومته خلال المرحلة المقبلة بأن «الإرهاب الإسلامي الذي يعبر عن نفسه في العمليات الانتحارية يعتبر تهديداً ذا مغزى استراتيجي بالنسبة لإسرائيل، وعائقاً أمام تقدم مسيرة السلام. لأن ظاهرة الشبان الانتحاريين الفلسطينيين، ظاهرة صعبة وأشد خطورة من كل أنواع الإرهاب التي عرفناها حتى الآن»(142).

وحيال المأزق الذي واجهته الدولة والمجتمع، تحرك الجيش وحرس الحدود وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المختلفة في حملة مشتركة واسعة النطاق استهدفت تقويض البنية المدنية لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) والمؤسسات الخيرية والاجتماعية والإنسانية التي تقدم العون والخدمات للمحتاجين من أبناء الشعب الفلسطيني بتهمة أن القائمين عليها يؤيدون الحركة الإسلامية ويعلنون مناصرتهم لها. وإلى جانب هذه المؤسسات، داهمت قوات الاحتلال مقرات رابطة علماء فلسطين والكتل الطلابية الإسلامية ونقابات العمال الإسلاميين ولجان الزكاة، حيث أشار روني شيكد -وهو مقرب من الشاباك- في تقرير خاص أعده لصحيفة يديعوت أحرونوت بأن أجهزة الأمن الإسرائيلية أدركت أن المؤسسات المدنية تعمل في خدمة الأجهزة السرية لحركة حماس وتقدم لها الغطاء الاقتصادي والسياسي ومخزوناً من القوى البشرية لنشاطات المهندس وكتائب عز الدين القسام(143).

ولم يكن توسيع حكومة اسحق رابين لجبهة المواجهة بحيث تشمل كافة أطر وأجهزة حركة حماس بالأمر الجديد، فقد اتبعت سلطات الاحتلال أساليب مشابهة بعد عمليات العفولة والخضيرة وتل أبيب. والجديد هذه المرة، هو إشراك مصورين تابعين لدائرة المتحدث العسكري الإسرائيلي خلال عمليات المداهمة، وهذا ما دفع مراسل صحيفة هآرتس العبرية ومعلقها لشؤون المناطق المحتلة، أوري نير إلى الاعتقاد بأن السلطات العسكرية الإسرائيلية أرادت من وراء هذه المواجهة التظاهر أمام الجمهور اليهودي بأنها تقوم باتخاذ إجراءات مضادة ضد «الإرهاب الإسلامي»(144).

ومع هذه الإجراءات، ازدادت المعركة بين المهندس والشاباك وبين المهندس والجيش الإسرائيلي شراسة. ففيما يتعلق بجهاز الشاباك الذي أجرى حملة تغييرات واسعة في صفوف الهيئات القيادية الأولى لمواجهة الأساليب المتطورة للمهندس، طالت خمسة من كبار المسؤولين وعلى رأسهم الجنرال جدعون عيزرا -نائب رئيس الجهاز- الذي كان يتولى قيادة الفريق المكلف بالبحث عن المهندس وتصفيته بالإضافة إلى الجنرال يعقوب بيري الذي قدم استقالته من الخدمة بعد عملية بيت ليد مباشرة، فقد عهد رابين إلى الجنرال كارمي غيون قيادة الجهاز وإثبات كفاءته ومهارته بالإجابة عن السؤال الذي يستهل به عادة اجتماعات القيادة المشتركة للموساد والشاباك وآمان، وهو أين المهندس؟. وجاء تعين الجنرال غيون على رأس الشاباك ليس لبراعته الفائقة في التعامل مع مثيري الاضطرابات من اليهود المتدينين وإنما لقدرته المفترضة على مواجهة التهديد الجديد الذي تشكله كتائب الشهيد عز الدين القسام وعلى رأسها القائد العبقري يحيى عياش. ولم يكن استبدال الجنرال غيون لرؤساء الأقسام الرئيسة والضابط المسؤول عن متابعة شؤون العملاء العرب العاملين لحساب الشاباك بأجيال شابة من الخبراء المحترفين في مجال الاستخبارات يتمتعون بكفاءات عالية مجرد إشارة عابرة على ضخ دماء جديدة في الجهاز، فقد علق أحد ضباط الشاباك على هذه التغييرات بقوله: «علينا أن نغير الاتجاه لأننا نواجه الآن عدواً من نوع مختلف»، في إشارة مؤكدة للمهندس(145). وإلى جانب ذلك، عبر التصريح الذي أدلى به رئيس الشاباك الجديد عن مغزى اختياره لهذا المنصب، إذ نقلت صحيفة يديعوت أحرونوت عن الجنرال كارمي غيون قوله: «لا أذكر، منذ سنوات طويلة جهداً مكثفاً ومركزاً يشارك فيه مثل هذا العدد الضخم من الناس من أجل ملاحقة شخص واحد كما هي هذه الحالة. فمنذ بضعة أشهر تبذل قوات الأمن جهوداً حثيثة ومكثفة ليلاً ونهاراً في سبيل اعتقال المهندس الذي توارى عن الأنظار قبل نحو سنتين، ومنذ ذلك الحين اختفى وكأن الأرض انشقت وابتلعته». وأضاف غيون: «إن عياش يبرهن على قدرة عالية جداً في البقاء، وقد تبين أنه ذكي ومتملص وبارع. وعلى ما يبدو فهو يحرص على استبدال مخبئه بوتيرة عالية، وهذا يجعل عملية العثور عليه بالغة الصعوبة. ورغم ذلك، فإن إلقاء القبض عليه هي مسألة وقت فقط. فالرجل يعيش في زمن مستعار»(146).

لم يكتف الجنرال غيون بدراسة ملف المهندس المحفوظ في أرشيف الشاباك، وإنما طلب لوائح الاتهام التي وجهت لكافة معتقلي حركة حماس التي ورد فيها اسم يحيى عياش. وكان رئيس الشاباك يستهدف جمع تفاصيل دقيقة عن خطوات المهندس ودوره في تجهيز العمليات وتنفيذها(147). وفي نفس السياق طالب غيون الوحدات الخاصة وعناصر الشاباك الذين يراقبون منزل المهندس في قرية رافات بتوسيع مهمتهم بتفتيش المنزل بدقة ونقل أية معلومات أو أوراق تفيد في عملية المطاردة إلى جانب مضايقة عائلته وتهديدها. فأحاطت مجموعة كبيرة من جنود الاحتلال بالفناء الخارجي لبيت المهندس، وبدأوا بإلقاء الحجارة بصورة مفاجئة باتجاه زجاج النوافذ والأبواب في حوالي الساعة الحادية عشرة قبل منتصف ليل يوم السبت الموافق 1 شباط (فبراير) 1995 الموافق الأول من شهر رمضان المبارك ثم اقتحم الجنود بعد ذلك المنزل وأرغموا زوجة المهندس ووالده المسن ووالدته العجوز وشقيقه وزوجته وأطفالهم على مغادرة المنزل لعدة ساعات، وقام ضباط الشاباك بتفتيش أبو يحيى تفتيشاً دقيقاً بعد أن طلبوا منه خلع (كمباز) كان يرتديه. ولم تتوقف المضايقات عند هذا الحد، إذ كرر ضباط الشاباك تهديداتهم لزوجة المهندس بوضع فوهة البندقية في رأس ابنها الصغير وقتله إن لم يسلم والده نفسه(148).

وبلغت وحشية جهاز الشاباك بقيادته الجديدة ذروتها حين اتخذت اللجنة الوزارية المكلفة بشؤون الأمن قراراً يوم الاثنين الموافق 23 كانون الثاني (يناير) 1995 بتمديد الإذن الممنوح لمحققي جهاز الشاباك بإجراء تحقيقات أكثر قساوة مع المجاهدين من حركة حماس بشكل عام والمشتبه بانتمائهم لكتائب الشهيد عز الدين القسام أو تقديمهم خدمات لها بشكل خاص(149). ولم يضيع هؤلاء المحققون الوقت، فباشروا باستعمال ضغوط جسدية متطورة بحق كل من اشتبه بعلاقته بالمهندس والمجموعات التي نظمها في الضفة الغربية. وكان من نتيجة هذه الضغوط أن استشهد المجاهد ناظم محمود عبد الله عمران (18 عاماً)، وهو من قرية عزون بقضاء طولكرم، اعتقل في أعقاب عملية البطل صالح صوي، في زنازين التحقيق بمعتقل الفارعة(150). كما استشهد المجاهد بلال محمد عبد الرحمن أبو زيد (21 عاماً) وهو من قرية قباطية القريبة من جنين وعثر على جثته في 28 شباط (فبراير) 1995 وبها (37) طعنة سكين في منطقة تخضع للسلطة الإسرائيلية محاذية لأريحا. وكان الشهيد قد اعتقل في آب (أغسطس) من عام 1994 وقضى خمسة أشهر في المعتقل بتهمة الانتماء لحركة حماس وتقديم خدمات للمهندس وللشهيد رائد زكارنة. وبعد خروجه، استدعاه ضابط الشاباك المسؤول عن منطقة جنين وطلب منه أن يندس بين كتائب عز الدين القسام ويعاود الاتصال بالمهندس. ولكنه رفض، فاستدعاه مرة أخرى في 12 شباط (فبراير) 1995 لمراجعة الإدارة المدنية الإسرائيلية، واختفت آثاره منذ ذلك الوقت(151).

وترجل الشهيد الثالث، عبد الصمد سلمان حسن حريزات (30 عاماً) في أقبية التعذيب بسجن المسكوبية يوم الثلاثاء الموافق 25 نيسان (إبريل)،1995 ولم يستطع محققو الشاباك وعملائهم انتزاع أية معلومة من الشهيد الذي قالت سلطات الاحتلال بأنه كان ضابط الاتصال بين المهندس والقائد طاهر قفيشة الذي أوكل إليه المهندس مسؤولية المطاردين في كتائب الشهيد عز الدين القسام بمنطقة الخليل(152). وربط الضباط الإسرائيليون بين ما يمارسونه من إجراءات قاسية أثناء التحقيق مع المشتبه بعلاقتهم مع المهندس وقصور الوسائل التقليدية كالاعتقالات الكثيفة والفصل بين المناطق في مواجهة العمليات الاستشهادية. فكتب المحرر الأمني لصحيفة يديعوت أحرونوت، رون بن يشاي حول هذا الأمر مشيراً إلى ذلك التبرير: «إذا لم يكن لديك معلومات دقيقة حول المكان والساعة التي ستتم فيها العملية فليس بمقدورك أن تحول دون تنفيذها، وسيجد المخرب المنتحر ومخططو العمليات دائماً بطناً فارغاً يوجهون الضربة المفاجئة نحوه. وحتى إغلاق محكم لن يمنع من إحباط عمليات كهذه حيث من الممكن دائماً الوصول مشياً على الأقدام مع 10 كلغم من المواد المتفجرة من قلقيلية إلى مفترق بيت ليد أو رعنانا»(153).

أما في إطار الحرب بين المهندس والجيش الإسرائيلي. فقد دخلت مرحلة مهمة بعد عملية بيت ليد الاستشهادية، تمثلت بموافقة الميجر جنرال امنون شاحك الذي خلف يهودا باراك في رئاسة الأركان على إدخال مهمة (مكافحة الإرهاب) ضمن خطة عمل الجيش السنوية باعتبارها مهمة رئيسة تضاهي المهام الأساسية الثابتة للجيش تماماً كحماية (المجال الجوي للدولة) على سبيل المثال. وتنطوي المهمة الجديدة على الأهمية البالغة التي يوليها الجيش الإسرائيلي ولموقعها في سلم الأولويات من ناحية تخصيص الموارد. ويوضح المعلق العسكري لصحيفة معاريف، أليكس فيشمان بأن الانعكاس الفوري لهذا التحديد يتعلق ببلورة نظريات جديدة في كيفية (محاربة الإرهاب) وإنشاء هيئة قيادية معنية تجمع تحت سقف واحد كافة الجهات والأجهزة في الجيش الإسرائيلي التي تعنى بمواجهة المجموعات الفدائية(154).

الحرب بلا هوادة هي الوسيلة التي تعامل بها الجنرال امنون شاحك مع المهندس، ولذلك صدرت الأوامر للآلاف من الجنود وبضمنهم وحدات استخبارية خاصة ووحدات مختارة من الجيش لمشاركة قوات حرس الحدود والشرطة وأفراد الشاباك في المطاردة الواسعة لاعتقال أو تصفية القائد القسامي. وشددت الأوامر العسكرية الإسرائيلية على ضرورة تركيز الحصار الذي يستهدف شل حركة المهندس وإرباك خططه إلى جانب تنشيط الوحدات الخاصة (فرق الموت) العاملة في الضفة الغربية وقطاع غزة ومضاعفة نشاطاتها وجهودها(155). ولأن المعلومات الاستخبارية قد اقتصرت على تحديد الأماكن التي تفترض الشاباك بأن المهندس يتجول بحرية فيها، فقد اقتصرت نشاطات الجيش الإسرائيلي على منطقتي نابلس وطولكرم. فوضعت قوات الجيش الحواجز العسكرية على مداخل قرى عصيرة القبلية ومادما والزاوية يوم الأحد الموافق 22 كانون ثاني (يناير) ،1995 وأوقفت السيارات التي تقل المواطنين المتجهين إلى مدينة نابلس واعتقلت عدداً من ركابها(156). وفي منطقة طولكرم، نفذت قوات الجيش الإسرائيلي أوسع حملة مداهمة وتفتيش لها في المنطقة، حيث قامت باقتحام خمسة مساجد في مدينة طولكرم بآن واحد يوم الأربعاء الموافق 25 كانون ثاني (يناير) 1995. وبررت سلطات الاحتلال هذه الحملة بأن الشاباك تُرجح تواجد المهندس في المنطقة باعتبار أن طولكرم وقلقيلية هي الأقرب إلى مفترق بيت ليد. وعاودت قوات الاحتلال مداهمة مسجدين من الخمسة في الأسبوع التالي واعتقلت ثلاثة شباب من أنصار حركة حماس. كما قامت وحدات من المظليين انتقلت بطائرة عامودية بعملية إنزال فوق الجبال وأراضي قرية كفر عبوش، وأجرت عملية بحث وسط الأحراش عن القائد والأماكن عياش. وتزامنت تلك العملية بقيام وحدات أخرى عبرت بالسيارات العسكرية بنصب حواجز عسكرية فجائية وتنظيم دوريات راجلة جابت شوارع مدينتي طولكرم وقلقيلية(157).

ولم تسلم قرى كفر الديك وقراوة بني حسان ودير بلوط وبروقين وصرة وكفر قدوم وعوريف وتل بالإضافة إلى مخيم بلاطة من عمليات البحث والتفتيش التي طالت معظم المنازل. وشملت حملة التفتيش أيضاً الكهوف والأحراش المجاورة لتلك القرى بحجة أن المهندس والمجموعات التي تعمل معه يستخدمون المناطق المهجورة والمخابىء داخل الجبال كقواعد آمنة لهم(158).

8- خاروف ينسف سيارة عسكرية

منذ أن انتقل المهندس إلى قطاع غزة، قفزت العمليات العسكرية باستخدام العبوات الناسفة إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه سابقاً. وهذه الظاهرة لم تترك آثاراً على أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فحسب، وإنما شملت أيضاً وسائل الإعلام والصحافة التي أولتها عناية خاصة بعد أن استمعت إلى تقارير الوحدات العسكرية الإسرائيلية المجاورة لمنطقة الحكم الذاتي في قطاع غزة. ويشير نداف هعتسنى في مقال نشره حول هذا الموضوع إلى أن الخطورة لا تنحصر في الكمية فقط، وإنما بنوعية تلك العمليات، والجودة العالية التي ميزت المواد المتفجرة المستخدمة. وقال هعتسنى في تحليله الذي بدا واضحاً أنه كان يستند إلى معلومات عسكرية خاصة: «تفيد المعلومات الواردة من الإسرائيليين والفلسطينيين، أنه منذ حادثة المسجد، ارتقت صناعة الإرهاب في غزة عدة صفوف، والنتائج في غزة ومحيطها واضحة. فهناك تطور مستمر على نوعية عمليات وضع العبوات وإطلاق النار.. وقعت حوادث إطلاق نار بكمية تجاوزت كل المقاييس، تقع خمس حوادث في اليوم أحياناً. وغالبية هذه الأحداث لا تصل إلى الصحافة، ففي الأسابيع الست الماضية تم اكتشاف سبع عبوات ناسفة، وبمعجزة لم تسبب خسائر في الأرواح. ولكن، في يوم الاثنين الماضي (23/1/1995)، انفجرت إحدى العبوات في موقع على محور كيسوفيم وأسفر الانفجار عن إصابة جنديين بجراح. وفي اليوم التالي، انفجرت عبوة أخرى على مسافة 200 متر من الموقع ذاته»(159).

كانت الدولة العبرية بأجهزتها وجيشها وإمكانياتها المتطورة تجتهد في عمليات البحث والتفتيش عن المهندس في الضفة الغربية، وتقيم الدنيا على سلطة الحكم الذاتي مطالبة الأخيرة بالمساهمة في المجهود عبر التضييق ومطاردة كوادر الحركة الإسلامية في مناطقها. وفي الطرف المقابل، ورغم ظروف المطاردة العصيبة والإجراءات الأمنية الاحترازية التي اتخذتها حركة حماس لحماية مجاهديها، فإن المهندس استمر في برنامجه الجهادي بعد أن أخذ في الحسبان التغييرات التي طرأت بعد عملية بيت ليد، وبخاصة انضمام سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني وشرطتها وأجهزة استخباراتها إلى الفريق العسكري والأمني الإسرائيلي الذي يطارده. فعلى عكس ما ورد في الوثيقة التي وزعها هاني الحسن (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح) بعد مجزرة حي الشيخ رضوان التي راح ضحيتها عدد من قادة ومجاهدي الكتائب القسامية والتي أشارت إلى أن سلطات الاحتلال قد اكتشفت سر وجود المهندس في قطاع غزة، بعد الكشف عن شاحنة في تل السبع فإن الدلائل التي توفرت من خلال دراسة المصادر الصحفية المتعددة وبخاصة تلك التي تصدر في داخل الأرض المحتلة، تشير إلى أن المخابرات الفلسطينية العامة بقيادة أمين الهندي توصلت عبر تعريض المعتقلين من حركتي حماس والجهاد الإسلامي لأصناف قاسية وشديدة من التحقيق والتعذيب المستمرين منذ العملية البطولية في بيت ليد وحتى بداية الأسبوع الثاني من شهر شباط (فبراير) إلى حقيقة انتقال المهندس إلى القطاع. وإن كنا لا نملك أدلة تثبت بأن المخابرات الفلسطينية أوصلت ما توصلت إليه إلى الشاباك، فإننا متيقنين بأن أجهزة سلطة الحكم الذاتي قد سارعت إلى التحرك باتجاه القبض على المهندس.

فقد اعتقلت المخابرات العامة التابعة للسلطة خليل إبراهيم قدورة من حي الشيخ رضوان والبالغ من العمر 45 عاماً، ووجهت إليه تهمة إيواء المهندس وعدد من مطاردي الكتائب بالإضافة إلى حيازة كميات كبيرة من الأسلحة وتمويل عدد من التنظيمات. ويصف حسن خليل -ابن المعتقل- والبالغ من العمر (18 عاماً) طريقة الاعتقال وإجراءات التفتيش، فيقول: «لقد داهمت قوة كبيرة من رجال المخابرات والانضباط منزلنا في الساعة الثانية عشرة ليلاً من يوم الثلاثاء الموافق السابع من هذا الشهر (شباط - فبراير) وقاموا بتفتيش البيت بدقة ثم أخبروا والدي بأنهم يريدونه أن يذهب معهم إلى السرايا وطلبوا منه أن يخبرهم عن المكان الذي يختبىء فيه المطارد يحيى عياش الملقب بالمهندس وأن يسلمهم الأسلحة التي بحوزته. وعندما هددهم بأنه سوف يشنق نفسه إذا قضى ليلته في السرايا. أعادوه إلى البيت في الساعة الثانية ليلاً تقريباً بعد أن أعطوه بلاغاً بالعودة إلى السرايا في الساعة السابعة صباحاً من اليوم التالي.. وحتى هذه اللحظة لم يعد. وكانت قد انقطعت عنا أخباره في الخمسة أيام الأولى من اعتقاله، بعدها اتصل بنا تلفونياً أحد رجال المخابرات وطلب مني أن أذهب إلى السرايا لمقابلة والدي وعندما ذهبت وضعوني في زنزانة لمدة ساعتين بعدها أدخلوني في غرفة تحقيق وجاء أحد رجال المخابرات وأخذ يطلب مني أن أكشف عن مكان المطاردين والأسلحة، بعد أن قال لي أن والدي قد اعترف على كل شيء وأنه اعترف بأنه يمول التنظيمات وأنا الذي أقوم بتوصيل هذه الأموال. وعندما أنكرت ذلك وطلبت منهم أن يحضروا والدي أمامي رفض ذلك. وبعد ساعتين أحضروا أبي كي أراه وكان يبدو عليه التعب والإعياء وعرفت حينها أنهم يحققون معه في التهم التي ذكرتها مسبقاً»(160).

هذه هي قضية خليل قدورة مع الشرطة الفلسطينية التي أخذت على عاتقها مسؤولية البحث عن مهندس الأجيال بعد أن فشلت كل الأجهزة الاستخبارية والعسكرية الإسرائيلية في العثور عليه. وتشكل هذه القضية بداية دور السلطة في المخطط الذي وضعته سلطات الاحتلال للإطاحة بالمهندس، إذ أن شرطة الحكم الذاتي استمرت في حملتها بتتبع كل من تشتبه بعلاقته بالمهندس أو تقديمه المساعدة والمأوى له. وترافقت هذه الحملة بإجراءات تفتيش وتحقيق عنيفة، فكان المشتبه به يودع المعتقل لفترة طويلة يتعرض خلالها للتعذيب النفسي والجسدي. ففي حالة خليل قدورة، استمرت عملية الاعتقال ثلاثة وعشرون يوماً، ولم يفرج عنه إلا بعد ضغط من أهله وبمناسبة عيد الأضحى(161).

وفي هذه الأثناء، واصل المهندس توزيع المهام والواجبات على مساعديه والمجموعات التي أفرزت للعمل معه. وعلى الرغم من تركيز القائد القسامي على عمليات تأهيل تلاميذه وإقامة مخازن ومستودعات في أماكن مختلفة يجري تخزين المواد المتفجرة فيها، إلا أنه لم يهمل دوره في مساعدة القائدين محمد الضيف وكمال كحيل. وفي إطار هذا الدور، توصلت عبقرية يحيى عياش إلى الاستعانة بخاروف ميت لتدمير دورية عسكرية إسرائيلية تمر في وقت محدد على الخط الشرقي. وكانت المجموعات التي تعمل في المنطقة الشمالية من قطاع غزة قد رصدت الدورية وأبدت استعدادها لنصب كمين لها ومهاجمتها بالأسلحة الرشاشة. ولكن المهندس وجد أن استخدام السلاح الآلي في تلك المنطقة يتسم بالمجازفة نظراً لحيوية ذلك المكان وكثافة السيارات العسكرية الإسرائيلية التي تستخدمه. وبدلاً من ذلك، صمم المهندس عبوتين ناسفتين وصلتا بسلك كهربائي تنفجرا بالتحكم عن بعد وخبأهما في جوف خاروف ميت. وقامت المجموعة الفدائية بوضع الخاروف على بعد (500) متر من محطة وقود تقع بين مفترق نتساريم ونحال عوز، وعند مرور سيارة الجيب التابعة لقوات حرس الحدود، في صباح يوم الثلاثاء الموافق 21 شباط (فبراير) 1995 ضغط أحد المجاهدين على زر التفجير فتمزقت السيارة العسكرية وتطايرت أجزاءها إلى مناطق بعيدة. وعلى الفور، أغلقت سلطات الاحتلال المنطقة، وهبطت طائرتان عموديتان قامتا بإنزال جنود من لواء المظليين لتعزيز عمليات البحث والتمشيط. وقد أسفرت العملية الجريئة عن مقتل ضابط برتبة ملازم وجندي. حيث أكد شهود عيان أن الجيب قد دمر بالكامل وشاهدوا جثتين إلى جانب أجزائه(162).

9- شاحنة تل السبع تكشف سر أبو حسن

بعد الضربات العنيفة التي وجهها المهندس وهزت أركان الدولة والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء، وجعلت المؤسسة العسكرية وأجهزة الأمن تتخبط في إجراءاتها وتحاول بشتى الوسائل والأساليب كشف وإحباط العمليات العسكرية المعدة قبل شروع الكتائب القسامية بالتنفيذ، وجدت الشرطة والشاباك في الشاحنة الغزية التي ضبطتها بالقرب من مدينة تل السبع بالنقب والتي كانت تحوي كمية من المتفجرات غير الجاهزة للانفجار قصة تستطيع فبركة فصولها بشكل يضفي إشارات النجاح على أجهزة الأمن كونها أحبطت عملية كبيرة كان المهندس قد أعد وخطط لها بعناية وإحكام. فقالت وزارة الشرطة الإسرائيلية بأن الشاحنة كانت محملة بعشرات الكيلو غرامات وأسطوانات الغاز وأن الهدف هو تفجيرها بمركز سكاني إسرائيلي في جنوب فلسطين المحتلة. وعدلت الشرطة في وقت لاحق روايتها وضخمت الإنجاز الذي حققته بالزعم أن الشاحنة فخخت بمئة كيلوجرام على الأقل من المواد المتفجرة ثم رُفع الرقم إلى مئتين كيلوجرام من مادة (ت.ن.ت) شديدة الانفجار(163). وأوردت الإذاعة الإسرائيلية من جهتها بأن الشاحنة كانت محشوة بأكثر من مائة كيلوجرام من المتفجرات فخخها «عدو إسرائيل الأساس يحيى عياش الذي يعيش متخفياً منذ عدة سنوات»(164). وأخيراً، عادت الإذاعة الإسرائيلية لتنقل عن متحدث باسم الشاباك بأن الشاحنة لم تكن معدة للاستخدام في عملية وإنما لغرض نقل مواد متفجرة غير جاهزة للانفجار عبأت في صناديق، والشابان اللذان اعتقلا لم يكونا ينويان تنفيذ عملية استشهادية كما روجت الشرطة في روايتها الأولى(165).

ومع هذا الوضوح في التخبط الذي وقعت فيه أجهزة الأمن الإسرائيلية، والتي أكدت بصورة قاطعة بأن القضية لا تعدو أن تكون فبركة إعلامية مقصودة، فإن قصة شاحنة تل السبع وإن كانت قد أربكت الشرطة الإسرائيلية لدرجة أنها لم تستطع مداراة ارتباكها، إلا أنها كشفت للشاباك سر كان حتى تلك اللحظة مجهولاً للمحققين. والسر الذي نعنيه هو أن القائد كمال كحيل لم يكن خبيراً بالمتفجرات ولم يتعامل في هذا السلاح أصلاً، بخلاف ما ورد في اعترافات المجاهد الجريح ضياء الشرفا الذي قال للمحققين بأن كمال أعد أكثر من عبوة ناسفة وأنه -أي كمال- جهز العملية الاستشهادية التي نفذها المجاهد أيمن عطا الله في أيلول (سبتمبر) من عام 1993(166).

تبدأ قصة شاحنة المتفجرات من قضية اعترضت استراتيجية المهندس الجهادية التي اعتمدها للتخفيف من آثار محدودية تحركه خارج قطاع غزة والإغلاقات المستمرة والحصار العسكري الذي تفرضه سلطات الاحتلال على القطاع في أعقاب كل عملية تنفيذ داخل فلسطين المحتلة منذ عام 1948. وتتمثل هذه المشكلة بشكل واضح بالحواجز العسكرية وقوات الشرطة والمفاجآت التي قد تعترض عملية نقل المجاهد الاستشهادي بالمتفجرات إلى داخل المناطق المحتلة. وحتى يتغلب المهندس على هذا العائق، وضع خطة تتضمن إقامة مخازن أو مستودعات آمنة في مناطق غير مأهولة بالسكان نسبياً يجري تخزين كميات كبيرة من المواد المتفجرة فيها بصورة سريعة ومتتالية، وفي وقت لاحق، تقوم مجموعات الإسناد بنقل المجاهد الاستشهادي إلى مكان المخزن ويتزود بالمتفجرات ثم ينطلق إلى هدفه بعد تزويده بالمعلومات والتفاصيل المطلوبة لتشغيل العبوة(167).

وبعد دراسة مستفيضة، وجد القائد القسامي أن منطقة تل السبع في النقب تعد غير مأهولة نسباً وقريبة في نفس الوقت على قطاع غزة والضفة الغربية. وعليه، طلب المهندس من أخيه كمال كحيل أن يتولى عملية تجهيز قاعدة آمنة في المنطقة بالتعاون مع عناصر سرية من أبناء الحركة الإسلامية. ولأن المجاهد وسام فرحات* [وسام فتحي رباح فرحات: من سكان حي الشجاعية شرق مدينة غزة ويبلغ من العمر 22 عاماً، وهو من مؤيدي حركة حماس وشقيقه نضال معتقل في سجن النقب على قضية لكتائب عز الدين القسام. وقد استشهد القائد عماد عقل في منزل عائلة وسام.] اعتاد العمل في قطاع البناء منذ فترة طويلة بمدينة تل السبع، فقد وجد فيه القائد كمال كحيل الشخص المناسب لترتيب إجراءات نقل وتخزين المواد المتفجرة، خاصة وأنه أقام علاقات جيدة مع عماد أبو رقيق (23 عاماً) وهو بدوي من سكان تل السبع ومؤيد للحركة الإسلامية.

وخلال اللقاء الذي تم بين كمال كحيل ووسام فرحات في منزل الأول بحي الرمال، في شهر كانون الثاني (يناير) من عام ،1995 بهدف تحديد دور وسام في المساعدة بتأسيس المخزن وتسهيل عملية نقل المجاهدين الاستشهاديين من حاجز إيرز إلى تل السبع، اقترح وسام استخدام الشقة التي استأجرها في تل السبع والاستعانة بعماد أبو رقيق. وبناء على ذلك، التقى القائد كمال كحيل مع عماد وتحدث معه عن أفضل الطرق للوصول بالمواد المتفجرة إلى داخل الخط الأخضر، واتفق معه أن ينتظر المجاهدين عند حاجز ايرز ويرشدهم للطريق إلى تل السبع(168).

ولكن الخطة جمدت بسبب الإغلاق الشامل الذي فرض على قطاع غزة بعد عملية بيت ليد. وما أن أعيد فتح حاجز ايرز بتاريخ 19 آذار (مارس) ،1995 حتى طلب المهندس من القائد كمال كحيل المباشرة بتنفيذ الخطة السابقة حيث اتفق مع وسام فرحات ورياض محمد أحمد السمري، وهو سائق شاحنة من غزة يبلغ من العمر (44 عاماً) ولديه شاحنة من طراز فولفو تحمل تصريح إسرائيلي بدخول المناطق المحتلة منذ عام 1948 لنقل الدجاج من قطاع غزة، على اللقاء في ورشة تقع بين بيت لاهيا والشجاعية في الساعة الرابعة والنصف من بعد ظهر يوم الاثنين الموافق 20 آذار (مارس) 1995. وفي الموعد المحدد، وصل وسام ورياض وأدخلت الشاحنة إلى الورشة التي كانت محاطة بجدار حجب ما يجري بالداخل.وكشف وسام للمحققين الإسرائيليين فيما بعد بأن أربعة أشخاص فقط اشتركوا في نقل عبوتين جانبيتين وأربعة حقائب من نوع جمسبون، تزن الواحدة بين 5 و7 كيلوجرامات من المتفجرات (المجموع الكلي بين 30 و42 كيلوجرام)، إلى مكان أعلى كابينة السائق وموهت بشكل لا يستطيع من يبحث في الشاحنة أو يفتشها اكتشاف الحقائب.

ولم يكن الأربعة سوى وسام ورياض وأبو حسين وهو أحد قادة حركة حماس في مدينة غزة، وفق ما ذكره وسام، بالإضافة إلى شاب التقاه أكثر من مرة عند القائد كمال كحيل ولكنه لم يتعرف على اسمه حيث اكتفى بتعريف نفسه باسم (أبو حسن). ولأن وسام لا يحمل تصريح دخول للمناطق المحتلة منذ عام ،1948 فقد اختبأ داخل الشاحنة التي انطلقت باتجاه حاجز ايرز. وبعد عبور حاجز ايرز، تتبعت الشاحنة سيارة عماد أبو رقيق نحو تل السبع حيث وصلت المنطقة المسكونة في نحو الساعة السادسة والربع مساءً. وعندئذٍ، نزل رياض السمري من غرفة السائق وتوجه إلى الجزء الخلفي للسيارة وطلب من وسام الخروج من مخبأه. وما أن بدأ وسام بالنزول حتى عاد رياض وأشار إليه بالبقاء في مخبأه داخل الشاحنة، إذ لاحظ دورية شرطة تقترب من الشاحنة. وهنا حدث الخلل، فقد ارتبك عماد أبو رقيق وأطلق العنان لسيارته رغم تحذيرات دورية الشرطة التي توقفت بجانب الشاحنة. وازدادت شكوك الشرطيين الإسرائيليين عندما تلعثم رياض بالإجابة عن أسئلتهما، فطلبوا منه تفريغ الشاحنة من أقفاص الدجاج، بينما قام أحدهما بالتفتيش داخل غرفة القيادة. فارتبك المجاهد رياض السمري، وقام بمهاجمة الشرطيين بقضيب حديد وضربهما بقوة على رأسيهما قبل أن يهرب باتجاه قرية تل السبع. ومع قدوم التعزيزات من قوات الشرطة وحرس الحدود وتفتيش الشاحنة وإلقاء القبض على وسام فرحات ومن ثم رياض السمري في اليوم التالي، قام خبراء متفجرات من الشرطة الإسرائيلية بتفجير الشاحنة التي تطايرت بقاياها على مسافة مئات الأمتار بعد فشلهم في إبطال مفعول العبوات الناسفة والحقائب المفخخة التي أعدها المهندس(169).

وتلقفت أجهزة الإعلام الإسرائيلية الموضوع، وبدأت تنسج الأكاذيب والقصص الخيالية عن الشاحنة وعن كمية المتفجرات في سياسة مقصودة ومبرمجة. وفي نفس الوقت، تعرض المجاهدان لظروف اعتقالية خطيرة بسبب التحقيق والتعذيب الشديدين في سجن عسقلان. فقد نقل المحامي صالح محاميد الذي سمحت له سلطات الاحتلال زيارة المجاهدين المعتقلين يومي 28 و29 آذار (مارس) 1995 «أنهما يتعرضان لتعذيب جسدي عنيف خلال التحقيق من قبل ضباط المخابرات الإسرائيلية لانتزاع اعترافات منهما حتى أن رياض بسبب التعذيب الوحشي أغمي عليه ثلاث مرات خلال اللقاء ولم يستيقظ خلال ساعة الزيارة سوى خمس دقائق فقط». ويضيف المحامي محاميد: «إن وضعهما سيئ للغاية وبحاجة سريعة لعلاج طبي ونقل للمستشفى»(170). وتؤكد مصادر أمنية رفيعة المستوى تعمل مع سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني في قطاع غزة بأن الجنرال كارمي غيون - رئيس الشاباك- أشرف بنفسه على التحقيق بشكل مباشر مع وسام ورياض حيث اعترف المجاهد وسام فرحات بأنه خطط مع كمال كحيل وأبو حسن وعماد أبو رقيق لأسر جندي إسرائيلي من إحدى المحطات بين اسدود وبئر السبع بعد إقناعه بركوب سيارة من نوع (gmc) مزودة بلوحات إسرائيلية صفراء كان عماد قد اشتراها لهذا الهدف. وتضمنت الخطة أيضاً، تنويم الجندي بغاز التنويم ثم نقله إلى اسدود، ومن هناك يدخل إلى شاحنة كبيرة تقله إلى قطاع غزة، ويضيف وسام بأن أبو حسن طلب منه مرافقة عماد أبو رقيق في جولاته الاستكشافية بين أسدود وبئر السبع لفحص المنطقة والتأكد من وجود جنود في الطريق إلى جانب فحص الوضع العام من ناحية الحواجز العسكرية. وقد تجمدت عملية التنفيذ بعد وقت قصير من الجولة الاستكشافية بسبب الطوق الشامل إثر عملية بيت ليد(171).

اسم أبو حسن هذا عاد إلى تصدر أوراق التحقيق مرة أخرى حين اعترف المجاهد وسام فرحات بأنه كان أحد أفراد المجموعة التي وضعت عبوات ناسفة بالقرب من مفترقات الطرق المؤدية إلى المستوطنات والثكنات العسكرية، ثم.. وهنا كانت المفاجأة الأهم، كشف للجنرال غيون أن القائد كمال كحيل لم يقم بتجهيز العبوات الناسفة ولا الحقائب المفخخة لأنه يجهل التعامل مع المتفجرات، وأن الذي قام بذلك هو أبو حسن الذي التقاه أكثر من مرة ليتسلم منه عبوات ناسفة. وحين ضغط الجنرال غيون وكبار مساعديه على المجاهد المعتقل طالبين أوصاف هذا الشخص، قدم وسام إجابة دقيقة مكنت المختصين في الشاباك من رسم صورة تقريبية بُنيت على الوصف، فكانت الملامح فيها أقرب ما تكون إلى ملامح القائد يحيى عياش. وعندئذٍ اطمأن رئيس الشاباك إلى المعلومات التي وردته من بعض مسؤولي الأجهزة الأمنية في سلطة الحكم الذاتي، فأمر المحققين بالضغط أكثر على وسام لتقديم معلومات وافية عن مكان إقامة كمال كحيل في حي الشيخ رضوان، وهو المكان الذي التقى فيه وسام بالمهندس دون أن يتعرف على شخصيته(172).

10- ويمكرون ويمكر الله

اعتبر المحققون الإسرائيليون، وأولهم رئيس جهاز الشاباك، أن فرصة القضاء على المهندس والتخلص من الرعب الذي يشكله داخل المجتمع الإسرائيلي قد أصبحت فرصة واقعية بعد انتهاء التحقيق مع المجاهدين المعتقلين، فالاعترافات التي توفرت للجنرال كارمي غيون تشير إلى أن المهندس والعديد من قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام يقضون وقتاً محدداً في شقة سكنية بحي الشيخ رضوان. وحتى لا تضيع هذه الفرصة، وضع قسم العمليات بجهاز الشاباك خطة لمراقبة الشقة ومعرفة كل من يتردد عليها، وأوقات وجود المهندس فيها، ومداخلها ومخارجها، قبل الإقدام على تنفيذ أي عملية عسكرية. وقامت خطة المراقبة على ثلاثة أسس هي:

أ- الاعتماد على العملاء المحليين الذين يعرفون سكان المنطقة لرصد وتسجيل أوصاف كل الغرباء، وتمرير المعلومات أولاً بأول إلى ضباط الاتصال بالطرق المعتادة. ويستهدف هذا الأمر، التأكد من وجود المهندس بشكل محدد.

ب- تقديم رسم دقيق جداً للمبنى الذي تقع فيه الشقة، وتصوير مداخله إن أمكن، إضافة إلى تصويره من الخارج، مع تركيز الاستطلاع على الدرج الممتد من بداية المبنى إلى طابقه العلوي، ومعرفة ما إذا كان السكان يستخدمون بيت الدرج في تخزين أي مواد وما هي طبيعة هذه المواد وحجمها.

ج- التعاون مع الأجهزة الأمنية الفلسطينية، والتنسيق مع مسؤولي الأجهزة الذين يمكنهم المساعدة في تقديم التسهيلات اللازمة والمشاركة في العملية مباشرة. واستناداً لما كشفه هاني الحسن (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح) فإن العميد غازي الجبالي الذي كان يتولى مسؤولية إدارة شرطة الحكم الذاتي في مدينة غزة في ذلك الوقت، استطاع إقناع القائد كمال كحيل بأن المخابرات الإسرائيلية تعتزم تصفيته، وأن الشاباك تمارس ضغوطاً كبيرة عليه -أي الجبالي- لتقديم المساعدة. واقترح العميد الجبالي على القائد القسامي وضع ضابط للاتصال بينهما من أجل تلافي اعتقال كحيل أو تصفيته. وبناء على ذلك، عين الجبالي شخصاً يدعى عاطف العايدي كضابط اتصال مع القائد كمال كحيل. وأكمل الجبالي مسرحيته بإيهام القائد القسامي بصدق نواياه حيث قام بتسريب جملة معلومات أمنية قيمة حتى بات الشهيد كمال كحيل ميالاً للاقتناع بصدقه وحسن نواياه(173).

وبعد انتهاء عملية المراقبة وجمع المعلومات من عملاء الشاباك ومخبري غازي الجبالي، تسلم محققو الشاباك النتائج والتقارير. وعند مقارنة أوصاف المطلوبين من كتائب الشهيد عزالدين القسام، تبين أن أبرز الذين يترددون على الشقة هم: يحيى عياش، وكمال كحيل، ونضال دبابش وحاتم حسان. كما أشارت التقارير أيضاً إلى وجود ما يشبه المستودعات المليئة بصناديق القمامة والصناديق الفارغة تحت بيت الدرج، وهي صناديق تحوي مواد كيماوية خاصة بالدهان وصبغ السيارات تعود لصاحب الشقة كونه يعمل في تلك المهنة.

وقد ركز ضباط الشاباك على هذه النقطة بشكل كبير لاستغلالها لاحقاً في وضع العبوات الناسفة شديدة الانفجار في أسفل الدرج المقابل للطابق الثاني حيث تقع الشقة. وفيما يتعلق بأنسب الأوقات لعملية التفجير، أفادت التقارير الاستخبارية بأن المهندس وعدد كبير من مقاتلي الكتائب يتواجدون في الشقة بين الثانية عشرة ظهراً والرابعة بعد الظهر. ولأن أجهزة الأمن الإسرائيلية تعرف المنطقة جيداً، فقد تم تأشير المبنى على خارطة مدينة غزة، وخارطة حي الشيخ رضوان تحديداً، وعرضت الخارطتان على العملاء الذين قاموا بالاستطلاع لإضافة أي معلومات ممكنة بشأنها قبل تنفيذ عملية التفجير. وأما فيما يتعلق بالعملية نفسها، فقد تقرر وضع العديد من العبوات الناسفة في بيت الدرج وعبوة ناسفة تحتوي على كيلو غرامين من مادة (ت.ن.ت) في صندوق القمامة القريب من الباب الرئيسي للشقة، حيث أكدت الاستطلاعات بقاء هذا الباب مغلقاً بشكل دائم، وهو ما أدى إلى تسهيل العملية إلى حد كبير. وفي أثناء وضع اللمسات الأخيرة على خطة تفجير المبنى، قررت الشاباك إخلاء المنطقة من العملاء بشكل كامل في ساعة التفجير(174).

وبعد أخذ موافقة القيادة السياسية الإسرائيلية، أمر الجنرال كارمي غيون بالمباشرة بالعملية حيث قامت خلية تجسس تعمل لصالح الشاباك يتزعمها رفيق عليان ومن أبرز أعضائها، رائد العجور الذي يشغل منصب قائد القوة التنفيذية لأمين الهندي (رئيس جهاز المخابرات الفلسطينية العامة) وأسامة الغول الذي يشغل أيضاً منصب قائد القوة التنفيذية للعميد موسى عرفات (رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية) بوضع العبوات الناسفة في بيت الدرج يوم الأحد الموافق 2 نيسان (إبريل) 1995. وحتى تتأكد الشاباك من وجود المهندس في ذلك الحين داخل الشقة، قام عاطف العايدي وبرفقته رفيق عليان بزيارة القائد كمال كحيل. ولكن عناية الله، جعلت تلك الزيارة تحقق عكس ما هو مرجو منها، إذ أثارت استياء المهندس الذي احتج بعد خروج العايدي وعليان على قبول الشهيد كمال كحيل باستقبال أشخاص لا يعرف انتماءهم الحقيقي. ولذلك، خرج المهندس وبرفقته عبد الفتاح السطري من الشقة مباشرة بعد مغادرة العايدي وعليان، أي في تمام الساعة الثالثة من بعد الظهر.

وفي نحو الساعة الثالثة والثلث، عاد رفيق عليان إلى المبنى متنكراً بزي امرأة، دون أن يدري بخروج المهندس -وكان يحمل بيده حقيبة سوداء تحوي كيلو غرامين من المتفجرات وسلمها إلى الطفل بلال سعيد دعبس (ابن صاحب الشقة)، وطلب منه أن يسلمها إلى القائد كمال كحيل* [ذكر تقرير لحركة حماس في قطاع غزة بأن شباب عاديين من حماس شكوا برفيق عليان في ذلك اليوم لأنهم رأوه متنكراً بزي امرأة، وقد حلق شاربه، واعترف لهم بما فعل. ولكنه تمكن من الهرب منهم حيث لم يكونوا مسلحين، وتوقع التقرير أن العميل هرب إلى مصر أو ألمانيا.]. وما هي إلا ثوان حتى دوى انفجار هائل دمر المبنى وأودى بحياة القائد كمال كحيل وحاتم حسان وبلال دعبس وسعيد إبراهيم دعبس الذي توفي متأثراً بجراحه بعد خمسة أيام من الجريمة بينما أصيب على الصباح ونضال دبابش بجروح وحروق متوسطة نقلا على أثرها إلى المستشفى حيث قامت عناصر تابعة لجهاز الأمن الوقائي بسلطة الحكم الذاتي باختطاف الأخير للتغطية على (المجزرة - المؤامرة) كونه الساعد الأيمن للقائد كمال كحيل وشارك منذ خمس سنوات في الجهاز العسكري لحركة حماس وعمل بشكل أساسي بالتنسيق بين المهندس والقائد الشهيد لنقل الوسائل القتالية ووضع الخطط لتنفيذ العمليات العسكرية وتصفية خلايا التجسس الإسرائيلية في مناطق قطاع غزة(175).

لم تكتف شرطة الحكم الذاتي بالدور الذي قامت به، بل عملت على ترويج الأكاذيب والافتراءات في محاولة مكشوفة لبث الدعاية المغرضة بأن حركة حماس غير مهتمة بأمن وسلامة الجمهور الفلسطيني. فقالت السلطة الفلسطينية عبر العميد غازي الجبالي والطيب عبد الرحيم بأن الشقة في الحقيقة هي «مركز تستخدمه حماس لصنع المتفجرات، والانفجار ناتج عن أخطاء ارتكبها أعضاء الحركة أثناء عملية التعامل مع هذه المتفجرات»(176). ومع أن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) لم تكلف نفسها عناء الرد على هذه الأكاذيب لوضوح الحقيقة لدى جماهير الشعب الفلسطيني، فإن بعض الشرفاء من داخل سلطة الحكم الذاتي نفسها انبروا يفندون هذه الافتراءات حيث عقد خبيرا المتفجرات في مديرية الدفاع المدني مؤتمراً صحافياً في غزة نفيا فيه رواية غازي الجبالي، وأشارا إلى أن الانفجار ناجم عن عبوة ناسفة موقوتة وضعت بفعل فاعل أثناء غياب سكان المنزل عنه(177). كما شاهد الجميع على شاشات التلفاز كيف أن أحد ضباط غازي الجبالي ضغط بقدمه على الحقائب التي قيل أنها كانت مفخخة، ثم ادعى أنه يفكك عبوات، وبعد ذلك حمل العبوات وسار وسط حشود من أفراد الشرطة الفلسطينية، وهو ما لا يقبله عقل أو منطق. إذ لو كان ما يحمله عبوات، لما سار معه أحد، ولما حملها على صدره خشية انفجارها(178).

11- لغز القبر الرابع

بعد الانفجار العنيف في حي الشيخ رضوان، راجت شائعات قوية بأن المهندس قد قتل، وأخذت وكالات الأنباء الأجنبية ووسائل الإعلام المختلفة تبث في صدر نشراتها بأن يحيى عياش الذي اشتهر بلقب (المهندس) كان بين قتلى الانفجار في غزة. واستندت هذه الإشاعات إلى معلومات سربتها الشاباك بشكل غير مباشر بطلب من الجنرال كارمي غيون الذي حاول أن يضفي هالة من العبقرية على هذا الإنجاز الذي يشكل حلم الدولة العبرية. ومما دعم هذه الروايات، تضارب الأنباء حول عدد الشهداء الذين قضوا في (المجزرة - المؤامرة) التي استهدفت قادة ومجاهدي كتائب عز الدين القسام. فقد بدأت بيانات شرطة الحكم الذاتي بالإعلان عن سقوط ثمانية شهداء، ثم خفضت العدد إلى ستة قبل غروب شمس اليوم. ولم يمض أربع وعشرون ساعة حتى نقص العدد إلى خمسة. وأخيراً، أعلنت الشرطة الفلسطينية في بيانها العثور على أربعة جثث تعود ثلاث منها للشهداء: كمال كحيل وحاتم حسان والطفل بلال الدعبس بينما لم يتم تشخيص الجثة الرابعة نظراً لعدم توفر وسائل فنية لتشخيص الجثث وفحص أنسجة العظام. ولم تكن هذه الجثة التي دفنت في قبر مستقل إلى جانب قبور الشهداء الثلاثة سوى أشلاء الشهداء أنفسهم التي تناثرت لمسافات كبيرة نتيجة شدة الانفجار. ولئن تجاوزنا هذه الحقيقة، فإن (الجثة المجهولة) كانت مشوهة بدرجة كبيرة جعلت التعرف على صاحبها أمراً متعذراً. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن العميد غازي الجبالي الذي كان متيقناً من وجود المهندس داخل الشقة، أراد أن يكون صاحب البشرى بأن الجثة المجهولة قد تكون ليحيى عياش. ولم يكتف العميد الجبالي بذلك، بل أنه حاول تأكيد هذه الرواية بالزعم «أن مسؤولي الأمن الفلسطينيين ضبطوا وثائق في المبنى المكون من ثلاثة أدوار تفيد بأن يحيى عياش وكمال كحيل تعاونا في إعداد المواد المتفجرة التي كانت حماس تعتزم استخدامها في غزة ضد مسؤول رفيع في منظمة التحرير الفلسطينية»(179).

وتلقفت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه الأخبار، لتضع صحيفتي يديعوت أحرونوت ومعاريف الصادرتين يوم الثلاثاء الموافق 4 نيسان (إبريل) 1995 في صدر عناوينها الرئيسة أن الشرطة الفلسطينية تعتقد أن المهندس يحيى عياش من بين قتلى الانفجار في حي الشيخ رضوان. وأبرزت الصحيفتان توضيحات قائد شرطة غزة، العميد غازي الجبالي التي جاء فيها: «إن الشرطة الفلسطينية تفحص إمكانية أن إحدى الجثث التي لم يتم تشخيصها حتى الآن هي جثة يحيى عياش». واستخدم الجبالي كلمات (قد تكون) و(إمكانية) و(نعتقد) حتى لا يفهم بأنه كان على علم بوجود المهندس داخل الشقة.

وكان سفيان أبو زايدة، عضو اللجنة الحركية العليا لحركة فتح بقطاع غزة، أكثر حذراً حين دعا المتفائلين الإسرائيليين بنجاح جريمتهم إلى التريث ريثما يتم التأكد من الجثة الرابعة، وإذا كان يحيى عياش من بين الأشخاص الذين قضوا في عملية التفجير أم لا، وإن كان أبو زايدة قد قال صراحة للإذاعة الإسرائيلية بأنه (يعتقد) أن التحقيقات وتشخيص الجثة ستقود إلى هذه الحقيقة، أي مقتل المهندس(180). وانجر اليكس فيشمان، المحرر المسؤول عن الشؤون الأمنية في صحيفة معاريف وراء هذه الإشاعات، فأخذ يحلل طبيعة العلاقة بين كمال كحيل ويحيى عياش وتعاونهما في التخطيط والتنفيذ، ومما جاء في المقال الذي كتبه تحت عنوان (الحكم الذاتي ليس ملجأً آمناً لمطلوبي حماس): «الانفجار الذي وقع أمس في شقة في حي الشيخ رضوان، شطب من رأس قائمة المطلوبين القساة جداً في القطاع اسم كمال كحيل رئيس خلايا عز الدين القسام، الذي تلوح صورته في ملصق المطلوبين المعلق في غرف وحدات الجيش والشرطة، إلى جانب صورة المطلوب رقم واحد في الضفة المهندس يحيى عياش. إن حقيقة وجود صورهما الواحدة إلى جانب الأخرى ليست عفوية، حيث تعاونا لفترة طويلة سواء بتحضير العبوات على اختلاف أنواعها أو بترويج أسلوب المنتحرين»(181).

نام الإسرائيليون، حكومة وشعباً، تلك الليلة بهدوء واطمئنان بعد أن وضع الجنرال كارمي غيون الذي تعهد لدى تسلمه مهام منصبه بأن تكون مهمته الأولى تصفية المهندس، النهاية السعيدة -باعتقادهم- للمطاردة المتبادلة مع الأسطورة التي أقلقتهم لثلاث سنوات، والذي تصادف مع مرور ثلاث سنوات على الإعلان عن يحيى عياش كمطلوب للحكومة الإسرائيلية. ولم يكن يخطر ببال أحد منهم، وحتى رابين أو غيون، بأن تتبخر السعادة وتستبدل الطمأنينة بالشك والخوف بعد أربع وعشرين ساعة فقط. ففي اليوم التالي للجريمة، بدأ الغموض يحوم حول ما اعتبره الجبالي وغيره حقيقة، إذ أوضحت تحقيقات أجراها طاقم خاص بشرطة الحكم الذاتي بأن يحيى عياش لم يكن من بين القتلى.

ونقلت صحيفة معاريف تصريحاً لمسؤول كبير في السلطة الفلسطينية لم تشر إلى اسمه جاء فيه: «لدينا دلائل أن يحيى عياش كان بالفعل في مصنع المتفجرات في حي الشيخ رضوان، ولكنه خرج من البناية قبل بضع دقائق من وقوع الانفجار». وفي إشارة إلى الدلائل التي توفرت لديه، أضاف المسؤول الفلسطيني بأن جميع القادة السياسيين لحركة حماس في قطاع غزة توجهوا بسرعة بعد وقوع الانفجار إلى مستشفى الشفاء وتفحصوا هوية الشهداء، ولم يغادروا إلا بعد أن تيقنوا بأن المهندس قد نجا(182). وازداد الغموض لدى سلطات الاحتلال وأجهزتها الأمنية حين أكدت الشرطة الفلسطينية في اليوم التالي أنه لا يوجد قتيل رابع. وعليه، فإن القبر الرابع احتوى على أشلاء للشهداء الثلاثة لم يتم تحديدها بالضبط. وعندئذ، تنصل العميد غازي الجبالي من روايته وادعى بأن وكالة رويتر نقلت عنه معلومات غير دقيقة، بل أنه نفى أن يكون قد تحدث مع المراسلة أصلاً(!). وليس هذا فحسب، فحين توجهت صحيفة يديعوت أحرونوت بالسؤال لعدد من المسؤولين في غزة حول ما إذا كان المهندس حي أم ميت أو يعيش في الضفة الغربية، رد العميد الجبالي بالقول: «إن يحيى عياش لم يكن هناك». وجاءت الردود الأخرى مثيرة للتكهنات المتناقضة أوقعت جهاز الشاباك في حيرة من هذا الأمر. فمن جهة حركة حماس في ذلك الوقت، قال عماد الفالوجي: «لا توجد معلومات واضحة، هذه كلها إشاعات وسيظهر الأمر لاحقاً ونحن لسنا متعجلين من أمرنا»، بينما رد الدكتور غازي حمد على تساؤلات الصحيفة: «إذا كان المهندس قتل فلن نخفي ذلك، وأنه لشرف له أن يكون شهيداً.. إن هذه الأنباء ما هي إلا تصريحات من الشرطة الفلسطينية تستهدف تهدئة الإسرائيليين، ولكن هذا النبأ عار عن الصحة». ويضيف سفيان أبو زايدة بما يناقض ما ذهب إليه في يوم الانفجار بقوله: «ليس هناك أحد يعرف ما حل بمصير يحيى عياش وأين يتواجد»(183).

أما عائلة المهندس، فقد بدت غير مكترثة لكل هذه الشائعات، لإيمانها بأن كل شيء في يد الله سبحانه وتعالى. ولم تخرج إجابة أبو يحيى عن هذا المفهوم، إذ أجاب مذيع القناة الأولى بالتلفزيون الإسرائيلي الذي زار رافات لمعرفة رد فعل العائلة بقوله: «إن كان موجوداً في غزة فلم يبحثون عنه عندنا، بإمكانهم التفتيش عنه في غزة، وإذا كان قد قتل فهذا من عند الله والموت حق على كل إنسان، وكلنا سنموت وليس يحيى فقط.. عدا عن ذلك، فإن يحيى ليس وحيداً، فكل الناس هم يحيى.. إياك أن تظن أن يحيى يعمل لوحده، فكل الشعب هو يحيى»(184).

ويبقى الأثر الأهم للغز القبر الرابع، ما يتعلق بجهاز الشاباك نفسه، الذي دبر عملية التفجير للتخلص من المهندس. فقد بقي ضباط الاستخبارات ومحققي الشاباك أسبوعاً كاملاً يتساءلون هل قتل يحيى عياش أم لا زال بين الأحياء يتجول بصمت في منطقة ما بين الضفة الغربية وقطاع غزة وربما حتى داخل الخط الأخضر.

فيكتب محرر الشؤون الأمنية في صحيفة يديعوت أحرونوت تقريراً مطولاً تحت عنوان (المهندس: حي أم ميت) جاء فيه: «ليس هناك معلومات تتيح الرد على هذا السؤال. ولكن يبدو أن هذا الأمر لا يحول دون رواج الشائعات في غزة والضفة وحتى داخل إسرائيل ذاتها من قبل: كان في البيت في حي الشيخ رضوان أثناء الانفجار؟ تمكن من الخروج من البيت قبل لحظات؟ قتل؟ يتجول بين نابلس ورام الله؟ كل وإشاعته، فإذا كان المهندس لا زال بين الأحياء، فإن ذلك يعد إخفاقاً لجهاز المخابرات الإسرائيلي لا سيما وأن هذا الرجل لا يعمل كذئب منفرد وإنما بالاستعانة بشبكة كبيرة من المعاونين الذين يزودونه بالوثائق اللازمة لتنقلاته والمواد المتفجرة والمأوى والغذاء، كما يزودونه بالملابس ويجرون لحسابه اتصالات مع منفذي الهجمات ومع القيادة».

وتمضي الصحيفة إلى القول: «في أوساط الهيئة الأمنية الإسرائيلية باتوا يشعرون بالجنون، ويتساءلون، إذا كان عياش على قيد الحياة فلماذا لا يظهر دلائل تشير إلى أنه حي يرزق؟ غير أن هذه الأوساط تعتقد أن الرجل الذي يتوق الإسرائيليون شوقاً إلى شطبه من قائمة الأحياء يتجول سالماً معافى، وربما كان يعد العدة لهجوم مباغت غير مبال بالأسئلة التي تحوم في الفضاء حوله»(185).

12- شيخ أزهري يشارك في جنازة بدون شهداء

«قاس، ومجنون، وماكر.. الأكثر جرأة والأقل خوفاً» هذه هي بعض الأوصاف التي نسبت للشهيد القائد كمال كحيل. والتعابير الأولى مأخوذة من انطباعات إسرائيلية لضباط ومعلقين عسكريين، بينما الأوصاف الأخيرة ترددت على لسان جماهير الشعب الفلسطيني التي عرفت كمال عن قرب. فالشهيد القائد الذي ولد في حي الرمال بمدينة غزة عام ،1961 كان الابن الرابع لأسرة فقيرة عاشت أوضاعاً اقتصادية صعبة، الأمر الذي اضطر معه إلى ترك الدراسة في الصف الثالث الإعدادي ليعمل مع والده في المخبز الصغير بحي الصبرة، قبل أن يتحول للعمل في مهنة السمكرة داخل الخط الأخضر. وعرف الشهيد طريقه إلى مسجد العباس منذ نعومة أظافره فكان شبلاً إسلامياً، تميز على الدوام بنشاطه وفعاليته في صفوف الحركة الإسلامية في القطاع. وحين تفجرت الانتفاضة المباركة، شارك الشهيد بفعالية في المواجهات والصدامات ليلتحق بكتائب الشهيد عز الدين القسام بعد تشكيلها بفترة قصيرة ضمن مجموعة الشهيد طارق دخان والشهيد ياسر الحسنات. وسرعان ما تحول إلى واحد من أخطر المطلوبين الذين كانت تبحث عنهم الشاباك وعرف عنه بأنه المطلوب رقم واحد لسلطات الاحتلال في قطاع غزة حيث لعب دوراً مهماً في تنظيف غزة من العملاء إلى جانب مسؤوليته في انتقاء وتجنيد المجاهدين وتأهيلهم. كما نفذ الشهيد القائد العديد من العمليات البطولية، والهجمات الناجحة ضد دوريات وجنود العدو، إذ كان من أبرزها الثأر للشهيد عماد عقل بقتل الكولونيل مئير مينتس -قائد الوحدات الخاصة في القطاع- وضابط آخر برتبة رائد بعد شهر واحد فقط من استشهاد عماد. وإلى جانب هذه المساهمات، بذل القائد القسامي ماله في سبيل دعم الجهاد وظل حاملاً روحه على كفه يرافقه الشهيد حاتم حسان والجريح نضال دبابش في سبيل الله. وحين وفد المهندس إلى قطاع غزة، أوكل للشهيد كمال كحيل توفير الحماية ومجموعات الإسناد والدعم له، ولم يكتف بذلك، فقد أصر على مشاركة المهندس في وضع (14) عبوة ناسفة والتخطيط لثلاث عمليات استشهادية(186).

ولأن القساميون يمتلكون مصداقية عالية في أوساط الشعب تراكمت عبر العطاء الجهادي المتواصل، فقد تجمع نحو خمسين ألف شخص من أبناء قطاع غزة في صلاة ظهر اليوم التالي بالمسجد العمري الكبير بمدينة غزة حيث كان مفاوضون من حركة حماس قد اتفقوا مع سلطة الحكم الذاتي أن تُسلم لهم -أي حماس- جثث شهداء مجزرة حي الشيخ رضوان لتشيعها. وتتفاجأ الجماهير المحتشدة بأن السلطة قد تراجعت عن الاتفاق بحجة البيان الذي أصدرته كتائب الشهيد عز الدين القسام حول الجريمة. وليس هذا فحسب، وإنما قامت الشرطة الفلسطينية بدفن الجثث دون أن يعلم أحد أو تسمح لأهاليهم بإلقاء نظرة الوداع عليهم. وعندئذٍ، غضبت الجماهير، وقررت القيام بمسيرة تنطلق من المسجد باتجاه المقبرة الشرقية في حي الشجاعية حيث دفن الشهداء. وتحولت الجنازة الرمزية التي حملت خلالها ثلاث نعوش فارغة إلى تظاهرة عارمة ضد سلطة الحكم الذاتي، وعبرت الجماهير وكلمات المشيعين عن غضب وسخط لا حدود لهما جراء إجراءات السلطة حيث رفعت الجماهير صوراً ليحيى عياش ورددت هتافات من قبيل: (الانتقام.. الانتقام يا كتائب القسام)، (ولازم يعرف كل الناس.. مين رجالك يا حماس) و(عياش انتقم لشهدائنا)(187).

المئات من أفراد شرطة الحكم الذاتي راقبوا المسيرة، والطائرات المروحية الإسرائيلية حلقت فوق الحشود، وطواقم التلفزيون الإسرائيلي صورت الجنازة الرمزية من المسجد وحتى المقبرة لتبث مشاهدها في المساء. وكل هؤلاء، أو بعضهم، لا بد أن يكون قد مر بالقرب أو حتى لمح ذلك الشيخ الأزهري، ذو اللحية الطويلة الذي يرتدي جلابية ويضع على عينيه نظارة. فقد كان هذا الشكل مميزاً في وسط هذه الجموع. ولم يكن أحد من بين هؤلاء وحتى من بين آلاف المشاركين في الجنازة يعلم بأن هذا الرجل يتنكر وراء هذه الهيئة. وكما هو الحال بالنسبة لكل شخصية أسطورية، فقد اتضح فيما بعد بأن المهندس يحيى عياش الذي كان المئات من الشبان يرفعون صوره مطالبين بالثأر قد ضلل الجميع بتنكره على هيئة الشيخ الأزهري حيث كان يلازمه أثناء تواجده في المسجد وطوال المسيرة مرافقاه، أبو مصعب وأبو سليمان(188). ولئن كانت هذه مجازفة خطيرة من قبل القائد القسامي، فإنها تعبر بصدق عن مدى العلاقة الأخوية الصادقة التي توثقت عبر المعايشة اليومية والجهادية.

13- عاصفة الثأر

كتائب الشهيد عز الدين القسام لم تسكت في الماضي، وبادرت إلى الانتقام الفوري لكل جريمة صهيونية استهدفت جماهير الشعب الفلسطيني أو قادة المقاومة الإسلامية، وهذا الأمر كانت تدركه حكومة اسحق رابين التي أعلنت الاستنفار في صفوف جيشها وقوات حرس حدودها وطالبت المستوطنين في الضفة الغربية وقطاع غزة بالحذر وعدم التحرك إلا بمرافقة وحدات عسكرية. وفي الطرف المقابل، ثارت تكهنات في أوساط مؤيدي الحركة الإسلامية حول طبيعة الرد المتوقع وما إذا كان المهندس ما يزال قادراً على الرد بقوة توازي ما قام به بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي ومسجد فلسطين. وتعود هذه التكهنات إلى المعلومات التي وردت للشاباك بأن المهندس قد غادر قطاع غزة عائداً إلى الضفة الغربية بعد استشهاد رفيقه وساعده الأيمن حيث شنت قوات الاحتلال ليلة الخميس الموافق 6 نيسان (إبريل) 1995 حملة مداهمات وتفتيش في منازل العديد من أهالي قرية كفر الديك أثر ورود إخبارية من العملاء بوجود المهندس هناك(189). ولذلك، ليس من قبيل الصدفة أن يرد أحد قادة الحركة الإسلامية السياسيين في قطاع غزة على شائعات مقتل المهندس في جريمة التفجير التي نالت من الشهيد القائد كمال كحيل بقوله: «نحن ننتظر من يحيى عياش دلائل من نوع آخر تثبت أنه ما زال حياً»(190).

باختصار، يمكن القول بأن المهندس يختار أهدافه ويضع خططه بعناية لا تقل بحال من الأحوال عن اهتمامه بالتفاصيل الدقيقة لعملية التنفيذ. ولذلك، حين سار مهندس الأجيال في جنازة كمال كحيل وحاتم حسان الرمزية، كان مطمئناً بأن الثأر للشهداء سيكون موجعاً وعنيفاً، ولن يتأخر. وبدا واضحاً، منذ أن طلب المهندس من القائد محمد الضيف أن يرشح له مجاهدان استشهاديان، بأنه وضع نصب عيناه أن يثبت لاسحق رابين بأن بقاء قواته ومستوطنيه في قطاع غزة بات مكلفاً للغاية، مالياً وبشرياً. وإلى جانب ذلك، أراد أن يوصل لحكومة تل أبيب أن سلطة الحكم الذاتي قد فشلت في المهمة التي رسمت لها في اتفاق أوسلو، أي منع المقاومة الإسلامية من ممارسة أي نشاط سياسي أو عسكري، وحماية حدود الدولة العبرية ومستوطنيها.

الاستشهاديان اللذان تطوعا لتنفيذ برنامج المهندس بالانتقام للعملية الجبانة هما خالد محمد محمود الخطيب من مخيم النصيرات وعماد محمود سليمان أبو أمونة من مخيم الشاطىء، وكلاهما من أسرة متوسطة الحال ويبلغان من العمر (24 عاماً). فخالد، عمل في مهنة البناء وشارك في الانتفاضة المباركة، وقضى وقته من المسجد للبيت ويمارس الرياضة والكاراتيه، ويتمنى الشهادة ويتحدث عنها كثيراً. وعلى غرار البطل خالد الخطيب، فإن البطل عماد أبو أمونه التزم في الصلاة بالمسجد منذ صغره وشارك في فعاليات الانتفاضة، واعتقل مرتين احترازياً (1989 و 1990) وأصيب مرتين في قدمه خلال المواجهات في مخيم الشاطىء أيضاً. ويعمل عماد الذي أنهى دراسة السمكرة ودهان السيارات وحصل على دبلوم من معهد في مدينة غزة، في مصنع للملابس(191).

وقبل مرور أقل من أسبوع على استشهاد كمال كحيل وحاتم حسان، وضعت إحدى مجموعات الاستطلاع التابعة لكتائب عز الدين القسام أمام المهندس تقريراً عن رصد تحركات الحافلات والسيارات العسكرية المرافقة لها ومواعيد انطلاقها من المحطة المركزية في عسقلان باتجاه المستوطنات اليهودية في قطاع غزة. وبعد دراسة كافة الظروف المحيطة، والإمكانيات المتاحة، استقر الرأي لدى المهندس وأبو خالد على استخدام سيارتين مفخختين، الأولى ضد حافلة تعمل على الخط رقم (36) بين عسقلان ومستوطنات غوش قطيف المحاذية لساحل خان يونس، بينما تهاجم الثانية حافلة أخرى متجهة إلى مستوطنة نتساريم الواقعة إلى الشرق من مدينة غزة.

وعلى هذا الأساس، قام المهندس بتجهيز سيارة من طراز فولكس فاجن وسيارة أخرى من طراز سوبارو بالمتفجرات حيث اشتملت كل منهما على ثلاثة ألغام مضادة للدبابات (سبعة كيلو غراما/ اللغم) وثلاثة ألغام مضادة للأفراد (كيلو غرام واحد/ اللغم) وكمية كبيرة من البارود ورزم من الديناميت والمتفجرات المصنعة والمسامير. وقد قدر خبير المتفجرات في الشرطة الإسرائيلية كمية هذه المتفجرات بين أربعين وسبعين كيلو غرام(192). وبعد تدرب المجاهدان على تفاصيل الخطة وطريقة تفجير السيارتين، قامت مجموعات الإسناد بنقل السيارتين اللتين كتب عليهما شعارات باللغة العبرية للتمويه إلى موقعين قريبين من مكان الهدف(193).

وفي الموعد المحدد، غادر المجاهد خالد الخطيب منزل ذويه في نحو الساعة السادسة من صباح يوم الأحد الموافق 9 نيسان (إبريل) 1995 دون أن يدري أحد من المقربين له والأصدقاء عما خطط له. وقاد خالد سيارة فولكس فاجن على الطريق الواصل بين مستوطنتي كيسوفيم وكفاردروم، وانتظر لفترة من الوقت على الجانب الشرقي من الطريق. وعندما وصلت الحافلة الإسرائيلية التي خصصت لنقل الجنود من مدينة عسقلان وتوزيعهم على القواعد العسكرية في مستوطنات غوش قطيف في نحو الساعة الثانية عشرة وخمس دقائق ظهراً، خرج المجاهد بسيارته المفخخة من الطريق الجانبي وتوجه بسرعة كبيرة متجاوزاً سيارة الجيب التي كانت تحرس الحافلة من الخلف واصطدم بالحافلة من الوسط لتنفجر السيارة والحافلة معاً على بعد (200) متر من مدخل مستوطنة كفاردروم. وتحولت المنطقة إلى ما يشبه ساحة حرب، إذ احترقت الحافلة بالكامل وقتل وجرح كل ركابها، واندفع مئات الجنود من مواقعهم المخصصة لهم عند مداخل المستوطنات إلى مكان الانفجار. ووصلت ثلاث مروحيات عسكرية وعشرات من سيارات الإسعاف لنقل القتلى والجرحى إلى المستشفيات الإسرائيلية في المدن المجاورة، وأعلن جيش الاحتلال قطاع غزة منطقة عسكرية مغلقة(194).

وظنت سلطات الاحتلال العسكرية أن إغلاق حاجزي ايرز ونحال عوز ومنع حركة السيارات الفلسطينية بين المدن الواقعة تحت سلطة الحكم الذاتي كفيل بتحقيق الأمن لجنودها ومستوطنيها، ولم يكن يخطر ببال أحد من القادة العسكريين والأمنيين بأن المهندس قد جهز ضربة أخرى للأمن الإسرائيلي. فبعد ساعة تقريباً من العملية البطولية التي نفذها الشهيد خالد الخطيب، والتي أسفرت -وفق الرواية الإسرائيلية- عن مقتل سبعة جنود وإصابة اثنين وخمسين آخرين بجروح وصفت جروح خمسة منهم بأنها خطيرة، اندفع المجاهد عماد أبو أمونة بسيارته المفخخة على طريق (كرني - نتساريم) واتجه بسرعة فائقة نحو حافلة تقل عسكريين ومستوطنين متجهين إلى مستوطنة نتساريم. ولكن سيارة الجيب التي كانت تحرس الحافلة اعترضت سيارة السوبارو واصطدمت بها لتنفجر السيارتين وتندلع النار بهما. وقد أسفرت العملية الثانية عن مقتل جندي من حرس الحدود وإصابة أحد عشر جندياً ومستوطناً اعتبرت جروح ستة منهم خطيرة(195).

لم يخف الغزيين هذه المرة شعورهم بالنشوة لما حدث أو ما سموه (الانتقام السريع)، بينما اعتبرت حكومة اسحق رابين العمليتين ضربة قوية للجهاز الأمني الإسرائيلي الذي كان قد اتخذ الاحتياطات وأعلن حالة التأهب القصوى. وما أن تلقى رئيس الوزراء ووزير الدفاع، خلاصات التقرير الذي قدمه جهاز الشاباك بعد يومين عن عاصفة الثأر والذي حدد بأن بصمات يحيى عياش تبدو واضحة في الهجومين، حتى خرج اسحق رابين عن طوره معترفاً ومتوعداً في نفس الوقت حيث صرح للإذاعة الإسرائيلية بأنه «شبه متأكد أن عياش حي يرزق وأنه موجود في قطاع غزة حيث يمارس نشاطه». وأضاف رابين في نبرة حادة: «إن يحيى عياش سيسعى إلى توجيه ضربات إلينا، لكن نهايته آتية وسيكون مصيره مثل مصير غيره من الإرهابيين»(196).

14- معلومات مضللة لصرف أنظار الشاباك

قد يختلف البعض مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) ولا يوافقها الرأي في توجهات سياسية معينة أو يأخذ عليها في الموقف من قضايا محددة، ولكن أحداً من أبناء الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والإسلامية لا يختلف معنا حول والأماكن عياش باعتباره أسطورة ورمزاً للجهاد والمقاومة في العصر الحديث. وكلما تعمقنا في دراسة وتحليل هذه الشخصية المبدعة، نجد بأن يحيى عياش أو المهندس كان مصدر قلق ورعب للكيان الصهيوني، وسيبقى كذلك بما أورثه لتلاميذه.

وطالما وصلنا إلى المحطة الجهادية الجديدة من حياة القائد القسامي، وهي محطة يبرز من خلالها الكفاءة الأمنية والبعد الاستخباري في الحرب بين المهندس والكيان الصهيوني. ومع أن هذا البعد قد يثير التساؤلات حول اختلال الموازين والإمكانيات بين طرفي الصراع، إلا أن المهندس أداره بنجاح حقق به الإنجازات والأهداف المرجوة بتضليل الآلاف من أفراد الشاباك وعملائها. ويكفي أن يكون المهندس هو المبادر في تفجير هذه المحطة في الحرب الاستخبارية، إذ تم الاتفاق بين قادة كتائب الشهيد عز الدين القسام في قطاع غزة على كتابة شعارات على جدران منازل حي الشيخ رضوان وفي بعض المساجد يوم 19 أيار (مايو) 1995 بأن (المجاهد الكبير يحيى عياش نجح في الوصول إلى مصر) و (يحيى عياش غادر مدينة غزة ووصل بأمان إلى بلد عربي مجاور) و(يحيى عياش في السودان) وغيرها من العبارات التي استهدفت خداع الشاباك وتضليله ومساعدة المهندس بتخفيف الضغط عنه(197). وتكمن العناية الآلية التي تدخلت للمساهمة بشكل كبير في الحرب النفسية إلى جانب المهندس، برفع وحدة عسكرية إسرائيلية كانت تقوم إحدى مجموعاتها بدورية على امتداد خط الحدود مع مصر تقريراً عن نشاطاتها في الليلة التي أعلن عن مغادرة المهندس لقطاع غزة يفيد بأنها رصدت وسط الظلمة الحالكة شبح إنسان يرتدي عباءة، ويحاول أن ينسل بحذر للجانب المصري. وعندئذٍ -يضيف التقرير- ألقت الدورية حزمة قوية من الضوء على جدار الحدود وأطبقت أضواء سيارة الجيب فجأة على هذا الشبح، ولكنه استمر في عدوه بسرعة ليتوارى في الظلمة داخل الأراضي المصرية دون أن يتمكن الجنود الذي شرعوا بإطلاق النار باتجاهه في تحقيق هدفهم بمنعه من الهرب. وقبل أن يتضح لحكومة تل أبيب وأجهزتها الأمنية أو العسكرية بأن الشخص المجهول الذي نجح في الفرار إلى مصر، والذي كانت الإشاعات تقول بأنه يحيى عياش، لم يكن إلا أحد السكان البدو من مدينة رفح الذي كان مطلوباً لسلطة الحكم الذاتي بتهمة ارتكاب مخالفات جنائية، وقع الجنرال كارمي غيون في حيرة من أمره بعد أن تلقى تقارير ومعلومات متضاربة من الطاقم المكلف بمتابعة المهندس، فمنهم من قال إنه فعلاً هرب إلي مصر، والبعض ما زال مصراً بأنه قتل في الانفجار الذي وقع داخل البيت بحي الشيخ رضوان. وفريق ثالث رفض هذه التحليلات وأصر بأن المهندس ما يزال يختبىء في الضفة الغربية، وشكل هذا الارتباك الذي استمر لفترة طويلة من الوقت، ظاهرة أرقت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية إلى أن انحصرت التحليلات بين بقاءه في القطاع أو مغادرته للضفة الغربية بعد أن انكشف سر الرجل المجهول عند خط الحدود(198).

وبانشغال الكثيرين من ضباط القيادة العسكرية والأمنية في تل أبيب في التكهن من صحة الأنباء حول مغادرة المهندس لقطاع غزة، تناولت وسائل الإعلام الإسرائيلية هذه القضية مثيرة جوانب مهمة من شخصية المهندس وتساؤلات كلها تصب بشكل غير مباشر في قدرة القائد القسامي على مناكفة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي تطارده. فتحت عنوان (عياش يخلف وراءه جرحاً مفتوحاً في الشاباك)، كتب المعلق روني شيكد في صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 21/5/1995: «إن هرب المهندس يحيى عياش سيبقى كالجرح المفتوح في جهاز المخابرات الإسرائيلي، إذ أن ملاحقة عياش كلفت أجهزة الأمن وقتاً وموارداً وجهوداً تفوق كل الجهود التي بذلت لاعتقال أي مطلوب آخر حيث أن ملاحقته والبحث عنه استمرت طيلة السنوات الثلاثة الماضية». وأشار شيكد إلى أن «المهندس وبسبب الأعمال المنسوبة إليه والتقارير التي نشرتها وسائل الإعلام عن أعماله وشخصيته جعلت منه أسطورة ورمزاً للأعمال المسلحة النوعية التي تقوم بها حركة حماس، ولذلك فان تصفية عياش أصبحت مسألة اعتبارية بالنسبة لجهاز المخابرات، خاصة وأن رئيس جهاز المخابرات الجديد تعهد لدى تسلمه لمهام منصبه أن مهمته الأولى ستكون القضاء على المهندس الذي تجول خلال السنوات الأخيرة في الضفة الغربية والقدس الشرقية وفي قطاع غزة ولربما داخل إسرائيل أيضاً . إذ أنه يستعين بشبكة تضم نحو ثلاثين مساعداً على الأقل يوفرون له الغطاء والمأوى والبطاقات المزورة وغير ذلك من الأمور والاحتياطات اللازمة له في تخطيط وإعداد الهجمات». واختتم المعلق الأمني بقوله: «إذا صحت أنباء هرب عياش فإن ذلك يعتبر فشلاً ذريعاً لجهاز المخابرات، خاصة وأنه لم يكن يعمل بمفرده».

وفيما أشارت الصحف العبرية إلى مصادر في الشاباك شككت في صحة أنباء مغادرة المهندس إلى دولة عربية مجاورة، نظراً إلى عدم توفر معلومات موثوقة لدى الهيئة الأمنية الإسرائيلية، تناول الكولونيل شمعون رومح، وهو مسؤول كبير سابق في جهاز المخابرات، في حديث للإذاعة العبرية في سياق تقرير حول نبأ نجاح يحيى عياش في الوصول إلى مصر الموضوع من جانب تأثير ذلك على العمل العسكري لحركة حماس حيث قال: «حتى إذا كانت هذه الأنباء صحيحة فإن الأمر لا يعني توقف الهجمات المسلحة وعمليات التفجير التي تقوم بها حركة حماس، إذ أنه لا زال هناك من بين تلامذة المهندس عدد كاف من الأشخاص القادرين على إعداد عبوات ناسفة نوعية يمكن لها التسبب بوقوع هجمات جديدة»(199).

في نهاية المطاف، رجحت المخابرات الإسرائيلية أن يكون المهندس قد غادر قطاع غزة وعاد للاستقرار في الضفة الغربية. وعلى هذا الأساس، كثفت قوات الجيش والعملاء من تحركاتهم في منطقة نابلس على وجه التحديد حيث أوقفت الحواجز العسكرية المارة والسيارات العربية ابتداء من يوم 20 أيار (مايو) ،1995 وكان الجنود يحملون صورة المهندس ويسألون الركاب عنه. كما نفذت سلطات الاحتلال واحدة من أكبر حملات التفتيش في تاريخ الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية حين جمع الجنود الإسرائيليون المئات من سكان حي الصناعية الواقع على سفح جبل جرزيم، شرقي مدينة نابلس وفتشوا بيوتهم. ففي الساعة السابعة من مساء يوم الاثنين الموافق 13 حزيران (يونيو) ،1995 بدأت الحملة الإسرائيلية باقتحام قوات ضخمة للحي بعد فرض الطوق العسكري وحظر التجول الشامل عليه ثم أمر الجنود السكان بمغادرة منازلهم بعد تركها مفتوحة الأبواب والنوافذ. ونقلت الوحدات العسكرية الإسرائيلية النساء والأطفال إلى مسجد الحي، بينما جمعت الرجال في الملعب البلدي. وفي ظل الإسناد الجوي الذي قامت به الطائرات المروحية، شرع الجنود بتفتيش سبعمائة منزل بحثاً عن القائد يحيى عياش الذي وردت معلومات من العملاء بأنه يختبىء في إحداها. وداهم الجنود أيضاً منزلين في طور البناء بعد إطلاق عدة صواريخ وصليات كثيفة من أسلحتهم الرشاشة، ولكنهم لم يعثروا على أحد. وقد غادر الجنود الحي خائبين في ساعات الفجر من اليوم التالي دون أن يعثروا على أحد أو يكشفوا أي وسائل قتالية قد تكون مخبئة هناك(200).

15- الجهاد أصبح غريباً على قطاع غزة

أصبح أسطورة شعب فلسطين يعيش في مناخ وبيئة لا يحسد عليها، وهي لا شك، بيئة لم تعد تسمح للحركة الإسلامية أن تقول كلمتها بصراحة، ولا أن ينفذ المهندس برنامجه الجهادي بحرية. فالإسلام الحكومي أو الإسلام (المستأنس والموجه)، الذي جرد من كل سلاح من أسلحة القوة والحيوية هو الإسلام المسموح له في مناطق سلطة الحكم الذاتي. ولم يكن هذا فحسب، فقد مر علينا كيف تطوعت الشرطة الفلسطينية لمساندة القوات الإسرائيلية ومخابراتها في مطاردة المهندس في مناطقها وساهمت بشكل كبير ومؤثر في تنفيذ الجريمة في حي الشيخ رضوان، إلى جانب الاستمرار في اعتقال نشطاء وأنصار حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والتحقيق معهم وتعذيبهم بهدف الحصول على معلومات تساعدهم في تتبع خطوات القائد القسامي. واستكمالاً لهذه المهمة، داهمت قوات كبيرة من جهاز المخابرات العامة بقيادة العقيد أمين الهندي قدرت بمئات الأفراد المدججين بالسلاح عدة منازل في منطقة النصيرات ليلة الاثنين الموافق 12 حزيران (يونيو) ،1995 بعد أن تلقت معلومات استخبارية حول وجود المهندس داخل أحد هذه المنازل. وقد طلب العقيد الهندي من القوات المداهمة اعتقال يحيى عياش حياً. ولمعرفتهم بخطورة المهمة وصعوبتها، يقول أحد ضباط المخابرات بأن علامات الخوف والترقب والرعب بدت بوضوح على وجوه الجنود وأفراد الشرطة الذين اشتركوا بهذه الحملة. وعلى الرغم من تفتيش المنازل بدقة وحذر، إلا أنه لم يتم العثور على أي شيء في هذه المنازل(201).

لم يكن ما واجهه المهندس من قبل السلطة الفلسطينية وشرطتها وأجهزة مخابراتها بالأمر الجديد أو المؤثر على قدرته بالحركة والعمل الجهادي، بل أنه اعتاد على مواجهة ما هو أشد منه. فالمخابرات الإسرائيلية والشرطة والقوات العسكرية ذات كفاءة مشهود لها على مستوى دول العالم المتقدم، ورغم ذلك، استطاع أن ينتصر عليها ويربك مخططاتها في مراحل عديدة وفي مواقع كثيرة. ولكن عدم وضوح الرؤية وحسم التوجه لدى القيادة المحلية للحركة الإسلامية في قطاع غزة، والوهم الذي عاشه البعض من ناحية العلاقة مع سلطة الحكم الذاتي، جعلت من إقامة المهندس في القطاع تفقد مبرراتها شيئاً فشيئاً. ولأنهم أصبحوا ينظرون إلى العمل الجهادي الذي يقوم به القائد القسامي وإخوانه إحراجاً لياسر عرفات وسلطته الذاتية. وذهب البعض منهم إلى إصدار بيانات تنفي مسؤولية كتائب الشهيد عز الدين القسام عن بعض العمليات البطولية التي نفذها المهندس. فحين سألنا الأخت هيام عياش، زوجة المهندس، التي انتقلت إلى قطاع غزة للعيش معه ابتدأ من آذار (مارس) ،1995 عن آخر ما دار بينها وبينه من حديث، أجابت: «في الفترة الأخيرة، كان أبو البراء، متضايق من بقائه في غزة، وكان يود العودة إلى الضفة. ويوم الخميس، وقبل أن يخرج، قال: أن هذا آخر مشوار لي، وقريباً سنعود إلى الضفة وربما قبل العيد»(202). وكان أبو مصعب، أحد مرافقي المهندس لفترة طويلة قد صرح بشكل أكثر وضوحاً حين قال: «أن العمل العسكري كان قد تقلص في الآونة الأخيرة لاعتبارات متعددة، يحيى كان يشعر كالسمكة التي تخرج من الماء. فهو لا يقدر أن يعيش طوال حياته في مخبأ لا يستطيع فيه أن يمارس نشاطه الجهادي، وكان مرغماً على ذلك، ولكنه كان يقول: آمل أن أترك ورائي آلاف المهندسين، فلربما يطول هذا الأمر»(203).

وفي هذا الجو الخانق، عمل المهندس ويده مغلولة وأقدامه مقيدة، تشن عليه الحرب من كل الجبهات، داخلية وخارجية، وبكل الأسلحة: جسدية ونفسية، فكرية وإعلامية، اقتصادية وسياسية. وعلى الرغم من هذه الظروف الصعبة التي عاش المهندس في ظلها آخر ستة أشهر من حياته، إلا أن أحداً لا يستطيع أن ينكر نشاطه وما قدمه على صعيد توريث علمه وخبرته لإخوانه. وإلى جانب ذلك، فإن المهندس قدم لنا إثباتات بأن دوره لم ينتهي. وأدرك اليهود أنفسهم هذه الحقيقة، فهم يعلمون أن المارد المحبوس في قمقمه يمكن أن يفك الطلاسم ويبطل السحر في أي لحظة ويخرج من أسره عملاقاً جباراً، وهذا ما كان في مستوطنة نتساريم ونيفية ديكاليم، حيث نفذ المهندس عمليتين نوعيتين خلال أقل من أربعين يوماً.

في يوم السبت الموافق 20 أيار (مايو) ،1995 أرسل المهندس أحد المجاهدين إلى منطقة الدفيئات الزراعية داخل مستوطنة نتساريم. وقام المجاهد بوضع عبوة ناسفة في بيت بلاستيكي للزراعة، وأوصلها بسلك كهربائي ربطه في الباب. وعندما فتح المستوطن اليهودي الباب محاولاً الدخول، شد السلك، فانفجرت العبوات الناسفة محدثة خسائر مادية جسيمة، ونقل المستوطن الذي أصيب بجروح من جراء الشظايا إلى أحد المستشفيات. ولم يكن هذا المستوطن هو المطلوب من وراء هذه العملية، إذ أن المهندس استهدف خبير المتفجرات في الجيش الإسرائيلي. ولذلك، صمم القائد القسامي عبوة ناسفة كبيرة شبيهة بتلك التي جهزها للنيل من الميجر يوسي حيون في يونيو (حزيران) عام 1993. ونجح المهندس هذه المرة أيضاً في صيد خبيرين كانا يبحثان عن عبوات ناسفة وألغام في أعقاب الانفجار السابق، حيث انفجرت العبوة الكبيرة في الساعة الثانية عشرة من بعد ظهر يوم الأحد الموافق 21 أيار (مايو) 1995. وقد اعترف الناطق العسكري الإسرائيلي بإصابة الخبيرين العسكريين بجروح خطيرة نقلا على أثرها إلى مستشفى سوروكا في بئر السبع(204).

وأما العملية الثانية، فقد استهدفت حافلة عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً بين مدينة عسقلان ومستوطنة نيفية ديكاليم. وبسبب الإجراءات الأمنية المشددة التي جعلت من استخدام سيارة مفخخة أمراً صعباً، فإن المهندس صمم عبوة ناسفة كبيرة وضعها على عربة يجرها حمار حيث قاد المجاهد معاوية روكة* [معاوية أحمد إسماعيل روكة: ولد في مخيم خان يونس عام 1974 لأسرة ملتزمة إسلامياً. وهو طالب في قسم التاريخ في كلية العلوم والتكنولوجيا، اعتقل ثلاث مرات خلال الانتفاضة المباركة خضع خلالها للتحقيق العنيف رغم إصابته في إحدى المواجهات الجماهيرية مع قوات الاحتلال برصاصة في قدمه حيث كان يقود المواجهات في المخيم.] العربة في حوالي الساعة الرابعة من فجر يوم الأحد الموافق 25 حزيران (يونيو) 1995 مغادراً منزل والديه بحجة إحضار سمك من البحر. وتوجه معاوية ناحية الجهة الشمالية من المستوطنة. وبناء على التوجيهات التي قدمت له، والتي تشير بموعد وصول الحافلة الإسرائيلية التي تسير بحراسة سيارتين جيب، تحرك الشهيد في حوالي الساعة الحادية عشر إلا ربع واقترب من المفترق الذي ستصل إليه الحافلة. وكانت المفاجأة، بمرور إحدى الدوريات العسكرية في تلك اللحظة. وما أن هم الشهيد بمعاودة التحرك بعد أن أوقفه الجنود وسألوه عن وجهته، انفجرت العبوات الناسفة التي كانت مؤقتة مما أدى إلى تدمير السيارة العسكرية الإسرائيلية واستشهاد البطل القسامي ومقتل جندي وإصابة اثنان آخران بجروح متوسطة(205).

وجاءت العملية، وفق البيان العسكري لكتائب الشهيد عز الدين القسام، تضامناً مع المعتقلين المضربين عن الطعام وانتقاماً لاغتيال المخابرات الإسرائيلية للمجاهد محمود الخواجه، المسؤول في حركة الجهاد الإسلامي(206).

لم يكن عدم تحقيق النجاح الكامل في عملية الشهيد معاوية روكة هو ما ألم قلب المهندس وجعله يشعر بالغربة بين إخوانه ورفقائه، وإنما كان البيان الذي صدر باسم كتائب عز الدين القسام بعد يومين من العملية البطولية، ويبدو أن الذين أصدروه كانوا يريدون تجنب الاعتقال من قبل سلطة الحكم الذاتي. وقد تيقنا من ذلك، أثر إفراج السلطة التي شنت حملة اعتقالات طالت أكثر من خمسين من نشطاء وأنصار حركة حماس في القطاع عن بعض الرموز والقادة. فقد جاء في ذلك البيان: «إننا في كتائب عز الدين القسام نعلن ونؤكد أن لا علاقة لنا من قريب أو بعيد بهذه العملية.. إن الشاب الشهيد معاوية روكة قام بعمله بعيداً عن الجهاز ومثل هذه الأعمال الفردية حدثت في عهد الانتفاضة وحتى في عهد السلطة.. إن الشهيد ربما فعل عمله الاستشهادي بصورة فردية، أو بالتعاون مع أشخاص أو جهات أخرى». واستغلت إحدى المنظمات هذا البيان لتعلن مسؤوليتها عن الهجوم بدون وجه حق(207) .

 

 

التوقيع

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة
عاشق الموت& أحلى العيون
اشكركما على تصميمكما الرائع
http://www.youtube.com/watch?v=ol93V7quqxs

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:40 PM   رقم المشاركة : 12
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


المعلم والتلاميذ
تحفل كتب التاريخ الإنساني بشكل عام بأسماء المئات، بل الآلاف من القادة والأبطال الذين قدموا مساهمات جليلة لشعوبهم ودولهم. ومن بين هؤلاء ليس من اليسير أن نجد أفذاذاً يتركون وراءهم مدرسة ترثهم في منهاج عقيدتهم ومسيرة جهادهم. ولا يختلف معنا أحد، حتى أعداءنا الصهاينة أنفسهم، أن القائد الرمز يحيى عياش يعد أحد هؤلاء الأفذاذ بتميزه في دقة التخطيط والتنفيذ إلى جانب توريثه مدرسة متكاملة في القيادة والتخطيط والخبرة العملية والفنية. فهذا رئيس جهاز المخابرات العامة (الشاباك) الذي جعل جل اهتمامه، ووضع كافة الإمكانيات المتاحة لمطاردة المهندس، باعتباره عدو الدولة الأول، يعترف بقدرة القائد القسامي وتميزه في هذا المجال.

ويجد الجنرال كارمي غيون نفسه مدفوعاً لهذا التصريح، بعد أن وصلته تقارير عملائه ومحققيه بأن المهندس قد بدأ تخريج أفواجاً عديدة من تلاميذه النجباء. ولذلك، صرح الجنرال الإسرائيلي بألم: «لقد آن الأوان بعد ثلاث سنوات لتصفية المهندس. فكل يوم يمر دون القبض عليه يزيد من مهمتنا تعقيداً، إذ أنه يتعلم باستمرار وينشر ما يتعلمه بين النشطاء الذين يرون فيه بطلاً يريدون المشي على خطاه ورفع جزء من الثقل عنه»(208). كما نشر المعلق السياسي في صحيفة دافار مقالاً عبر فيه عن نفس المخاوف حيث قال: «من الطبيعي أن يوجه رجال الأمن إصبع الاتهام إلي المهندس يحيى عياش، فهو مسؤول عن تنفيذ أربع عمليات على الأقل، وتخطيط أربع عمليات أخرى، وتجري ملاحقة عياش على نطاق واسع، ولكن بدون جدوى. فليس عياش وحده يعرف سر العبوات المتفجرة، وبالتالي فإن إلقاء القبض عليه لن يؤدي إلى وقف العمليات»(209).

الجهاز العسكري لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) شهد مراحل وأطوار مختلفة، ابتدأ من استخدام السكين والقنبلة الحارقة وغيرها من الوسائل وحتى وضع الخطط والبرامج لشراء السلاح أو الحصول عليه بطرق عدة وتنفيذ الهجمات والكمائن النوعية. وخلال تلك الأطوار، كانت هناك محاولات لتصنيع المتفجرات وتجهيز العبوات الناسفة، إذ أن حماس عانت لفترة نقصاً كبيراً في الكوادر الفنية المؤهلة وذات الخبرة في هذا المجال. ولذلك، كان يرافق المحاولات السابقة وقوع حوادث أدت إلى استشهاد العديد من المجاهدين مثل الأبطال عامر ثوابته وعبد الرزاق أبو شخيدم وهشام السقا وغيرهم. وحين جاء يحيى عياش، وضع أساساً متيناً وسد نقصاً خطيراً كانت تعاني منه كتائب الشهيد عز الدين القسام. ولم يكتف المهندس بذلك، بل وضع خبرته الفنية في خطط قدمها لقيادته تقضي بتدريب أكبر عدد من الكوادر القادرة على إعداد المتفجرات بمثل كفاءته(210).

وإن كنا لا نملك معلومات دقيقة حول جهود المهندس في تدريب تلاميذه، فإن العمليات العسكرية التي نفذها تلاميذه والوقائع الميدانية وما كشفته المخابرات الإسرائيلية عن اعتقال بعض الخلايا التي نظمها المهندس يعد مرجعاً أساسياً لنا للحديث عن هذا الجانب. ويشير المعلق العسكري المعروف، زئيف شيف في تحليل يعد مرجعاً أساسياً لنا للحديث عن هذا الجانب، حيث كتب تحت عنوان (الإرهاب قد يفاجىء مجدداً) فيقول: «إن خلايا حماس التي جرى اعتقال أفرادها مؤخراً على يد جهاز المخابرات الإسرائيلية تشكل دليلاً لنشاطات متشعبة وواسعة تجري تحت السطح من قبل المهندس يحيى عياش. وهذا يعني أنه على الرغم من النجاح في إحباط عدد من الهجمات فقد تواجه إسرائيل بصورة مباغتة موجة عنف واسعة جديدة»(211).

وفي تقرير سري حول حركة المقاومة الإسلامية (حماس) رفعته الأجهزة الأمنية الفلسطينية لرئيس السلطة يوم 10 آذار (مارس) ،1996 نجد إشارات كثيرة للدور الذي قام به المهندس. إذ يشير التقرير إلى أن القائد يحيى عياش قام -قبل انتقاله لقطاع غزة- بتشكيل خلايا سرية في مناطق الضفة الغربية الثلاث، الوسط والشمال والجنوب، ووضع على رأس كل منطقة مسؤولاً. ودرب المهندس تلك الخلايا على تجهيز ووضع المتفجرات للقيام بالأعمال الجهادية. ويقول التقرير في فقرات أخرى بأن القائد القسامي، أصر أن تبقى أسماء المجاهدين غير معروفة في قطاع غزة، وكان الهدف من ذلك هو رغبة المهندس بأن تكون المجموعات العسكرية في الضفة الغربية منفصلة تماماً عن قطاع غزة نظراً للظروف التي تواجه قيادات الحركة الإسلامية في القطاع وممارسات السلطة الفلسطينية ضدها(212).

ولم يغادر المهندس الضفة إلا بعد أن اطمأن إلى البنية التحتية للكتائب هناك وقوتها ومتانتها وسلامة تشكيلها. وعند هجرته لقطاع غزة، سلم القائد القسامي المسؤولية لقادة ميدانيين قادرين على تحمل المسؤولية من أمثال: طاهر قفيشة وجهاد غلمة -مسؤولا الخليل وبيت لحم، ومحي الدين الشريف - مسؤول القدس، ويعقوب نزال محيسن - مسؤول رام الله والبيرة، وعبد الناصر عيسى - مسؤول نابلس.

1- وحدة الأهوال ترد بالبارود والنار

حينما نكتب عن (وحدة الدفاع عن المدنيين الفلسطينيين) كما سميت في بداية تشكيلها أو (وحدة الأهوال)، وهو الاسم الذي اشتهرت به بعد ذلك، فإننا نكتب عن البطولة بكل أبعادها، والجهاد بكل مضامينه، والرجولة بكل معانيها. فحياتها كلها جهاد، ووقت مجاهديها كله جهاد ومقاومة، واسم قائدها جهاد.ويكفي هذه الوحدة فخراً، أنها حققت ذلك الوعد الإلهي الذي يؤكد حقيقة (^كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله)، وأضحت مصدر رعب لكل صهيوني في منطقة عملياتها.

خاض جيش الاحتلال ومخابراته مطاردة شرسة وراء الوحدة القسامية، وأخذت صور جهاد غلمة وطاهر قفيشة وحامد يغمور مكاناً في جيب كل جندي يخدم في الضفة الغربية، ومعلقة بشكل دائم في مواقع الجيش الصهيوني في منطقة الخليل. ورغم ذلك، مضت الوحدة بعملياتها البطولية مطيحة برؤوس العسكريين والمستوطنين دون أن تعبء بتهديدات قائد المنطقة الوسطى بجيش الاحتلال والتي جاءت شهادة لها وليس ضدها. فبعد العملية الجريئة ضد الحافلة رقم (160) بالقرب من مفترق القزازين، وقف الميجر جنرال ايلان بيران قائلاً: «إننا نخوض صراعاً ضد هذه الخلية الصعبة جداً، ولكننا سننالها مهما كانت المهمة صعبة وسنطاردها حتى ننجح»(213).نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

ويعود أساس هذه الوحدة إلى أول مجموعة تشكلت لكتائب عز الدين القسام في منطقة الخليل بقيادة الشهيد عماد عقل، ولئن قاد النشاط الاستخباري لسلطات الاحتلال إلى اعتقال عدد من أفرادها ومن بينهم جهاد غلمة وطاهر قفيشة، فإن مجاهدينا لم يأبها بالجدران العالية ولا القضبان المتعامدة. وما هي إلا أشهر قليلة حتى حررا نفسيهما مع المجاهد أمجد شبانة من معتقل الظاهرية القريب من الخليل وعادا مجدداً لكتائب عز الدين القسام. وبعد استلام يحيى عياش لغرفة العمليات المركزية في الكتائب، قام بتنظيم المجموعة من جديد تحت اسم (وحدة الدفاع عن المدنيين الفلسطينيين) حيث نفذت عدة عمليات عسكرية أسفرت عن مقتل وإصابة اثنان وعشرون جندياً ومستوطناً، واستطاع جهاد وطاهر في معركة وادي القاضي التي خاضها خمسة من المجاهدين ضد عدة مئات من جنود الاحتلال بتاريخ 23 آذار (مارس) ،1994 واستمرت (18) ساعة أن يخترقا الطوق العسكري وينسحبا إلى قاعدتهما بسلام. ويومها سئل أحد ضباط الاحتلال في الخليل كيف استطاع الجنرال وهو اللقب الذي أطلق على جهاد غلمة أن يهرب من بيت يطوقه مئات الجنود؟ أجاب: «إن لجهاد ألف روح»(214).

وإثر استشهاد أمجد أبو خلف، أعاد المهندس تشكيل الوحدة من جديد، وأصبحت تعرف باسم (وحدة الأهوال) نظراً لامتلاكها صواريخ مضادة للدروع من طراز (لاو). وقامت الوحدة بشن أول هجوم صاروخي على مبنى الدبويا الاستيطاني، وسط مدينة الخليل في 15 كانون ثاني (يناير) ،1995 حيث اخترق الصاروخ نافذة المبنى وتسبب في حدوث أضرار مادية بالغة دون وقوع إصابات بشرية(215). وفي الذكرى السنوية الأولى لمذبحة الحرم الإبراهيمي، شنت الوحدة هجوماً صاروخياً آخر على مقر الحاكمية العسكرية في منطقة الخليل. وأطلق المجاهدون الصاروخ الذي كان يحمل رأساً متفجراً باتجاه المبنى عن بعد مئتين متر من المقر متحدين كل أبراج المراقبة وكثافة جنود وضباط الاحتلال. وقد اخترق الصاروخ المبنى محدثاً انفجاراً بداخله، ثم واصل المجاهدون عمليتهم بإطلاق النار باتجاه مجموعة الجنود ورجال المخابرات الذين كانوا يتجولون في الساحة الرئيسة لمبنى الحاكمية مما أدى إلى وقوع إصابات في صفوف هؤلاء ودب الذعر والصراخ بينهم وهروبهم إلى داخل المبنى للاحتماء به دون أن يجرؤ أحد منهم على إطلاق رصاصة واحدة(216).

واستهدفت الوحدة في عمليتها الثالثة عام 1995 حافلة تقل عدداً من الجنود والمستوطنين كانت تسير بشكل يومي بين القدس ومستوطنة كريات أربع حيث نصب المجاهدون كميناً على سطح أحد المساجد المشرفة على الطريق عند مفترق القزازين مساء يوم الأحد الموافق 19 آذار (مارس) 1995. وأسفر الهجوم عن مقتل مساعد للحاخام المتطرف موشيه ليفنغر، مؤسس حركة غوش ايمونيم الاستيطانية وأحد مستوطني كريات أربع وإصابة ستة آخرين بجروح متفاوتة. ولم تتمكن الدورية المرافقة للحافلة من ملاحقة المجاهدين الذين انسحبوا إلى قاعدتهم بسلام(217).

استعان جهاز المخابرات الإسرائيلية بعلماء النفس وخبراء تحليل الشخصية في نشاطاتها لملاحقة وحدة الأهوال ومحاولة إلقاء القبض على أعضائها. ولمعرفة ضباط القيادة والعمليات في الجيش والمخابرات بنوعية المجاهدين القساميين، فإن الأجهزة الإسرائيلية اعتمدت سياستها المعروفة بقصف المنازل التي يختبىء فيها المجاهدون بالصواريخ قبل أن يتقدم أي جندي لاقتحامها. ففي ساحات القتال، لم يجرؤ الجنود المدججون بالسلاح على المواجهة والرد قبل نسف المكان على من فيه. ورغم ذلك، لم يستطع ضباط الاحتلال إلا أن يقفوا إجلالاً وإكباراً ويقدموا التحية لمجاهدي كتائب عز الدين القسام. وكمثال على ذلك، ما قاله الجنرال شموئيل غورين (القائد السابق للضفة الغربية) لصحيفة إسرائيلية، إذ جاء على لسانه: «لم يكن حامد يغمور هو الوحيد الذي رفض الاستسلام بالرغم أنه يعلم أنه لن يخرج من البيت حياً، كان جميع مقاتلي الجناح العسكري لحركة حماس يفضلون المقاومة حتى الموت على الاستسلام، إنه لأمر غريب وعجيب أن يبدي مقاتلو حماس هذه الإرادة القوية والعناد الكبير عندما يُحاصرون بالدبابات والجنود وتحلق الطائرات فوق رؤوسهم ومع ذلك لا يستسلمون، وإنه حقاً لشيء يثير الإعجاب أن يقاوم مقاتل ويصمد لأكثر من 12 ساعة في مواجهة مئات الجنود المزودين بأحدث الأسلحة والمعدات». ويضيف الجنرال الإسرائيلي: «لقد تحول هؤلاء المقاتلون إلى أسطورة في نظر قادة الجيش وجهاز الشاباك، بل لقد اهتزت المعنويات في صفوف الجنود لليأس من القضاء على هؤلاء. إذ أن مهمة البحث عن ما يقارب العشرين مطارداً من حماس تتطلب أكثر من 3000 جندي بالإضافة إلى المجهودات التي يستثمرها جهاز المخابرات وعملاؤه في جمع المعلومات الاستخبارية عنهم». ويختتم القائد السابق للضفة الغربية حديثه بتحذير الجمهور الإسرائيلي قائلاً: «إن العقيدة التي تحرك هؤلاء قوية وتمنعهم من الخضوع والاستسلام وإسرائيل لم تجرب مواجهة مثل هذا النوع من المقاومة، وعلى الإسرائيليين أن يتريثوا ولا يبالغوا بالفرح عند تصفية فرد من هؤلاء الإرهابيين»(218).

استشهد جهاد غلمة وطارق النتشة وعادل الفلاح بعد قصف سيارتهم في منطقة الحاووز بالضواحي الجنوبية لمدينة الخليل بتاريخ 16 نيسان (إبريل) ،1995 ويومها قال يوسي ساريد الذي كان يشغل منصب وزير البيئة في حكومة اسحق رابين: «بعد مقتل المخرب جهاد غلمة، ما يزال المرعب طاهر يتجول طليقاً». ونال حامد يغمور وطاهر قفيشة الشهادة بعد عدة محاولات فاشلة من قبل أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية، إذ ترجل حامد إلى عليين في 2 حزيران (يونيو) ،1995 بينما سطر طاهر ملحمة جهادية جديدة بمواجهة قوات ضخمة وطائرتان مروحيتان ووحدات خاصة تحمل صواريخ مضادة للدروع في حي رأس الجورة بمدينة الخليل يوم الخميس الموافق 29 حزيران (يونيو) 1995(219).

لم تكن وحدة الأهوال هي الوحيدة التي أقامها المهندس في منطقة الخليل، فقد كشفت التحقيقات الإسرائيلية عن خلية مسلحة قالت أنها الأخطر، إذ أن أعضاء هذه الخلية تلقوا تدريبات على إعداد عبوات ناسفة متطورة بما في ذلك عبوات كيماوية، وعلى تفجير العبوات لاسلكياً بواسطة جهاز تحكم عن بعد. واتهم جهاز الشاباك الخلية القسامية التي كانت على علاقة بالقائد الشهيد حاتم المحتسب ثم القائد جهاد غلمة بأنها مسؤولة عن تنفيذ (13) عملية بواسطة العبوات الناسفة، عشر عمليات منها ضد أهداف عسكرية في الخليل وثلاث أخرى نفذت في بئر السبع. كما خطط قائد المجموعة، محمد نبيل عرفات، ونائبه شكري الفاخوري لتنفيذ سلسلة هجمات أخرى من بينها التخطيط لتفجير حافلة إسرائيلية بواسطة سيارة مفخخة على الطريق المؤدي من مستوطنة كريات أربع إلى مدينة الخليل إلى جانب وضع عبوات ناسفة في تجمعات عسكرية داخل المناطق المحتلة منذ عام ،1948 ومن ضمن ذلك بلدة حولون إلى الجنوب من تل أبيب ومحطة لنقل الجنود في مفترق المسمية وبيت هداسا في وسط الخليل(220).

وأما في مدينة بيت لحم، فقد أعلنت مصادر عسكرية إسرائيلية بأن جهاز الشاباك تمكن من كشف عدد من الخلايا الخطرة التي نظمها المهندس في إطار كتائب عز الدين القسام. وقالت الاستخبارات الإسرائيلية، بأن أفراد إحدى هذه الخلايا خططوا لتفجير سيارة مفخخة بالقرب من حافلة عسكرية في بيت لحم، ووضع عبوة ناسفة كبيرة في عربة قمامة وسط شارع يافا بالشطر الغربي من مدينة القدس. ووفقاً لمصادر الشاباك، خططت خلية أخرى لقتل ضباط كبار يعملون في الإدارة المدنية بمدينة بيت لحم، حيث جمعوا معلومات حول تحركات هؤلاء الضباط والطرق التي يسلكونها للوصول إلى أماكن عملهم في المدينة. وخطط أعضاء خلية أخرى لأسر جندي إسرائيلي في مدينة القدس عن طريق استخدام سيارة تحمل لوحات تسجيل إسرائيلية، ومن ثم نقل الجندي الأسير إلى منطقة آمنة بهدف إجراء مفاوضات لإطلاق سراح معتقلين فلسطينيين. ولئن دأبت، سلطات الاحتلال على تضخيم إنجازاتها وما تحققه في مواجهة الكتائب القسامية، فإن ما أعلنت هذه السلطات عن كشفه يلقى، بلا شك، جوانب مهمة على نشاط المهندس وتحركاته وآثاره. فقد أعلنت السلطات الإسرائيلية بأنها ضبطت بطاقات هوية إسرائيلية مزورة وكمية من الأسلحة والذخائر ومن بينها صاروخان من طراز (لاو) في حوزة عدد من المعتقلين، وأن المجاهد مهند جبارين (21) عاماً كان يقود هذه الخلايا ويوجهها وينقل التعليمات لأعضائها من المهندس، بينما تولى المجاهد محمد مللا، وهو من أهالي مخيم عايدة القيادة الميدانية(221).

2- مرحلة متقدمة لخلايا القدس الشرقية

منذ أن تسلم الجنرال كارمي غيون قيادة جهاز الاستخبارات العامة (الشاباك)، طرأ تغير على العمل الاستخباري من حيث أسلوب العمل ومن حيث أسلوب التحقيق باعتبار أن مكافحة الخلايا العسكرية لكتائب الشهيد عز الدين القسام تعد مهمة صعبة للغاية وفق ما أشار إليه المحققون. وفي إطار التعاون بين الشاباك والجيش الإسرائيلي، تمكنت سلطات الاحتلال من اكتشاف طرف خيط أدى إلى تفكيك خمس خلايا عسكرية أقامها «المهندس» في شرقي مدينة القدس، كانت قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من التخطيط والتجهيز والإعداد لتنفيذ البرنامج الجهادي الذي كلفت به. وحسب المعلومات التي سربتها وسائل الإعلام الإسرائيلية، فإن المجاهد أيمن عبد المجيد سدر (29 عاماً) الذي يقيم في أبو ديس ويحمل هوية إسرائيلية تلقى وأفراد خليته تدريبات عسكرية في قطاع غزة بإشراف المهندس والقائد محمد الضيف لتنفيذ هجوم استشهادي في الجامعة العبرية، وفي مخبز (انجل) بالشطر الغربي من المدينة إلى جانب التخطيط لعمليات أسر جنود من تل أبيب وحيفا واللد. وزعم الشاباك بأنه اكتشف مخبأً سرياً في سيارة أيمن جُهز عن طريق أحد المعتقلين من أفراد الخلية لنقل الوسائل القتالية والمتفجرات. وكشفت المخابرات الإسرائيلية أيضاً بأن الخلايا الخمس اكتشفت قبل ساعات معدودة من موعد استلامها للمتفجرات التي كان من المفترض أن ينقلها مساعدون للمهندس(222).

وخططت خلية ثانية، عملت بقيادة موسى داود أحمد علامة (23 عاماً) الذي يحمل بطاقة هوية إسرائيلية أيضاً كونه مقيماً في حي رأس العامود بضواحي المدينة المقدسة، لتنفيذ هجوم بالأسلحة الرشاشة ضد حواجز وتجمعات تابعة للجيش الإسرائيلي إلى جانب وضع عبوات ناسفة في نقاط يتجمع فيها الجنود. وفيما يتعلق بالخلية الثالثة، تقول الشاباك بأنها كانت بقيادة رياض صالح دعنا الذي يسكن في بلدة أبو ديس ويعمل إماماً لأحد المساجد في البلدة القديمة، وخططت هذه الخلية لاختطاف حافلة ركاب إسرائيلية واقتيادها إلى الحدود المصرية ومن ثم اجتياز الحدود والشروع بإجراء مفاوضات لإطلاق سراح عدد من المعتقلين والأسرى في السجون الإسرائيلية. وأما الخلية الرابعة، فإنها شُكلت بهدف الحصول على أسلحة ووسائل قتالية بطرق مختلفة. ولهذا، قام أفرادها بجولات استطلاعية استعداداً لطعن جندي إسرائيلي أو مستوطن مسلح في القدس القديمة واختطاف سلاحه. كما اجتهدت الخلية في الحصول على بطاقات هوية إسرائيلية ونقل أسلحة بين المناطق المختلفة.(223)

الخلية الخامسة، كانت بقيادة أحمد محمود أحمد عريقات (28 عاماً)، وهو من سكان أبو ديس أيضاً، ونسبت إليه المخابرات الإسرائيلية ترؤس شبكة تنظيمية واسعة ضمت في عضويتها عدداً من أعضاء حركة حماس في المنطقة. وكانت مهمة هذه الخلية تجنيد المجاهدين وتدريبهم على استخدام الأسلحة الأوتوماتيكية والمسدسات، ونقل بعضهم إلى قطاع غزة لتلقي التدريب على تصنيع المتفجرات وتجهيزها(224).

3- فريق رباعي جديد

ويبقى يحيى عياش في ذاكرة الشعب الفلسطيني والأمة الإسلامية مثالاً ناصعاً للجندي الذي لا يريد سوى مرضاة الله سبحانه وتعالى وجنته. فها هو يقول في رسالته الأخيرة لقادة الحركة الإسلامية، وكأنه يريد أن ينام قرير العين: «لا تنزعجوا، فلست وحدي مهندس التفجيرات، فهناك عدد كبير قد أصبح كذلك، وسيقضون مضاجع اليهود وأعوانهم بعون الله»(225).

ولم يكن المهندس مغالياً أو متكبراً فيما كتبه، فهو معروف ابتدأ بجديته في هذه المجالات، واعتادت قيادته على تلقي كلماته بكل اهتمام، إذ أنه لا يُعرف إلا باذلاً للنفس والجهد وما يملك. وما هي إلا أشهر قليلة حتى بدأت تباشير التلاميذ الذين تربوا على يد المهندس، وتلقوا علومه وورثوا إبداعاته تترك بصماتها على أرض فلسطين. ولم يكن عبد الناصر عطا الله شاكر عيسى ومحي الدين الشريف، إلا أول الغيث في قافلة المجد والعز التي تخرجت من أكاديمية المهندس العسكرية.

كان عبد الناصر من نشطاء الإخوان المسلمين منذ عام ،1982 وأميراً للكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس لسنتين على التوالي. ولكن أميرنا أبى إلا أن ينشر نشاطه وجهاده خارج أسوار الجامعة، فطلب الانضمام إلى العمل العسكري لحركة حماس عام 1989. وكان له ما أراد، وتشكلت خلية عسكرية لتحضير العبوات الناسفة في مخيم بلاطة، تولى قيادتها وتنظيمها إلى أن وقع في الأسر وحكم عليه بالسجن ثلاثون شهراً، ونسفت سلطات الاحتلال منزل ذويه. وعلى الرغم من السجن ومعاناة النفس والأهل، إلا أن الأمير عاد للعمل الجهادي بوتيرة أشد وفعالية أقوى حيث اتصل بالمهندس أثناء وجوده في منطقة شمال الضفة الغربية وشاركه في جولاته الجهادية إلى أن انتقل مهندس الأجيال إلى قطاع غزة(226). ولم تكن علاقة عبد الناصر بالمهندس علاقة عابرة كما تشير سجلات الاستخبارات الإسرائيلية، ولذلك تعرض منزل عطا الله شاكر عيسى للمداهمة مرتين متواليتين خلال يوم واحد فقط. وكان السؤال الذي ردده ضباط الشاباك مهددين: «أين عبد الناصر؟ إذا لم يسلم نفسه فسيتم نسف المنزل مرة ثانية»، ويحتجز الصهاينة بطاقة هويته الخضراء التي حصل عليها قبل أسبوع فقط بعد معاناة ثلاث سنوات دون بطاقة(227).

لم يكن الأمير بحاجة إلى تلك البطاقة، فقد تبع معلمه، وغادر مخيم بلاطة إلى قطاع غزة مسجلاً في الجامعة الإسلامية هناك بشكل رسمي، وفي المقعد الأول بأكاديمية المهندس. وإلى جانب الأمير، جلس تلميذ آخر من عائلة تعود أصولها إلى مدينة خليل الرحمن، ولكنها تسكن منذ فترة طويلة ضاحية بيت حنينا في مدينة القدس. ولم يكن هذا التلميذ، سوى المهندس الإلكتروني محي الدين الشريف الذي اشتهر فيما بعد باسم (المهندس رقم 2). وسوياً، تلقى الاثنان من المهندس صناعة التفجير وقواعد التخطيط وتوجيه الخلايا وتجهيز العمليات وغيرها من البرامج.

اجتمع أربعة من الثلة الصادقة التي نفرت في سبيل الله لإعلاء رايته، لتدارس البرامج الجهادية وما يمكن عمله لتحقيقها على أرض الواقع. ويومها، لم يكن المهندس وأبو خالد وعبد الناصر ومحي الدين يعيشون في أحلام وردية أو في أبراج أصحاب النجوم والنياشين يوجهون ويأمرون. إذ تم توزيع المسؤولية بحسب الظروف والإمكانات، بحيث يتولى المهندس التوجيه والتخطيط من قطاع غزة ثم ينتقل عائداً إلى الضفة الغربية بعد ترتيب المجموعات والقواعد والملاجىء. وتكون مهمة أبو خالد، تنظيم مجموعات عسكرية متخصصة في أسر الجنود الإسرائيليين، والمشاركة في التخطيط، وبخاصة فيما يتعلق بالهجمات الخاطفة والكمائن وتوفير الوسائل القتالية. وأما التلميذان، فقد طلب المهندس من الأول (عبد الناصر) أن يستأجر شقة قرب مخيم بلاطة لتكون قاعدة لتجهيز العبوات الناسفة وتوجيه العمليات. ولنفس الأهداف، توجه محي الدين إلى المدينة المقدسة حيث أقام قاعدته القسامية النوعية الجديدة. وبين الاثنين، عمل المجاهد حاتم إبراهيم عبد الرحمن إسماعيل كضابط اتصال وتنسيق إلى جانب سفره بين الضفة الغربية وقطاع غزة لنقل التعليمات والإرشادات من المهندس وأبو خالد(228).

4- لبيب يترك تل أبيب في حيرة وقلق

عاد عبد الناصر ومحي الدين إلى الضفة الغربية في الأسبوع الأول من شهر يوليو (تموز) من عام ،1995 حيث اتجه عبد الناصر إلى مدينة نابلس، بينما أقام محي الدين في المدينة المقدسة. وبناء على التعليمات، استأجر عبد الناصر شقة تجارية في عمارة من خمسة أدوار في مدينة نابلس باسم مستعار، نقل إليها المواد الكيماوية وقطع من الأنابيب المعدنية وكمية من الأدوات الكهربائية. وفي هذه الشقة التي تحولت إلى مشغل لصناعة المتفجرات وتجهيز العبوات الناسفة، عمل عبد الناصر مع مساعده عثمان سعيد أحمد بلال (20 عاماً) بنشاط، وتمكنا من تركيب عدة حقائب احتوت على قطع أنابيب معدنية معبأة بمواد شديدة الانفجار ومتصلة بأسلاك وأجهزة تفجير(229).

وبموجب توجيهات المهندس، بادر عبد الناصر وحاتم في إقامة قاعدة تنظيمية في منطقة نابلس ارتكزت في البداية على تجنيد متطوعين لتنفيذ عمليات استشهادية. ولأنهما كانا معروفين بنشاطهما في حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وشاركا مرات عديدة في فعاليات جهادية، نقل المهندس إلى تلميذه اسمي لبيب أنور فريد عازم (23 عاماً) وسفيان سالم عبد ربه جبارين (26 عاماً) كمرشحين لتنفيذ العمليتين الاستشهاديتين الأولى والثانية اللتين تقرر أن يتم تنفيذهما بالتعاون بين قاعدة عبد الناصر في نابلس وقاعدة محي الدين في القدس. وبناء على البرنامج الذي تلقياه من المهندس، فقد عمل القائدان محي الدين الشريف وعبد الناصر عيسى بحرص شديد بألا يتم الكشف عن أسماء المجاهدين الذين ينفذون العمليات الاستشهادية بعد استشهادهم. واستهدف المهندس من هذا الأمر، ألا يحصل الشاباك على أي معلومات تفيده في التحقيق بعد تنفيذ العمليات وترك ضباطه وخبرائه في حيرة من أمرهم(230).

بعد شرح طبيعة الهدف وتفاصيل الخطة وطريقة تشغيل المتفجرات، قام القائد عبد الناصر بنقل المجاهد لبيب عازم وحقيبة المتفجرات التي احتوت على أربعة كيلوجرامات وكمية من المسامير، في سيارته إلى ضاحية بني براك القريبة من تل أبيب حيث استقل لبيب الحافلة رقم (20) المتجهة إلى ضاحية رامات غان. وفي نحو الساعة الثامنة وأربعين دقيقة من صباح يوم الاثنين الموافق 24 تموز (يوليو) ،1995 مرت الحافلة بالقرب من مبنى بورصة الماس وأضحت على بعد مائة متر من زاوية شارع اباهيلل-لسكوف. وعندئذٍ، وقف المجاهد لبيب في وسط الحافلة، وشغل جهاز التفجير، ليدوي انفجار هائل دمر الجانب الأيسر من الحافلة تماماً وحطم جميع النوافذ وأحدث فجوة كبيرة في السقف، وانتزع غطاء المحرك ومخزن الحقائب. وعلى الأثر، أغلقت الشرطة الإسرائيلية المنطقة وهرعت عشرون سيارة إسعاف لنقل القتلى والجرحى حيث استقر ما اعترفت به الشرطة على ستة قتلى وواحد وثلاثون جريحاً من بينهم ستة بحالة خطرة(231).

ومع تواصل ردود الفعل الغاضبة لدى الشارع الإسرائيلي والدوائر السياسية بمختلف مشاربها، وقفت أجهزة الأمن والاستخبارات عاجزة عن تحديد هوية الاستشهادي والجهة التي تقف وراء العملية. ويشكل هذا العجز ضربة قوية لمصداقية أجهزة الأمن التي اضطرت لعرض صورة تقريبية للشهيد في التلفزيون الإسرائيلي والصحف على أمل التعرف على هويته بمساعدة مصادر عربية(232). وأعرب رئيس الحكومة الإسرائيلية عن خشيته من حصول عمليات لا تتبناها أي جهة، وقال في تصريح للإذاعة: «هناك ربما نوع جديد من الأعمال الإرهابية، إذ لم يعلن أي طرف مسؤوليته عن الاعتداء». وتابع اسحق رابين: «إن الصمت الذي يلزمه مرتكبو هذا الهجوم عائد ربما في رغبتهم بمراعاة السلطة الفلسطينية... قد يكون الإرهابي أتى من الخارج، لكن حتى في هذه الحالة، لا بد أنه حصل على دعم محلي»(233). ولئن توقعت مصادر استخبارية إسرائيلية أن تكون حركة حماس وراء العملية، بعد أن أشارت تقارير خبراء المتفجرات بوجود شبه كبير بين تركيبة المتفجرات المستخدمة في العملية وتلك التي استخدمت في العملية التي نفذها الشهيد صالح صوي، وظهور بصمات المهندس من خلال طريقة التنفيذ، فإن الناطق باسم الشرطة الإسرائيلية لم يستطع أن يحدد تلك المسؤولية بشكل رسمي حيث قال بأن الاتصال الهاتفي في الغالب لا يمتلك المصداقية الكافية للحسم بشأن الجهة التي نفذت العملية، حتى ولو جرى تبنيه على نحو واسع من قبل الإعلام. وانطلاقاً من ذلك، قال الميجر اريك بارشين: «إن أي تنظيم فلسطيني مناهض لعملية السلام لم يوزع حتى الآن شريط فيديو يعلن فيه مسؤوليته عن هذا الهجوم، كما حصل عادة مع العمليات الانتحارية السابقة. فالطرف المسؤول عن العمليات الانتحارية السابقة كان يذيع دائماً اسم المنتحر الذي نفذ العملية. ولذلك من بين الفرضيات أن المنتحر أجنبي إلا إذا كانت حماس تريد أن تخفي أنه من قطاع غزة لتجنب مواجهات مع السلطة الفلسطينية»(234).

كانت سلطات الاحتلال تدرك أنها بحاجة لمعرفة هوية منفذ الهجوم للبحث عن بقية أفراد الخلية التي تقف وراء العملية. ولذلك، بدأ الجيش الإسرائيلي حملة مداهمات في مناطق شمال الضفة الغربية، ثم نفذت حملة مماثلة في مناطق جنوب الضفة الغربية، غير أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فشلت في الحملتين في العثور على ما يقود إلى هوية الشهيد لبيب عازم(235).

5- مستحيل أن يحصل مثل هذا في قلب مدينة القدس

حققت العملية الاستشهادية في رامات غان بتل أبيب نجاحاً متميزاً، ترك حكومة اسحق رابين وأجهزتها الأمنية في حالة ذهول، فللمرة الأولى لم يستطع ضباط الشاباك تحديد اتجاهات التحقيق. وقد كان هذا النجاح حافزاً أمام الفريق الرباعي الجديد للاستمرار في هذا النوع من العمليات إلى جانب التخطيط لأسر جندي من منطقة حيفا وإجراء مساومة عليه في مقابل معتقلين وأسرى في السجون الإسرائيلية. ولأن المعركة الاستخبارية بين الكتائب والشاباك اشتدت بعد عملية رامات غان وارتفعت حرارتها، فقد تدخل المهندس وأبو خالد بشكل مباشر لدعم عبد الناصر ومحي الدين اللذين عكفا على رصد الهدف الجديد الذي تمثل في الحافلة رقم (26 أ) التي تسير بين حي كريات يوفيل إلى جبل سكويوس بالمدينة المقدسة حيث الجامعة العبرية مروراً بمقر القيادة القطرية للشرطة الإسرائيلية في حي الشيخ جراح.

وطبقاً للخطة الموضوعة، فقد تقرر أن يقوم عبد الناصر ومحي الدين بتجهيز حقيبة متفجرة تحتوي على أنبوبتين معدنيتين يتم حشوهما بمواد (ت.ن.ت) ومسامير وصواعق تفجير كهربائية في الورشة بمدينة نابلس(236). وبعد ذلك، قام محي الدين الذي كان يساعده المجاهدان عبد المجيد دودين (33 عاماً) ورشيد الخطيب (28 عاماً) بنقل الحقيبة إلى المدينة المقدسة تمهيداً لتسليمها إلى المجاهد الاستشهادي سفيان جبارين الذي انتقل بدوره إلى القدس قبل يومين فقط من الموعد المفترض لتنفيذ العملية. وأما عبد الناصر ومجموعته، فقد باشروا بوضع الترتيبات والخطط لأسر جندي إسرائيلي حيث خرجت المجموعة في جولات استطلاعية عديدة(237).

أقفلت السلطات العسكرية الإسرائيلية قطاع غزة، ومنعت الدخول إليه أو الخروج منه، وشددت من حصارها العسكري ابتدأ من العاشر من آب (أغسطس) ،1995 بعد أن قام المهندس وأبو خالد بتسريب معلومات موثقة بأن الكتائب تعتزم تجهيز استشهادي من قطاع غزة لتنفيذ عملية كبيرة داخل مدينة تل أبيب. وتضمن التسريب كذلك، اسم الاستشهادي ومخطط العملية حيث أبلغت أجهزة الأمن الإسرائيلية نظيرتها في الجانب الفلسطيني بأن وائل طلب صالح نصار (23 عاماً) من سكان حي الزيتون بمدينة غزة تعاونه خلية من خمسة ناشطين من حركة حماس يحاول التسلل إلى تل أبيب لتفجير سيارة مفخخة من نوع فيات خضراء اللون(238).

وهنا، دخلت أجهزة الأمن الإسرائيلية والفلسطينية في سباق مع الزمن لمنع العملية التي كانت تعتقد بأنها نجحت لأول مرة في التقاط طرف خيط لها. وتعاونت الشرطة الفلسطينية بكل ما لديها، حتى تمكنت من محاصرة الاستشهادي المفترض مع المجاهدين القساميين عوض سلمى وإبراهيم النفار في منزل الأخير بحي الشيخ رضوان يوم الجمعة الموافق 18 آب (أغسطس) 1995. وبعد تبادل إطلاق النار بين المجاهدين الثلاثة ونحو (500) عنصر من رجال شرطة الحكم الذاتي يقودهم العميد موسى عرفات (رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية) تدخل مفاوضون من حركة حماس وأنهوا القضية على الشكل الذي أكمل المسرحية التي نسج المهندس وأبو خالد خيوطها. وسارع ياسر عرفات بحضور يعقوب تسور، وزير الزراعة الإسرائيلية الذي زار غزة في اليوم التالي إلى الإعلان عن نجاح الأمن الوقائي الفلسطيني في إحباط العملية الاستشهادية واعتقال الشخص الذي أشار اسحق رابين أنه الرجل (الانتحاري) الذي من المفروض أنه سينفذ العملية(239).

ومع أن قصة وائل نصار نجحت في جذب أنظار قوات الجيش وأجهزة الأمن الإسرائيلية باتجاه قطاع غزة لنحو أسبوعين تقريباً، إلا أن المهندس وأبو خالد رأيا بأن عليهما الاستمرار في مخططهما. فقام المهندس بتجهيز عبوتين ناسفتين تنفجرا بطريقة التحكم عن بعد، وسلمهما للقائد أبو خالد الذي نقلهما بدوره إلى مجموعتين قساميتين، حيث قامت الأولى بوضع العبوة على طريق الدوريات العسكرية بين مدينة خان يونس ومستوطنات غوش قطيف، لتنفجر بعد ذلك صباح يوم الخميس الموافق 17 آب (أغسطس) 1995 أثر مرور سيارة عسكرية إسرائيلية مما أدى إلى جرح جندي وفق ما اعترف به الناطق العسكري لجيش الاحتلال(240).

وفي الساعة السادسة والنصف من صباح يوم الجمعة الموافق 18 آب (أغسطس) ،1995 فجرت المجموعة الثانية عبوة ناسفة وضعتها على جانب الطريق الفاصل بين الحدود الفلسطينية - المصرية عند مخيم كندا بمدينة رفح أمام ناقلة جنود مصفحة، ولكن القيادة العسكرية الإسرائيلية تكتمت هذه المرة عن الإشارة إلى الإصابات التي لحقت بجنود الناقلة المصابة(241).

تحت عنوان (عرفات ورابين في قارب واحد) كتب المعلق السياسي في صحيفة هارتس، يوأل ماركوس معترفاً بنجاح المهندس وأبو خالد في تضليل الاستخبارات الإسرائيلية على الرغم من التعاون بين سلطة الحكم الذاتي والشاباك في هذه القضية. وجاء في تحليل ماركوس: «قبل عدة أسابيع، حصلت جهات أمنية إسرائيلية على اسم وعنوان شخص من حماس، يريد تنفيذ عملية انتحارية في إسرائيل، كانت المعلومات دقيقة بشكل لم يسبق له مثيل، بالإضافة لشريط تسجيل فيديو، يودع فيه الانتحاري هذا العالم في طريقه إلى الجنة، تم تبليغ عرفات بالمعلومات، مرفقة بتنبيه، إذا لم تلقوا القبض عليه خلال أربعة أيام، سنضطر أن نفرض طوقاً أمنياً، وفي يوم الجمعة، اعتقلت الشرطة الفلسطينية الانتحاري، ورفع الطوق الأمني الذي دام اثني عشر يوماً. بعد رفع الطوق الأمني، فتحت الأفواه الإسرائيلية وبالغت جهات عسكرية إسرائيلية بمديح السلطة الفلسطينية التي نفذت المهمة بسرعة، إذ قال ضابط من قيادة المنطقة الجنوبية: «هذا ما توقعناه من السلطة الفلسطينية، وهو استخدام الشدة ضد نشيطي حماس، ومن كان نائباً لقائد جهاز الأمن العام قبل فترة وجيزة، امتدح التعاون الاستخباري بين السلطة الفلسطينية وبين إسرائيل، وهم يستحقون كل الاحترام. ولكن لماذا كل الاحترام؟ وماذا بصدد عملية الباص رقم 26 في القدس؟»(242).

كانت الأمور تسير حسب المخطط حين غادر عبد الناصر وعثمان وحاتم مساء يوم السبت الموافق 19 آب (أغسطس) 1995 في إحدى رحلاتهم الاستطلاعية إلى منطقة حيفا. وتشاء الأقدار، أن يعتقل القائد عبد الناصر بعد أن أوصل المجاهدين إلى مكان إقامتهما حيث أوقفته دورية لجيش الاحتلال في شارع فيصل بمدينة نابلس. وينقل عبد الناصر على الفور إلى أقبية التحقيق، ويمارس الشاباك ألوان شتى من التعذيب النفسي والجسدي ضده في معتقل الجلمة القريب من حيفا. وعلى الرغم من الضغط بأساليب صعبة وقاسية كالشبح والهز والعزل الانفرادي، والحرمان من النوم والطعام والعلاج، وأوضاع عبد الناصر الصحية السيئة، إلا أن الطالب النجيب للمهندس أثبت لجلاديه صلابة المجاهد القسامي بصموده وعدم كشفه لاسم محي الدين ومجموعته مكتفياً بالإشارة إلى اتصاله بالمهندس والقائد محمد الضيف دون أن يذكر أي شيء عن العملية التي تم التخطيط لها في مدينة القدس. وجن رئيس الشاباك، الجنرال كارمي غيون حين نقل إليه محققوه بأن عبد الناصر كان يعلم بمخطط العملية الاستشهادية، وأنه لم يتكلم عنها إلا بعد أن اطمأن إلى نجاح محي الدين الشريف بتنفيذها(243). ولنحو شهرين، استمرت معاناة القائد عبد الناصر في أقبية التحقيق، وهذه المرة في سجن نابلس المركزي الذي نقل إليه، حيث أبلغ محاميه الذي زاره يوم الخميس الموافق 5 تشرين أول (أكتوبر) 1995 بأنه ما يزال يتعرض لأعمال شبح وتحقيق متواصلة لإجباره على الإدلاء باعترافات حول نشاط المهندس واتصالاته وأماكن تواجد المجموعات التي تعمل له(244).

اعتقل عثمان وحاتم في اليوم التالي، ودوهمت الورشة بعد خمسة أيام، وتوالت الاعتقالات التي طالت عدداً من نشطاء حركة حماس في مدينة نابلس. ولكن، هذه الإجراءات لم تنل من المجموعة القسامية المقدسية حيث عاود المهندس تنظيم عملية الاتصال مع محي الدين الشريف من جديد في فترة زمنية قصيرة، وطلب منه تنفيذ العملية في ذكرى جريمة إحراق العصابات الصهيونية للمسجد الأقصى المبارك. وبناء على التعليمات، قام محي الدين وعبد المجيد ورشيد بترتيب نقل المجاهد الاستشهادي سفيان جبارين في صبيحة يوم الاثنين الموافق 21 آب (أغسطس) 1995 إلى محطة الحافلات المركزية في الشطر الغربي من القدس بعد شرح طريقة تشغيل المتفجرات. وما أن وصلت الحافلة رقم (26 أ) إلى المحطة، حتى أخذ المجاهد سفيان مكانه في الجزء الخلفي منها، إذ أنها حافلة مزدوجة تتكون من شطرين موصولين بنظام خاص. وسارت الحافلة مخترقة الشوارع المزدحمة في حي رامات اشكول، وهو أول حي يهودي أقيم في القدس الشرقية بعد احتلالها عام 1967. وعند وصول الحافلة إلى مفترق ليفي اشكول في نحو الساعة السابعة وثلاثة وخمسون دقيقة، وهي ساعة الذروة الصباحية، وقف المجاهد سفيان ليكبس على جهاز التفجير مستغلاً اقتراب الحافلة رقم (9) التي تسير من جبعات رام إلى جبل الزيتون من الحافلة (26 أ)، ليدوي انفجار ضخم شطر الحافلة رقم (26 أ) إلى شطرين مدمراً الجزء الخلفي بشكل كامل، بينما لحقت أضرار بالغة في الحافلة الثانية من جراء ضغط انفجار العبوات التي قدر الخبراء زنتها بين 4 و6 كيلوجرامات. وظل المفترق حتى الساعة التاسعة والنصف أشبه بمستشفى ميداني حيث نشط موظفو شركة دفن الموتى في جمع أشلاء جثث وأجزاء من أجساد بشرية تناثرت في دائرة اتساعها عشرات الأمتار حول الحافلتين. ودفعت هذه المشاهد، ما زال بار-ناتاف، وهي شاهدة عيان أصيبت كغيرها بصدمة من هول ما شاهدته لأن تصرخ في وجه عيزرا وايزمان (رئيس الدولة) الذي حاول تهدئة الجمهور الغاضب بزيارته لموقع العملية: «مستحيل أن يحصل مثل هذا في قلب مدينة القدس.. هنا لسنا في غزة»(245).

وضعت سلطات الاحتلال كافة المستشفيات بالمدينة المقدسة في حالة استنفار وطوارىء لاستقبال القتلى والجرحى حيث أعلن الناطق العسكري الإسرائيلي عن خمسة قتلى من بينهم ضابط برتبة ميجر ومائة وسبعة جرحى صنفت جروح ثمانية منهم خطرة. ومما زاد في حالة الارتباك التي عاشتها الشاباك، صعوبة تحديد جثتين إحداهما لرجل والأخرى لامرأة. ودفع فرار شابة بدوية من خيمة أهلها ولجوءها إلى قبيلة أخرى تقطن في منطقة بيت لحم، وإبلاغ أهلها باختفائها منذ يوم الأحد، الشرطة الإسرائيلية إلى الاعتقاد بأن امرأة نفذت الهجوم(246)،واستمر هذا الاعتقاد حتى يوم الأربعاء حين اكتشفت الشاباك شريط الفيديو في مدينة نابلس.

أقامت قوات الاحتلال عدداً من الحواجز العسكرية على الطرق والمفترقات ومنعت مئات المواطنين الفلسطينيين من دخول القدس. ورغم كل الإجراءات التي اتخذتها السلطات العسكرية الإسرائيلية إلا أن المجاهد محي الدين الشريف تمكن من الاختفاء وتغيير أماكن تواجده مواصلاً العمل الجهادي على نفس النهج الذي سار عليه المهندس. وأما المجاهدان عبد المجيد دودين ورشيد الخطيب فقد وقعا في قبضة سلطة الحكم الذاتي أثناء عبورهما مدينة أريحا يوم 24 آب (أغسطس) 1995 حيث أصدرت محكمة السلطة على الأول حكماً بالسجن (12 عاماً) والثاني (7 أعوام) بتهمة المساس بمصالح السلطة الفلسطينية وترويج دعاية معادية لعملية السلام(!!)(247).

6- جنرال في مرمى الهدف

أمر اسحق رابين بصفته رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع ومشرفاً على أعمال جهاز الاستخبارات العامة (الشاباك) بتكثيف إجراءات البحث عن المهندس، وأوعز إلى ضباطه في لجنة الارتباط الإسرائيلية - الفلسطينية المشتركة بوضع أمر ملاحقة القائد القسامي على رأس القضايا الأمنية التي تُبحث مع سلطة الحكم الذاتي. ومن جهته، داهم الجيش الإسرائيلي في ساعة متأخرة من الليل (18/9/1995) قريتي رافات وقراوة بني حسان بعد محاصرتهما بشكل كبير منذ غروب الشمس، وأجرى عملية تفتيش واعتقالات في صفوف المواطنين الفلسطينيين. وتركزت أسئلة ضباط الشاباك المرافقين للقوة العسكرية على المهندس. وأما ياسر عرفات - رئيس سلطة الحكم الذاتي- فقد أصدر تعليماته الصارمة يوم الأربعاء الموافق 23 آب (أغسطس) 1995 إلى رؤساء أجهزة الأمن والاستخبارات الفلسطينية بالبحث عن يحيى عياش. وأكد اللواء نصر يوسف، قائد الشرطة الفلسطينية صدور مثل هذه التعليمات حين صرح للإذاعة الإسرائيلية: «إن عملية البحث عن يحيى عياش صعبة ولكن هناك تحركات وإجراءات حثيثة في هذا الاتجاه لا يمكن الكشف عنها في الوقت الحاضر»(248).

ولكن المهندس الذي يعمل وفق مبدأ (اعقلها وتوكل)، لم يثنه هذا التنسيق الجديد - القديم، واستمر في برنامجه الجهادي حيث أوفد المجاهد حاتم يوسف محمود زيادة (24 عاماً) وهو من مخيم جباليا القريب من مدينة غزة إلى الضفة الغربية بتعليمات للاتصال بمجموعة من المجاهدين في منطقة طولكرم بهدف إعادة إحياء منطقة شمال الضفة الغربية. ووفق المخطط، عمل حاتم على تجنيد وتنظيم عدة مجموعات ضمت خمسة عشر مجاهداً، لتنفيذ عمليات عسكرية بأساليب ونوعيات مختلفة ابتدأ من الهجمات الخاطفة والكمائن وحتى العمليات الاستشهادية، غير أن هذه المجموعات لم تباشر عملها الميداني نظراً لاعتقال حاتم في الأسبوع الثاني من شهر كانون أول (ديسمبر) عام 1995م(249).

وعاود المهندس الاتصال بالقائد محي الدين الشريف، وعمل على توجيهه نحو اثنين من المجاهدين من منطقة شمال الضفة الغربية شاركا المهندس وساعداه أثناء إقامته في منطقة رام الله، وكان لهما دور رئيس في التجهيز والإعداد للعمليتين الاستشهاديتين اللتين نفذهما سليمان زيدان وسلامة يوسف. وتبعا للاتصال والتنسيق، أضحى منصور يوسف شماسنه وراشد الحاج مسؤولين عن تجنيد نشطاء حركة حماس، وتنظيمهم في إطار مجموعات القدس التابعة لكتائب الشهيد عز الدين القسام. ومع نجاحهما في المهمة، نقل محي الدين الشريف إليهما عبوتين ناسفتين كبيرتين ومخطط للعملية التي تم الاتفاق على تنفيذها بين المهندس وأبو خالد ومحي الدين. ولم تكن تلك العملية سوى، نسف منزل الميجر جنرال داني روتشيلد، منسق شؤون الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية وقطاع غزة، أثناء تواجده في داخله. وبعد عدة جولات استطلاعية، تسلل المجاهدان للمدينة المقدسة في نهاية شهر كانون أول (ديسمبر) ،1995 غير أنهما لم ينجحا في وضع العبوات الناسفة فعادا أدراجهما(250).

7- التلاميذ لا يقلون كفاءة عن المعلم

كان الصحفي الإسرائيلي ناحوم بارتي، أحد الإعلاميين القلائل الذين حاولوا تنبيه الحكومة الإسرائيلية إلى رد الفعل الذي يمكن أن يصدر عن حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في أعقاب اغتيال المهندس على يد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية وعملائها. فقد كتب بارني في صحيفة يديعوت أحرونوت في السابع من كانون الثاني (يناير) ،1996 أي بعد يومين فقط من اغتيال يحيى عياش في غزة قائلاً: «إن السياسيين الإسرائيليين الذي يبتهجون ابتهاجاً عظيماً الآن لعملية تصفية يحيى عياش، سيثيرون صرخات احتجاج هائلة حول الإرهاب العربي الذي سيوجه ضدنا». كما كتب المحلل في الشؤون الأمنية، روني شيكد تعليقاً تحت عنوان «تلامذة المهندس يحيى عياش لا يقلون كفاءة عنه» متوقعاً موجة عنيفة من العمليات الاستشهادية ثأراً للمهندس حيث أشار: «إن تلاميذ عديدون للمهندس لا زالوا يتواجدون في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، وهؤلاء قادرون على زرع القتل والرعب في إسرائيل». وتابع شيكد: «إن يحيى عياش لم يكرس جهوده فقط في صنع السيارات المفخخة والقنابل البشرية الحية، وإنما عمل على تنشئة وتربية جيل من مكملي دربه الذين سبق أن برهنوا في العمليات الانتحارية التي وقعت في رامات اشكول في القدس، وفي رامات غان قرب تل أبيب إنهم لا يقلون كفاءة عن معلمهم»(251).

والحقيقة، إن تلاميذ المهندس ليسوا بحاجة إلى كلمات ناحوم بارني ولا إلي تعليقات روني شيكد، إذ أن حالة الرعب والذهول التي سيطرت على المجتمع والدولة في نهاية شهر شباط (فبراير) ،1996 لم يشهدها الكيان الصهيوني منذ عدة عقود مضت. فقد خسرت الدولة العبرية خلال عشرة أيام فقط ما لم تخسره في بعض معاركها مع جيوش عربية جرارة، وأصبح كل إسرائيلي بعد العمليات الاستشهادية الأربعة في القدس وعسقلان والقدس وتل أبيب مهدداً ينتظر أن يأتيه الموت في كل لحظة ومن حيث لا يدري. وبعد الخسارة الكبيرة التي تكبدها الجيش والمستوطنون الصهاينة التي تمثلت بنحو (64) قتيلاً وما يزيد على (300) جريح في العمليات الأربع التي هندسها التلاميذ النجباء: محمد الضيف ومحي الدين الشريف وحسن سلامة، خسرت الدولة العبرية عنصري الأمن والاستقرار اللذين خاضت حروباً طاحنة من أجل تحقيقهما(252).

ومع تصاعد الأصوات الغاضبة للجمهور الإسرائيلي، وقف الجنرال كارمي غيون الذي أشرف شخصياً على الوحدات العسكرية التي اشتركت في عملية اغتيال المهندس ليصف العمليات الأربع بأنها «عمل محنك جداً» معترفاً في الوقت نفسه بأن غياب جسد المهندس لا يعني فقدان الروح الجهادية التي عملت من خلال هذا الجسد حيث قال: «لا أعتقد بأن شخصاً جاداً يتوقع تصفية العنف بعد اختفاء المهندس عن الخارطة. لقد هيأ المهندس تلاميذه، ويوجد إلى جانب المهندس أشخاص آخرون سيستمرون بأعمال العنف، وأعتقد بأن لديه تلاميذاً آخرين». وأما الأدميرال عامي إيالون الذي خلف الجنرال غيون في رئاسة الشاباك، فصرح للإذاعة الإسرائيلية في أعقاب العمليات الاستشهادية الأربع: «إن كتائب عز الدين القسام تتمتع بمستوى عال من التنظيم، وهي قادرة على تحويل المدن الإسرائيلية إلى مدن أشباح، إذ أن لدى هذه الكتائب احتياطياً يضم المئات من الشبان الذين يبدون استعداداً للتحول إلى قنابل بشرية»(253).

8- ملامح من الحياة السرية

لئن وجدت أجهزة الأمن والاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية صعوبات كبيرة في تتبع حياة المهندس وجولاته وأسلوب عمله وتنقلاته، فإنه من الصعوبة بمكان أن يحيط أي باحث مهما حاول في تفاصيل الحياة السرية ليحيى عياش. فالرجل لم يكن يترك آثاراً خلفه، ودائرة معارفه تكاد تكون مغلقة على عدد محدود من الأشخاص والمساعدين. ولكن هذا لا يمنع أن نقدم ملامح من الحياة السرية التي عاشها الشهيد الرمز أثناء إقامته في قطاع غزة، من خلال مقابلة أبو مصعب، وهو أحد مرافقي المهندس الذين عايشوه فترة من الزمن.فيقول أبو مصعب(254): «كان يعجبني في يحيى شجاعة قلبه، كان دائماً يقول لي: إن على الكريم أن يختار الميتة التي يحب أن يلقى الله بها، حتى إنه كان يغامر بالخروج في شوارع غزة بالسيارة، المرة تلو الأخرى، وكان يردد: قدر الله نافذ، ولا مفر من الموت. وفي الآونة الأخيرة كان يلاعب ابنه الصغير براء.. ويقول له: شد حيلك عشان أعلمك تصير زلمة».

ويضيف أبو مصعب: «يحيى لم يكن من النوع الذي يتحدث كثيراً، كان أغلب وقته صامتاً، إلا أنه كان يمازحنا ويمازح ابنه براء. كان كثيراً ما يفكر كيف ينفذ هجوماً هنا أو هناك، وكان يخرج متنكراً وبأشكال مختلفة، وكنا نعتقد أن يحيى معرض للخطر في كل وقت وثانية، ورغم أن الجهاز العسكري قد أوهم أجهزة الأمن الإسرائيلية أنه خرج إلى مصر إلا أن حالة الحذر ظلت قائمة. وكان تارة يخرج بجلابية طويلة وطاقية على رأسه. وتارة يخرج ببنطلون جينز وقميص قصير، وأغلب المرات كان يخرج في الليل، وحدث عدة مرات أن اجتزنا حواجز الشرطة الفلسطينية ورأينا جنود الاحتلال الإسرائيلي على طول الطريق الممتد من رفح حتى غزة، والحمد لله لم يتعرض مرة للاشتباه به». وحول شعور يحيى حينما كان يجهز أحداً من الناس للقيام بعملية استشهادية، يقول أبو مصعب: «يحيى نفسه كان يعيش الشهادة، ويتمناها، لكنه آثر أن يضرب داخل العمق الصهيوني أكبر عدد ممكن من الضربات، وكثيراً ما كان يقول: لو أنني كنت مكانه، إضافة إلى أنه كان يدقق في كل شيء وفي أصغر التفاصيل، كان الذي يسمعه حينها يظن أنه يرى الموقع أمام عينه، يحيى كان من الخبراء القلائل الذين أتقنوا فن تفخيخ السيارات، وهي ظاهرة لم يعرفها الشباب الفلسطيني منذ عهد الاحتلال، وبحق يعتبر يحيى مؤسس لمدرسة التفخيخ ورائد مدرسة الاستشهاديين. وحينما يتردد اسمه في وسائل الإعلام الإسرائيلية، كثيراً ما كان يضحك ويقول: هؤلاء جبناء. وحينما كانت بعض التقارير تتحدث عن الرعب الذي زرعه يحيى في نفوس الصهاينة، كان يذكر قوله تعالى بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى. وأذكر مرة أن التلفزيون الإسرائيلي بث تقريراً حول العمليات التي قام بها المهندس رحمه الله، وكان يحيى حاضراً فإذا بيحيى يقول: لسه الحبل على الجرار، والله إن شاء الله ما أخليهم يناموا الليل ولا يعرفوا الأرض من السماء. وفي الفترة الأخيرة كان يحب تلاوة القرآن ومطالعة الكتب والاستماع إلى نشرات الأخبار، وكان أحياناً يخرج ليتجول في شوارع غزة وكان أحياناً كمن يتودع منها يقول: إن نهاية الإنسان لا بد أن تأتي ما دام قدر الله قد نفذ».

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:41 PM   رقم المشاركة : 13
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


المطاردة المتبادلة

من حفل تأبين المهندس في غزة

من حفل تأبين المهندس في مدينة نابلس



توطئة

مع كل عملية تفجير استشهادية تدق نوافذ الوعي الشعبي في الكيان الصهيوني، تظهر صورة يحيى عياش أو المهندس عدة مرات على كامل شاشة التلفزيون الإسرائيلي وعلى كل القنوات وأثناء البث المباشر لعملية إسعاف الجرحى، فيما يردد المذيعون اسم المهندس الذي أصبح الهاجس الأساسي لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية. وغدا المهندس شبحاً أسطورياً بالنسبة للإسرائيليين بعد أن تفشت في أوساطهم الإشاعات المتناقضة حول هذا المهندس الخطير، كما أن رئيس الحكومة خرج عن العرف الدبلوماسي والمراسم المتعارف عليها دولياً بإعلانه أن المهندس هو الهدف المركزي للدولة بكافة مؤسساتها وأجهزتها وقبوله شخصياً التحدي حيث أعلن بأن مصير يحيى عياش سيكون مثل مصير (الإرهابيين) وهو الموت(1). ويؤكد الخبير العسكري، زئيف شيف، هذا الأمر في سياق تعليقه على جريمة اغتيال المهندس فيقول: «إن الشيء الذي أملى اتخاذ قرار القضاء على يحيى عياش ليس فقط حساب الدم المتعلق بعشرات القتلى والجرحى من الإسرائيليين، وإنما أولاً وقبل كل شيء حقيقة أن هذا الرجل تمكن في كل مرة من بناء قاعدة جديدة للعمليات الانتحارية الجماعية. ولذلك، تحول المهندس إلى هدف مركزي، وأعطى في حينه اسحق رابين الأمر بعمل كل شيء ممكن من أجل القضاء على يحيى عياش، وتبنى شمعون بيريز الذي خلف رابين في رئاسة الوزراء هذا التوجه».(2)

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة



إن قدرة يحيى عياش على التحرك بحرية نسبية في الضفة الغربية وقطاع غزة والعمل بنجاح في تلك المناطق وفي المنطقة المحتلة منذ عام،1948 دون أن تتمكن المجهودات الضخمة والمكثفة التي بذلها الجيش والشرطة والوحدات الخاصة وأذرع المخابرات من إفشال أي من خططه، وعلى الرغم من الآثار السلبية والبصمات المرعبة التي خلفها نجاح المهندس على المجتمع الإسرائيلي إلا أن القادة والمعلقين الصهاينة غالباً ما وقفوا اعترافاً واحتراماً لهذه العقلية المتميزة والقدرة المتجددة. ويكفي أن يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي اعتبر نفسه ودولته في حالة عداء شخصي مع يحيى عياش هو الذي أطلق عليه لقب (المهندس)، إذ كتبت يديعوت أحرنوت في تحليلها بعد استشهاد عياش ما يؤكد إعجاب رابين بشخصية عدوه فتقول: «كان رئيس الحكومة رابين هو الذي أعطى يحيى عياش لقب المهندس، وقد تذكر جدعون عزرا هذه الواقعة: في إحدى المناقشات التي جرت حول عياش أعجب رابين بمواهبه، وبعد أن قصصنا عليه ما يفعله، ألصق بعياش لقب المهندس، وقد أصبح هذا اللقب اسما مرادفا لعياش منذ ذلك الوقت، وكان عيزرا قد اعتاد إبلاغ رابين بما يجري بشأنه من نشاط جار أولاً بأول حيث كان عيزرا هو الذي يقود عملية المطاردة للقبض على عياش، وكان رابين على علم بأدق تفاصيل المعلومات الاستخبارية والحملات التي يخطط لها للقبض على عياش»(3).



وفي نفس السياق، عبر الجنرال جدعون عيزرا، نائب رئيس الشباك السابق عن إعجابه بيحيى عياش رغم ما يكنه من عداوة وحقد للعمليات التي نفذها. ففي مقابلة مع صحيفة معاريف، قال الجنرال عيزرا: «إن نجاح يحيى عياش بالفرار والبقاء حولته إلى هاجس يسيطر على قادة أجهزة الأمن ويتحداهم. فقد أصبح رجال المخابرات يطاردونه وكأنه تحد شخصي لكل منهم، وقد عقدت اجتماعات لا عدد لها من أجل التخطيط لكيفية تصفيته... لقد كرهته، ولكني قدرت قدرته وكفاءته»(4). ويضيف عيزرا في مقابلة أخري مستعرضاً معاناته أثناء عمليات البحث الفاشلة عن عياش: «كنت كل يوم أحاول إلقاء القبض على يحيى عياش، وأحياناً أكثر من مرة واحدة يومياً. وليس أنا فقط، فقد كنا كثيرين وحاولنا إلقاء القبض عليه وجندنا أفضل الأشخاص لذلك، كنا على استعداد لصرف ميزانيات بلا حدود من أجل تصفيته. ولكنه كان يهرب عادة بوثائق مزورة منتحلاً شخصيات مختلفة، فيربي ذقنه حيناً ويحلقها حيناً آخر، ويغير من ملامح وجهه. ويتجول في إسرائيل وهو يرتدي قبعة يهودية مسروجة ويتحرك بسيارة وضعت عليها ملصقات تحمل شعارات مثل: الشعب مع الجولان»(5).



وتحت عنوان (اعرف عدوك: المهندس هو المطارد الأول)، نشر أليكس فيشمان مقالاً طويلاً في صحيفة معاريف بعد عملية الشهيد صالح صوى تحدث فيه عن القائد يحيى عياش جاء فيه: «أحد أبرز جوانب هذا الطالب الجامعي هو قدرته على إعداد عبوات فعالة من مواد ليست من نوعيات جيدة. هذه القدرة تحظى بالتقدير الكبير من رجال المهنة الإسرائيليين كونه استطاع التغلب على الجفاف الذي خلفته المخابرات العامة في المواد المتفجرة جيدة النوعية... لقد تعرفت المخابرات على هذه القدرة في العام 1992 حيث لم يكن عياش معروفاً عندما ضبطت سيارة ملغومة في رامات أفعال. وبالكاد عرفت أن عياش هو الذي أعد العبوة... لقد ذعر رجال المخابرات من مجرد التفكير في إمكانية وصول هذه السيارة إلى قلب تل أبيب لتنفجر في شارع ديزنغوف». ويضيف فيشمان: «خلف يحيى عياش -المطارد رقم واحد- وضعت أجهزة الأمن الإسرائيلية كل ثقلها: سيرته الذاتية، خططه، طبيعته، أسلوب عمله. ورغم أن كل ذلك أصبح معروفاً لدى رجال المخابرات، إلا أن عياش لعب معهم لعبة القط والفأر. ويزيد اسحق رابين على أجهزة المخابرات هماً وخيبة حين يبادر في بداية كل اجتماع بالسؤال: أين المهندس؟ فلا يتلقى جواباً. وعليه تحول المهندس إلى رمز لفشل إسرائيل في الإمساك بمن ينفذ العمليات وليس المنظمة وحدها. وكأن الأرض انشقت وابتلعته، كان هناك من ادعى أن الرجل فر إلى خارج البلاد، وهناك من ادعى أنه فر إلى منطقة الحكم الذاتي. ولكن في غرفة العمليات، ما تزال صورته معلقة على ملصق كبير، كتب تحتها المطلوب رقم واحد، والملف الخاص بيحيى عياش مليء ولكنه ما زال مفتوحاً. فقد اختار المهندس الهدف، التوقيت، وأسلوب العمل لخطة نسجها على مدى خمس سنوات»(6).



ويتسع نطاق إخوانه المهندس ونجاحاته النموذجية التي دفعت بالكثيرين لتقليده والسير على خطاه وجرى تخصيص موازنات إضافية لأجهزة الاستخبارات والتجسس الإسرائيلية كجزء من استراتيجية جديدة لمواجهة الخلايا العسكرية والمجموعات المساندة لها. ويعلن الجنرال يغال بريسلر -مستشار رئيس الحكومة الإسرائيلية لشؤون مكافحة الإرهاب- بعد اجتماع رؤساء الموساد والشباك وآمان بألم وحسرة: «إن أجهزة الأمن الإسرائيلية كادت أن تلقي القبض على المهندس في عدة مرات إلا أنه نجح في كل مرة بالإفلات بطريقة عجيبة»(7).



ولأن الحديث لم يعد يدور عن موجة طعن بالسكاكين أو عمليات بمبادرات فردية وذاتية بل يدور عن معركة ذات خطة وأهداف محددة، فإن رون بن يشاى، المعلق في صحيفة يديعوت أحرونوت، يجد في قدرة المهندس وأسلوبه ما يجعله يدق ناقوس الخطر مطالباً بأخذ الحيطة والحذر والاستعداد للمواجهة بإجراءات غير تقليدية أو عادية. ويرى بن يشاى: «سلسلة مكثفة من العمليات في قلب المناطق المكتظة بالسكان في إسرائيل تنفذ باحتراف وقدرة على التخطيط والتنفيذ لم نعهده حتى الآن: نشهد اختياراً متطوراً للأهداف والأساليب الحربية، وتشديداً يثير الذهول على السرية واختيار وإعداد دقيق للمنفذين الميدانيين الذين يبدون الاستعداد للتضحية خلال قيامهم بالعملية»(8).



أما المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية، فقد عانت من ضغوط شديدة، بعد أن تلقت ضربة معنوية قاسية نظراً لعدم تمكنها من متابعة تحركات المهندس وتنقلاته. ومما زاد في حرج هذه الأجهزة، انتقال المهندس إلى قطاع غزة ثم انضمام زوجته وابنه إليه وزيارة والدته السرية للقطاع ولقائها بولدها هناك، بعيداً عن أنظار القوات والأجهزة الإسرائيلية التي كانت تتابع تحركات العائلة باستمرار وتنصب الكمائن، وعلى الرغم من خضوع جميع أفراد عائلة عياش وأهالي القرية للمراقبة المستمرة(9).



ويعترف القادة العسكريون بالصعوبات التي تواجههم في متابعة البحث عن المهندس، مما يعني أيضاً اعترافاً بكفاءة «المهندس» الذي جعل الجنرالات يقرون بعدم معرفتهم بالمنطقة التي يختبىء بها. ففي مناسبتين متباعدتين زمنياً، يقر الميجر جنرال أمنون شاحك -رئيس هيئة الأركان العامة- والميجر جنرال ايلان بيران الذي كان يشغل قيادة المنطقة الوسطى ومن بينها الضفة الغربية بعدم معرفتهما بمكان إقامة يحيى عياش. ومن أروقة الكنيست، يصرح الجنرال شاحك أثر لقائه مع لجنة الخارجية والأمن بقوله: «الشاب يحيى عياش الملقب بالمهندس، أنا لا أعرف بالضبط أين هو؟!. نحن نبحث عنه منذ مدة طويلة… نحن نواصل البحث عنه حتى نقبض عليه»(10).



ويضيف شاحك: «إن قوات الجيش الإسرائيلي تبحث عنه في كل مكان، وعندما تعرف مكان تواجده فإنها ستصل إليه»(11).



وبصيغة مشابهة، يقول الجنرال بيران في مقابلة صحفية: «لزاما علينا العثور على المهندس ولم نتمكن من ذلك حتى الآن. نريد الاستمرار بمجهوداتنا والوصول إليه. وفقا لاعتقادي لا يتواجد في المنطقة الوسطى، هذا ليس سهلاً. الصعوبات كبيرة لكن يجب الاستمرار بالمحاولة»(12).



وحمّل بيران الأجهزة الأمنية مسؤولية الفشل معتبراً أن هذه الأجهزة «أصبحت عاجزة تماماً أمام الأعمال والخطط التي يضعها عياش»، وبناء على ذلك ينصح بيران بقوله: «الآن يتوجب على أجهزة الأمن حماية نفسها من هجمات عياش الانتحارية، وعليهم أن يتوقعوا المزيد من العمليات»(13).

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:41 PM   رقم المشاركة : 14
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


الآثار

يبالغ الإعلام الإسرائيلي عادة في التركيز على الشخصيات القيادية أو العسكرية الفلسطينية، ليكون أثر سقوطها بالغاً في نفوس الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء. فبالنسبة للفلسطينيين، تريد أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، أن يشعروا بفداحة الخسارة وبالتالي عدم جدوى استمرار الجهاد والمقاومة العسكرية، بينما يستهدف هذا التركيز إشعار الجمهور الإسرائيلي بكفاءة أجهزة الأمن لديهم. ولكن هذا التفسير الذي ينطبق على حالات كثيرة سابقة لم يكن ليتلائم مع اهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية المختلفة مع الشهيد يحيى عياش. وهذا الأمر يقودنا إلى رؤية أخرى تقول بأن الإعلام الإسرائيلي يخاطب في برامجه العبرية الجمهور اليهودي، وبالتالي فهو يعكس توجهات الشارع. ومن هنا، فإن التركيز الإعلامي الذي حظي به المهندس هو انعكاس للحيز الواسع الذي احتله في أذهان الإسرائيليين بعد العمليات النوعية التي نفذها.



وأياً، كانت الرؤية التي تنطبق على المهندس، فقد تحول عياش إلى إخوانه حقيقية في أذهان أعدائه، وكذلك الأمر بالنسبة للفلسطينيين، حتى قال أحدهم للتلفزيون الإسرائيلي: « لقد عرفنا يحيى عياش رغماً عنا، وأصبح بالنسبة لنا بطلاً من كثرة ما ركزتم عليه»(14). ويقول (شيام بهايتا) في صحيفة الاوبزيرفر البريطانية: «بالنسبة للعديد من أبناء شعبه هو خليفة القرن العشرين للقائد المسلم صلاح الدين الأيوبي، الذي قضى على الصليبيين، واستعاد كرامة الأمة الإسلامية»(15).



لم يكن اسحق رابين محظوظاً، فقد واكب إبداعات المهندس العسكرية وتعرضت حكومته لاهتزازات أمنية وشعبية عنيفة طاردته حتى داخل حزبه. وبعد عدة محاولات، استخدم فيها رئيس الوزراء أساليب متطورة عديدة، بات اسحق رابين مقتنعاً بعجز قيادته الأمنية عن وقف المهندس ووضع حد للتآكل في شعبية حزب العمل لدى الجمهور الإسرائيلي. وإذا كان قرار إقالة الجنرال يعقوب بيرى عن رئاسة جهاز الشاباك هو المؤشر الأول على هذه القناعة، فإن ما لا يجب إغفاله في مقابل ذلك هو أن رابين كان مستعداً لأن يضحي ببعض قيادات الصف الأول في الأجهزة الأمنية من أجل تحقيق هدفه الذي لم يتحقق إلا بعد وفاته بثلاثة أشهر.



ومع انشغال المسؤولين الإسرائيليين، سياسيين وعسكريين في نشاطات مكثفة لاحتواء الآثار السلبية التي تركها المهندس في أوساط الجمهور الإسرائيلي، بدت حالة الارتباك واضحة على تصريحات وتصرفات أولئك المسؤولين. ولذلك، لم يستطع هؤلاء إخفاء حقيقة استنفاذهم كل ما في جعبتهم من إجراءات ضد المهندس والمجموعات الاستشهادية، إذ اعترف اسحق رابين في لقاء خاص مع لجنة رؤساء تحرير الصحف الإسرائيلية في تل أبيب بصعوبة المواجهة حين قال : «إن الإرهاب المتعصب الذي يرجع مصدره إلى الإسلام الأصولي يختلف عن الإرهاب الذي مارسته منظمة التحرير الفلسطينية من حيث لجوئه إلى العمليات الانتحارية. وتكمن المشكلة في صعوبة مواجهة الانتحاريين الفلسطينيين الذين يأتون لتنفيذ هجماتهم كونهم يدركون أنهم ذاهبون إلى الموت وأن روحهم ستصعد إلى السماء وفق اعتقادهم. هذا النوع من الهجمات لم تعرفه إسرائيل من قبل»(16). ويستدرك رابين في حديث آخر، محاولاً الدفاع عن حكومته ورد الاتهامات: «أنها حرب صعبة ضد أجهزة منظمة وضد هجمات يدعمها السكان ورجال الدين الذين لا يقلون عنهم جنوناً. ويجب أن ندرك كيف نصمد في هذه الحرب، وسيقع خلالها الضحايا. وللأسف الشديد لا أستطيع أن أقول أنه لن يقع المزيد من الضحايا»(17).



في مرات كثيرة اصطف القادة العسكريون خلف رئيس الوزراء ووزير الدفاع، بعد أن وضعهم يحيى عياش أمام السؤال الأبرز والمعادلة الصعبة. لكن، وحين يصرح الجنرال أمنون شاحك بأن «العمليات الانتحارية ستستمر، وكذلك الحرب التي نشنها ضد الإرهاب»، موضحاً بأنه «في أي حال من الصعب بل المستحيل إفشال عملية انتحارية»(18)، فإنه بذلك يزيد من حالة القلق والخوف التي سادت صفوف الإسرائيليين. ونفس الأمر ينطبق على مفتش عام الشرطة، الجنرال اساف حيفتس، الذي كان أكثر وضوحاً في اعترافه حين أشار بأن «الفلسطيني الذي يرغب بتنفيذ عملية انتحارية يستطيع المرور عبر المعابر والطرق بسهولة وهو يحمل عبوة ناسفة أو مادة متفجرة دون أن تكون عمليات التفتيش على الحواجز، ودوريات الشرطة الراجلة والمحمولة، والفحص الدقيق قادرة على الحد من هذه العمليات»(19).



وشارك الخبراء العسكريين والأمنيين في ماراثون الإشادة غير المباشرة بالمهندس وعكست أقوال الخبراء الشك الكامن في نفوس عامة الإسرائيليين، وتزايد هذا الشك في «مواجهة خصم أيديولوجي يرى في مواجهته لإسرائيل حرباً حضارية. والخصوم العقائديون عادة لا يمكن الالتقاء معهم في منتصف المسافة الفاصلة» حسب أقوال روني شيكد التي تصف الشهيد يحيى عياش(20).



وتحت عنوان (لا يستطيع أي جيش في العالم الرد علي الهوس الديني)، استعرض تسفى هرئيل الإمكانيات المتاحة أمام الجيش، وجهاز الشاباك وتوصل في النهاية إلى النتيجة التالية: «إن محاربة الانتحاريين محبطة إن لم تكن غير مجدية، فليس هناك منحه سياسية أو منطق سياسي يمكنهما أن يقتلعا الجنون المسيطر على من قرر أن يكون قنبلة حية... ليس لدى جيش الدفاع رد على المخربين الانتحاريين، وتشير التجربة أنه لا جواب على الهوس الديني فهو إرهاب من طراز جديد له حياته الخاصة وليس مشروطاً بالظروف السياسية أو الاجتماعية وهو مخيف، لمواطني إسرائيل وسكان المناطق»(21).



1- المهندس نجم السنة العبرية



لم يكن مفاجئاً أن ينقسم الجمهور الإسرائيلي في استطلاعين للرأي أجريا لحساب التلفزيون ومحطة الإذاعة الإسرائيلية بمناسبة حلول السنة العبرية الجديدة في 25 أيلول (سبتمبر) ،1995 في اختيار رجل السياسة الإسرائيلي الأول، كما أنه لم يكن مفاجئاً أن يختار أكثرية المشاركين في الاستطلاعين يحيى عياش «رجل السنة العبرية ونجمها»(22).وبعد أن عرض مذيع البرنامج، يوني بن مناحم الذي يعتبر مراسل الإذاعة والتلفزيون للشؤون الفلسطينية، سيرة حياة المهندس توجه إلى المشاهدين قائلاً: «كان من الواضح لدي وجوب اختيار المهندس كرجل هذا العام، فقد قمت بالتجول بين كبار المسؤولين في الإذاعة وأنا أحمل ورقة كتب عليها المهندس وفي النهاية اختاره الجميع». وأضاف بن مناحم: «عرضت الاختيار على والد نحشون فاكسمان الجندي الذي اختطف من قبل خلية من حماس وعلى أشخاص أصيبوا في عمليات فوافقوا على هذا الاختيار لأن عياش يمثل العنف بنظر الإسرائيليين. والعنف هو الذي حدد النفسية الوطنية والعامة لهذا العام، كما أن المهندس يؤثر فعلاً على مدى الإحساس الأمني لكل شخص في إسرائيل. واختياره يؤدي إلى الإحساس بالمأساة لدى ثلاثة أرباع الإسرائيليين»(23).



2- غضب وخوف



كتب مراسل صحيفة معاريف بشيء من التسليم أمام مناظر الرعب التي خلفها انفجار الحافلة في رامات أشكول بمدينة القدس«هناك انطباع بأن الأمر أصبح مألوفاً... انطباع بروتينية الموت. فالحياة والموت يتعايشان باستمرار عندنا والباص يتحول إلى وحش، إلى روليت، إلى وسيلة نقل محتملة للموت». ويتابع المراسل قائلاً: «كنا نعرف أن ذلك سيحصل عاجلاً أم آجلاً... لقد عادت الحياة إلى مجراها الطبيعي... وإلى الحلقة المقبلة»(24).



والحقيقة أن المراسل الصحفي الإسرائيلي أجاد التعبير ووصف الحالة التي سادت في أوساط الشارع اليهودي. فقد نجح المهندس والكتائب الاستشهادية ليس في توجيه الضربات فحسب وإنما في إثارة حالات مثيرة من الذعر والرعب الشديدين بين الإسرائيليين، وبخاصة أولئك القاطنين في المناطق والمدن التي كانت حتى فترة قريبة تعد بأنها أكثر تحصناً ومناعة في مواجهة المقاتلين الفلسطينيين. فعلى سبيل المثال، دأب سكان مدينة تل أبيب وضواحيها منذ زمن طويل على المراقبة من بعيد ومشاهدة المجابهة العسكرية بين المنظمات والجيش الإسرائيلي على الحدود أو في الضفة الغربية وقطاع غزة. ولكن، مع دخول المهندس إلى المواجهة، غدت مشاعر سكان تل أبيب والعفولة والخضيرة، وغيرها من المدن الساحلية تمتزج بخليط من الخوف والغضب في آن واحد. فبعد كل عملية استشهادية، يتجمع المئات من المتظاهرين بالقرب من مكان الانفجار وهم يهتفون ضد رئيس حكومتهم، مستقبلين المسؤولين الحكوميين بصيحات الاستنكار والغضب. وفي كل مرة، تحدث اضطرابات ومصادمات مع الشرطة، وغالباً ما حالت هتافات وشتائم الجماهير الغاضبة دون المسؤولين الإسرائيليين من زيارة أماكن الانفجارات، إذ اضطر رئيس الدولة العبرية (عزرا وايزمان) إلى مغادرة المكان في رامات أشكول قبل إتمام كلمته رغم أنه توسل للجمهور لكي يحتفظوا بهدوء أعصابهم(25).



في أعقاب عمليتي العفولة والخضيرة البطوليتين، انتشرت موجة من الذعر اثر مكالمات هاتفية من مجهول تلقتها عدة مؤسسات في مدينتي بيسان وطبريا حول هجمات استشهادية وشيكة يعتزم المهندس تنفيذها في المدينتين. كما تلقت العيادة الطبية الرئيسة في مستوطنة (بيت شان) وثلاث مؤسسات عامة أخرى اتصالات مماثلة وحملت نفس المضمون، وقد أدى ذلك إلى حالة من الفوضى عمت المناطق المشمولة بالتهديد حيث امتنع المئات عن مغادرة منازلهم فيما ألغى البعض مواعيدهم ولزموا أماكنهم(26).



وترك المهندس بصماته أيضاً على قطاع العمل حيث امتنع الكثير من الإسرائيليين بعد العمليات الاستشهادية في تل أبيب والقدس عن الذهاب للعمل هناك. ويقول عامل البناء نير دوروني الذي شهد عمليتي بيت ليد ورامات غان مبرراً ذلك: «إن من الخطر العمل هنا، إنني أخشى من مجرد ركوب أي باص». وتضيف ايف باومغرتن، الموظفة في بورصة تل أبيب: «إنه أمر مخيف أن تخرج في طريقك للعمل»، ويشهد موظف آخر بالبورصة نفسها حاول إخفاء مشاعره فيقول: «لست خائفاً لأنني مازلت أرفض تصديق حدوث ذلك هنا، ولكن بكل تأكيد لن أستقل أي باص بعد الآن»(27). ولم يكن أصحاب الشهادات السابقة وحدهم الذين أحجموا عن ركوب الحافلات العامة، فقد سجلت شركات سيارات الأجرة في مدينتي القدس وتل أبيب زيادة عدد الإسرائيليين الذين يسافرون في سيارات الأجرة عوضاً عن السفر في الحافلات. وقد رصدت الصحف العبرية هذه الظاهرة، وعزت السبب الرئيسي إلى خشية الركاب من السفر في الحافلات بعد سلسلة العمليات الاستشهادية، ونقلت يديعوت أحرونوت عن سائقي سيارات الأجرة أن الركاب يطلبون سيارات أجرة حتى في الحالات التي تقتصر على مسافة قصيرة جداً خشية أن يتعرضوا للاختطاف على يد الفدائيين. وقد أدت هذه الظاهرة إلى انخفاض أرباح شركة ايجد عام 1994 على سبيل المثال بنسبة 32% بالمقارنة مع العام السابق، وتكبدت الشركة خسائر مالية بلغت نحو 15 مليون شيكل (5 ملايين دولار) خلال شهري تموز وآب من عام ،1995 وهما الشهران اللذان شهدا وقوع عمليتي رامات أشكول ورامات غان(28).



والطريف أن بعض المراهقين الإسرائيليين استغلوا هلع الأجهزة الأمنية والجمهور من اسم المهندس، فقاموا بوضع كيس بطريقة تثير الشبهات بالقرب من إحدى محطات نقل الركاب في رامات اشكول بشمال القدس. وحين أخلت السلطات العسكرية المنطقة وباشر خبراء المتفجرات بتفحص الكيس وجدوا بداخله عشرات الطلقات ورسالتان تدعوان إلى مواصلة العمليات بالقدس تحملان توقيع يحيى عياش(29).



3- انخفاض معنويات ونوبات عصبية



ساهمت العمليات الاستشهادية في الكشف عن عدة ظواهر موجودة منذ أمد بعيد يمكن استثمارها لصالح الطرف الفلسطيني. وما نعنيه في هذا المجال اثر هذه العمليات على الجنود الإسرائيليين الذين من المفترض أنهم يحمون الجمهور ويبثون الهدوء والطمأنينة في صفوفهم. فعلى الرغم من زيادة وتعزيز التدابير الأمنية في المفترقات التي يستخدمها الجنود وحول الحواجز العسكرية ومنها إقامة سواتر ترابية كبيرة وزرع العديد من حقول الألغام، بهدف حماية أولئك العسكريين وإزالة المخاوف وعناصر الرعب التي انتشرت في أوساطهم بعد سلسلة العمليات الاستشهادية، إلا أن الأطباء وعلماء النفس الذين تجولوا في القواعد العسكرية وبين الجنود فشلوا في إحداث أي تغيير على بعض الحالات النفسية والعصبية مما اضطر الضباط المتخصصين في مجال الصحة النفسية إلى تحويل العشرات إلى المشافي(30).



وتنقل وسائل الإعلام الإسرائيلية بأن الجنود يسارعون بعد وقوع كل عملية استشهادية إلى الاتصال بذويهم الذين لا تقل حالتهم توتراً وذلك من أجل طمأنتهم. ففي أعقاب عمليات الثأر في نتساريم وكفار دروم، نقل مراسل صحيفة يديعوت احرونوت: «بعد وقت قصير من وقوع هجوم كفاردروم، وبينما كنا نحن الصحافيين نشق طريقنا إلى مكان الهجوم، أوقفنا جنود متوترون عند حواجز الجيش، وعلى لسانهم طلب واحد: دعونا نتصل من هواتفكم ببيوتنا لطمأنة أمهاتنا، ولنقول أن كل شيء على ما يرام»(31). وينقل المراسل أيضاً حديثاً دار مع جنديين، قال أحدهما ورمز لاسمه بالحرف (ص): «أنت لا تعرف من أين يأتيك المخرب، إنهم انتحاريون لا يحسبون لشيء ولا يبالون بشيء... إنهم يريدون الموت، أما نحن فلا نريد أن نموت، ولذلك فإن هذا يبعث على الخوف». ويضيف الجندي الذي يبلغ من العمر (19 عاماً): «إن كل سيارة عربية تمر أمامنا تثير خوفنا، وكل حركة مشبوهة تجعلك تقفز من مكانك ووراء كل شجرة قد يكون هناك مسلح يختبىء في انتظارك... أضف إلى ذلك القلق الذي يعانيه آباؤنا وأمهاتنا الذين يحضرون أبناءهم لبوابة المعسكر، وبعضهم زود أبناءه بهواتف متنقلة، حتى يكونوا على اتصال مباشر معهم في لحظات الأزمة»(32).



أما في بيت ليد، فقد عانى الجنود الناجون من نوبات هستيرية وعاش آخرون في حالة خوف مستمرة، وبعضهم لم يتمكن من العودة إلى مراكزهم، وطلب عدد منهم أن ينقلوا إلي ثكنات ومعسكرات بعيدة. كما أعرب آخرون عن الجزع الذي ينتابهم كلما اقتربوا من (مفترق الموت) على حد تعبيرهم. وقال أحد الجنود في رسالة وجهها إلى قائده مطالباً بنقله: «لا يمكنني أن أمر صباحاً أمام المكان الذي سقط فيه رفاقي، إذ تعود إلى ذاكرتي المناظر الفظيعة». ويضيف جندي آخر: «لا يمكنني بعد الآن الخدمة قرب بيت ليد فهذا المفترق يزرع الخوف في نفسي»، بينما أفاد جندي ثالث أنه يعاني من كوابيس مزمنة وأنه لا يستطيع الخلود إلى النوم منذ 22 كانون الثاني، موضحاً أن المشاهد الصعبة التي رآها تعود إليه من حين لآخر وأنه لم يعد يفلح في استعادة قدرته على الانتظام في حياته وخدمته العسكرية. وقد أطلقت الصحافة الإسرائيلية على هذه الظواهر وصف (مرض بيت ليد)(33).



4- لوثات أمنية



مع مرور الوقت ظهرت على جنود الاحتلال بوادر نفسية جديدة عبرت عن الحالة المعنوية المتردية التي وصلوا إليها. فمن تفجير أي سيارة يرتاب بها جندي مار بالصدفة أو ضمن دورية خشية أن تكون مفخخة إلى سرعة الضغط على الزناد وإطلاق النار على الأبرياء عند حاجز ايرز لمجرد الاشتباه أو الخوف أن يتحول الكيس الذي يحوي وجبة الفطور والغداء للعامل الفلسطيني إلى عبوات ناسفة تجعل من حامله (قنبلة بشرية) قادمة باتجاههم(34). ففي يوم 3/11/،1994 أغلقت تعزيزات كبيرة لحرس الحدود الشارع الرئيسي المار وسط مدينة نابلس، وقام خبير المتفجرات بإجراء فحوصات على سيارة من نوع مرسيدس كانت تقف في محيط المستشفى الوطني ومن ثم فجر السيارة عن بعد. وفجر خبراء المتفجرات سيارة أخرى كانت متوقفة قرب تجمع للسيارات في مدينة طولكرم يوم 4/6/1995 بواسطة رجل آلي متحرك بعد الاشتباه بأنها مفخخة، ولكن الخبراء لم يعثروا على شيء داخل السيارة (35). وتكررت هذه الممارسات في مدن ومواقع كثيرة، وفي كل مرة يجري تفجير السيارة ويعود الخبراء خائبين بعد فشلهم في تحقيق أي هدف في مرمى المهندس.



وامتدت حالة الهوس الأمني الذي عانى منه جنود الاحتلال إلى اعتقال وتعذيب أي فلسطيني يشبه في ملامح وجهه أو صورته القائد القسامي يحيى عياش. وسجلت وسائل الإعلام الإسرائيلية والفلسطينية الحالتين التاليتين:

أ- أوقف جنود الحاجز العسكري المقام على طريق نابلس - القدس يوم السبت الموافق 10/12/1994 سيارة عربية وأنزلوا الشاب عبد الله محمد مصطفى الخطيب (28 عاماً) وهو من قرية الزاوية بعد أن تيقن الجنود بأنه المهندس حيث بدت الفرحة على وجوههم، فأسرعوا إلى إبلاغ الضباط المسئولين بأنهم ألقوا القبض على المطلوب يحيى عياش. وفي الحال حضرت تعزيزات كبيرة بالإضافة إلى ضابط مخابرات وكلب بوليسي، وتم نقل الشاب إلى المسكوبية، واخضع لتحقيق وتعذيب شديدين لمدة يومين إلى أن تم استدعاء عميل يعرف المهندس شخصياً أنقذ عبد الله الخطيب. وبررت سلطات الاحتلال هذا (الخطأ) إلي اعتقاد جنودها بأن الشاب كان يحمل هوية مزورة(36).



ب- يوم الجمعة الموافق 5/5/1995 أوقفت وحدة عسكرية خاصة الشاب أمجد حجازي الجعبري (33عاماً) على نحو مباغت ثم طلبت حضور وحدات تعزيز من الجيش. وقامت سلطات الاحتلال بنقل الشاب إلى مقر الحكم العسكري في مدينة الخليل حيث باشر المحققون استجوابه باعتبار أنه يحيى عياش. وقد ارتسمت الدهشة على وجوه هؤلاء بعد أن اطلعوا على شخصيته واكتشفوا أنه ليس المهندس، فافرجوا عنه بعد ساعة.



وإلى جانب اعتقال الذين يشبهون المهندس، جرى تفتيش الفتيات المحجبات بشكل ملفت بحجج ومزاعم استهدفت إثارة الفلسطينيين ضد المهندس وحركة حماس. ففي أعقاب عملية بيت ليد، أوقف جنود الاحتلال سيارة عربية عند مفترق وادي الباذان، وألقى أحد الجنود نظرة داخلها، ثم أخذ يهتف: «حماس.. حماس... المهندس... المهندس». ويقول سائق السيارة، جلال خضر، وفي لمح البصر أسرع الجنود نحو السيارة، وشهروا أسلحتهم في وقفة استعداد لإخلاء النار مطالبين بأن تغادر شابة ترتدي الزي الشرعي السيارة، وإلا فإنهم سيدمرون السيارة بمن فيها. وبعد أن ضربوا شقيق الفتاة، واقتادوا جميع الركاب إلى مسافة عشرين متراً عن السيارة، أمروا الشابة بالخروج، فخرجت وقاموا بتفتيش حقيبتها. وبعد عدة دقائق، حضرت مجندة إسرائيلية، وفتشت الشابة الفلسطينية التي رفضت أن تنزع الخمار أمام الجنود. وغادرت الدورية العسكرية الإسرائيلية تجر أذيال الخيبة بعد أن اكتشفت أن الفتاة المحجبة لم تكن المهندس المطلوب(37).



وتكررت هذه الحادثة مرة أخرى، وهذه المرة مع الشاب عواد محمد سعادة وزوجته اللذان أوقف حاجز عسكري على طريق جنين -نابلس سيارة الأجرة التي استقلاها مع ركاب آخرين يوم 16/9/1995. وبعد أن رفضت الزوجة الاستجابة لطلب الجنود بكشف وجهها كونه يتنافى مع تعاليم الإسلام، أوقف الضابط المسؤول عن الحاجز جميع الركاب إلى أن حضرت مجندة وتأكدت بأن الزوجة ليست يحيى عياش كما أدعى الضابط في حديثه مع قيادته(38).



وفي المرة الثالثة، أطلقت قوات الاحتلال النار على سائقة محجبة اعتقاداً بأنها يحيى عياش. ويروى المواطن ناجي رؤوف زايدة تلك الحادثة: «خلال توجهي لمركز عملي سمعت أن نجلي صيب في حادث سير على مفترق نابلس- طولكرم. فذهبت وزوجتي بسيارتنا باتجاه الموقع، وطلبت من زوجتي التي ترتدي الخمار والزي الشرعي قيادة السيارة لأني لا أقدر على ضبط أعصابي، فانطلقت مسرعة. وفي مفترق عجه-جنين، كانت ترابط دورية عسكرية بين الأشجار لم ننتبه لأفرادها أو طلبها لنا بالتوقف، حيث فوجئنا بهم يطلقون النار بشكل جنوني. وبدت زوجتي بالصراخ، وفقدت السيطرة على السيارة وانحرفت إلى جانب الرصيف واصطدمت بشجرة زيتون. ولكن رحمة الله سبحانه وتعالي كانت كبيرة، إذ أصيبت زوجتي بالإغماء وأنا بخدوش بسيطة. وخلال ذلك، هجم الجنود علينا مشهرين الأسلحة، وهددوا الإمكانات النار علينا إن تحركنا. وفي دقائق معدودة حاصرت قوات كبيرة من الجيش المنطقة، وعرضت عليهم مساعدة زوجتي لأنني اعتقدت أنها أصيبت بالأذى، ولكن أهملوني، ووجهوا أسلحتهم نحوي وأجبروني على رفع يداي ثم القوني على الأرض. وبدأوا باستجوابي عن اسم سائق السيارة - أبلغتهم أنها زوجتي وهي بحاجة لعلاج. فضربوني واستدعوا خبير المتفجرات، وقالوا: أنت مساعد يحيى عياش الذي يجلس داخل السيارة. أكدت لهم أنها زوجتي وأن إهمال إنقاذها سيؤدي إلى وفاتها، ولكنهم كذبوني ووجهوا الأسلحة نحو السيارة، ثم اقتحموها وأخرجوا زوجتي... حاولت منعهم من كشف الخمار عن وجهها، إلا أنهم أوسعوني ضرباً وقالوا: امسكنا يحيى عياش. وعندما اكتشفوا أنها ليست عياش، صادروا هويتي وطلبوا مني مراجعة الإدارة المدنية»(39).



5- تآكل شعبية رابين والمطالبة برحيله



رسخت العمليات الاستشهادية تناقضاً شديداً بين السلطة السياسية الإسرائيلية وآراء ورغبات معظم الجمهور اليهودي. وكنتيجة حتمية لذلك، أظهرت استطلاعات الرأي العام تقدم بنيامين نتنياهو -زعيم تكتل الليكود- بشكل كبير على رئيس الوزراء وزعيم حزب العمل الذي كان يتبوأ دفة الحكم منذ يونيو (حزيران) 1992. وجاء ارتفاع شعبية نتنياهو الذي أظهر استطلاع أجراه معهد (هوتجي) تقدمه على رابين باثنين وعشرين نقطة إثر العمليات الاستشهادية في القدس وتل أبيب وبيت ليد(40). ولعل هذا ما دفع بالدكتور حاييم آسا، المستشار الاستراتيجي الأسبق لاسحق رابين، إلى إطلاق أبواق التحذير في اجتماع للرأي دعا له سكرتير عام حزب العمل وحضره مجموعة من الخبراء والعسكريين والمستشرقين من أن الحزب قد يفقد السلطة في انتخابات الكنيست الرابعة عشرة بسبب موجة الهجمات الاستشهادية المتصاعدة التي ستؤدي -حسب رأيه- إلى تقويض مسيرة السلام وعرقلتها(41).



هذه المعطيات أدت إلى احتدام الجدل في الأوساط السياسية وداخل كتلة حزب العمل نفسه حول عدد من القضايا المتمثلة بكيفية مكافحة هذا النوع من العمليات التي ينفذها المهندس وتلاميذه. وتجلى الصراع السياسي بين الحكومة والمعارضة بخطوات متسارعة اتخذتها المعارضة، ومن هذه الخطوات القيام بمظاهرات وإضرابات أمام مكتب رابين بمشاركة أعضاء كنيست من كتلتي تسوميت وموليدت(42).

وصعد الليكود بالتعاون مع أحزاب اليمين والحركات الدينية من وتيرة معارضتهم بتقديم ثلاث مذكرات بحجب الثقة عن الحكومة في 24/7/1995 مطالبين بوقف عملية السلام مع منظمة التحرير الفلسطينية، وقال بنيامين نتنياهو في معرض تشكيكه بإجراءات حكومة اسحق رابين: «كفى،إلى متى نقول الأمر مروع وفظيع. الكل يقول كفى، فلتفعلوا شيئاً. وهذا يعني حكومة مختلفة أو سياسة مختلفة تبدأ في حماية أرواح مواطنينا»(43).



وعبرت كتابات الباحثين السياسيين والمحللين عما يجول في خاطر الجمهور الغاضب الذي خرج عدة مرات وفي مناسبات متعددة مطالباً باستقالة رئيس الحكومة. فكتب أرييه كاسبى مقالاً في صحيفة هآرتس، دعا فيها إلى عقد هدنة مع حركة حماس. وبرر كاسبى هذه الرغبة بأن «الطريقة الوحيدة لتهدئة الساحة الداخلية هي توقيع اتفاق هدنة لفترة محددة، لنصف سنة مثلاً. فنحن محتاجون فترة لالتقاط الأنفاس وتهدئة الخواطر... فترة تمكن الحكومة من العمل بدون الهستيريا التي تسببها كل عملية». وأشار الباحث الإسرائيلي بأنه من الممكن الوصول إلى تفاهم مع حركة حماس شبيه بما تم التوصل إليه مع حزب الله في لبنان(44).



وذهب حاييم مشغاف ويوسى أولمرت إلى ابعد من ذلك، إذ دعا مشغاف إلى استمرار المظاهرات ضد سياسة الحكومة حتى تجري انتخابات مبكرة، واختتم مقاله بالقول: «يجب استمرار الاحتجاجات الجماهيرية، بدون كلل أو ملل، وبعزيمة، وهذا ما ينجح في كل مكان، حتى توافق بطانة رابين على إعادة تقييم قوتها بالانتخابات، وليس بعد عام». وأما يوسى أولمرت، فقد طالب رابين بالاعتراف بفشله وعدم قدرته على الإيفاء بوعده وضع حد للعمليات الاستشهادية. ومما جاء في مقال أولمرت الذي نشرته صحيفة يديعوت أحرونوت في أعقاب عملية رامات أشكول الاستشهادية: «لقد تعهدوا لنا في الثالث عشر من أيلول بإنهاء مئة سنة من الإرهاب، أوهموا الناس أن المسيرة السياسية الجديدة تضع حداً للإرهاب، على اعتبار أن الإرهاب تصاعد في ظل الجمود السياسي. ولكن من الواضح حالياً عدم إمكانية تحقيق هذا الوهم، لأن الأوهام تظل دائماً أوهاماً... يتوجب على حكومة أخفقت في هذا الجانب المركزي أن ترحل... فهل تنهض الحكومة لتقول: جربنا، يبدو أننا قد أخطأنا»(45).

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:42 PM   رقم المشاركة : 15
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


إجراءات الحرب المضادة

مما يلفت انتباه أي متتبع ليوميات المهندس وورشة المقاومة التي عمل فيها، استخدام سلطات الاحتلال لأساليب إرهابية متعددة ومتنوعة استهدفت التأثير على الروح الجهادية للقائد القسامي ومجموعاته الاستشهادية أو التأثير على المواطنين الفلسطينيين بهدف ضمان تراجعه. ولأنهم يعتبرونه (مخرباً خطيراً ومفزعاً) ترك بصماته الظاهرة على الجمهور والجيش والسياسيين على حد سواء، فقد أرسلت وحدات خاصة في أثره ونصبت كمائن له في كل مكان سواء في القدس، أو في مخيمات اللاجئين وقرى الضفة الغربية. ولم يترك الإسرائيليون قرية أو جبلاً أو كهفاً أو بيتاً مهجوراً، إلا وداهمته وحدة مختارة من الجيش برفقة مستعربين ورجال مخابرات مزودين بصور مختلفة ليحيى عياش(46).



وكما هو الحال بالنسبة لكل شخصية أسطورية، تعاملت وسائل الإعلام الإسرائيلية مع يحيى عياش باعتباره ظاهرة أرقت أجهزة الأمن والاستخبارات والمجتمع الإسرائيلي على حد سواء، حتى اعتبر مناحيم ديغلى في مقال نشره بعد استشهاد المهندس أن مهمة القضاء على هذه الظاهرة تعد مهمة قومية. وقال ديغلي في تحليله الذي حمل عنوان (عياش نقطة في سلسلة): «إن الجهود الكبيرة التي بذلت لإلقاء القبض على المهندس والبيانات التي صدرت عن قادة أجهزة الأمن وعلى لسان السياسيين الإسرائيليين والحملة الإعلامية التي رافقت عملية المطاردة والحوادث التي تمكن من الفرار منها في اللحظات الأخيرة، كل هذه الأمور ولدت إحساساً بأن الأمر يتعلق بعملية انتقام على مستوى وطني. ولكنها تنطوي على كرامة مجروحة، ولذلك يجب أن نذكر بأننا نتحدث هنا عن حرب طويلة وقائمة واستنزافية هدفها الرئيسي هو المهندس الذي للأسف مارس تضليلاً محكماً للغاية على جهاز الأمن الإسرائيلي»(47).



وأما تسفى غيلات وموشيه زوندر اللذان كتبا تحليلاً بعد استشهاد المهندس أيضاً، فقد استعرضا تاريخ المهندس والعمليات المتتالية التي أعدها وخطط لها. وتحت عنوان (يوميات مطاردة: رابين أمر بإنهاء القصة)، قال الكاتبان: «لقد تحول المهندس لأكثر من عامين إلى كابوس يسيطر على قادة أجهزة الأمن الإسرائيلي، وتمكن خلالها من نثر عشرات القتلى الإسرائيليين في طريقه. وتمكن من تخطيط وتنفيذ عمليات تعتبر الأكثر إيلاماً وقتلاً، وبالمقابل تحول إلى رمز وطني فلسطيني وإلى نموذج يحتذى من قبل مؤيدي حماس والجهاد الإسلامي. غير أن هذا النموذج تحطم في الأسبوع الماضي في عملية مخطط لها وناجحة، وقد صرح جدعون عيزر نائب رئيس الشاباك سابقاً، والمسؤول عن عملية المطاردة وراء المهندس خلال العامين الماضيين قائلاً: تحول عياش إلى رمز يحظى بتعاطف واسع بين الفلسطينيين، ليس فقط بسبب الخسائر الكبيرة التي سببها للإسرائيليين وإنما أيضاً بسبب قدرته على الفرار باستمرار من بين أيدي أجهزة الأمن الإسرائيلية، وتضخمت صورته كرمز، فهو لم يكن يخطط ويعد العمليات فقط، وإنما كان يضلل المخابرات الإسرائيلية أيضاً. كان بيته في قرية رافات محاطاً بنقاط المراقبة، وكان الجنود وأفراد حرس الحدود يقتحمون البيت ويقلبونه رأساً على عقب يومياً، وقد تم استدعاء أخويه ووالديه مرات ومرات للتحقيق، غير أن عياش ببساطة لم يكن يأتي للبيت. وعندما تم اعتقال المقربين منه، كانت المعلومات التي أعطوها رهيبة، ففي حالة مثل حالة عياش كانت المخابرات الإسرائيلية بحاجة إلى معلومات حول الزمن الحقيقي، وحينما كانوا يتحدثون في المخابرات عن مبدأ القنبلة التي تستعد للانفجار فإنهم كانوا يقصدون يحيى عياش شخصياً»(48).



1- الضغط على العائلة



اللجنة القيادية الخاصة التي شكلها رابين لتنسيق عمليات المطاردة والبحث عن المهندس بين وحدات الجيش المختلفة وجهاز المخابرات العامة (الشاباك) وقوات الشرطة أوصت بتشكيل قوة مشتركة من المظليين وقوات المستعربين وضباط من الشاباك تكون مهمتها الرئيسة والوحيدة نصب الكمائن بشكل شبه يومي حول منزل المهندس في رافات ومداهمة منزل والديه وإجراء حملات بحث وتفتيش وتحقيق مستمرة مع العائلة، والتنكيل بأفرادها كلما استدعى الأمر لحملهم على التعاون. وزودت هذه القوة بصور مختلفة ليحيى عياش بعد أن تم مصادرة كافة الصور التي عثر عليها في منزل الشيخ عبد اللطيف عياش(49). وعمل في خدمة هذه القوة، عشرات المراقبين والمخبرين العرب من عملاء الشاباك الذين تخصصوا في المراقبة الدقيقة لمنزل المهندس ورصد تحركات عائلته، حتى أضحى كثرة هؤلاء مثاراً لسخرية الأهالي بعد أن انتشرت الحمير في الأحراش والأراضي المجاورة للقرية حيث نشرت سلطات الاحتلال هذه الدواب لاستخدامها من قبل المخبرين(50).

ومن الأمثلة البارزة على دور هؤلاء العملاء في المراقبة الشديدة وعلى مدار الساعة، قيام أحد العملاء بتسريب معلومة أن يحيى عياش يخطط لزيارة ذويه في أحد الأيام من شهر أيار (مايو) 1995. وعندئذ قام مئات من الجنود بمحاصرة القرية بأكملها بعد فرض حظر التجول، ثم فتش الجنود برفقة ضابط من الشاباك المنازل، وقاموا بتمشيط الحقول، وعاثوا فساداً في البساتين، ولكن المهندس لم يظهر هذه المرة(51).



مداهمة منزل المهندس ووالديه والتعرض لسكانهما شكل ممارسة شبه يومية لقوات الاحتلال استناداً لما يقوله الشيخ عبد اللطيف عياش (أبو يحيى). ففي التحقيق الصحفي الذي أجراه مراسل صحيفة يروشاليم العبرية، أوضح أبو يحيى معالم من الضغوط التي تعرضت لها العائلة، ومما جاء على لسانه: «لقد هددوا بنسف البيت بالصواريخ إن لم أكشف لهم أين يوجد يحيى، و لقد جاءوا إلى البيت عشرات المرات وهم لا يأتون في موعد محدد يأتون في الصباح وفي ساعات الظهر وفي المساء وعند منتصف الليل. وفي كل مرة يجبرون العائلة كلها على الخروج من البيت لعدة ساعات وأحياناً يرغمونني على الدخول معهم للبيت للبحث عن يحيى فهم يخشون من أن يكون داخله ويباغتهم الإمكانات النار، ولذلك فهم يستخدمونني كدرع تحسباً لذلك». ويضيف أبو يحيى أيضاً: «أنا أعلم أن اليهود يريدون قتله بأي ثمن، فجميع الضباط الذين زاروني في البيت قالوا لي أن يحيى يعتبر في عداد الأموات... إنهم يريدون الانتقام من كل أبناء العائلة، فشقيقا يحيى يقبعان في السجن، كما أن السلطات العسكرية صادرت تصاريح العمل. وأحد أفراد المخابرات الإسرائيلية قال لي، إنهم سيحولونني إلى متسول»(52).



ومن خلال رصد الاعتداءات والمضايقات التي تعرض لها والدا المهندس وشقيقاه بالإضافة إلى ابنه، فإن وسائل الإعلام المحلية والإسرائيلية والعربية قد دونت الأحداث والحوادث التالية:



أ- داهمت القوات الخاصة الإسرائيلية منزل المهندس للمرة الأولى في 25/4/،1993 وبعد تفتيش المنزل سلمت ذويه إشعار باسم يحيى عياش لمراجعة الإدارة المدنية. وعاودت قوات الاحتلال اقتحام المنزل مرة ثانية في 1/5/،1993 ثم في 8/5/1993 حيث قام الجنود بتكسير أثاث ومحتويات المنزل. كما داهمت قوات ضخمة قدرت بمئات الجنود تقلهم حوالي (60) سيارة عسكرية قرية رافات مساء يوم 21/6/،1993 وحاصرت منزلي المهندس ووالده بالإضافة إلى منزل ابن عمه، الدكتور فتح الله عياش، وأجبرت قوات الاحتلال الجميع على الخروج، ثم اقتحم الجنود المنازل الثلاث وقاموا بإتلاف محتوياتها وتكسير النوافذ وتخليع البلاط وتفجير غرفة من صفيح تحتوي على مولد للكهرباء يستخدمه الدكتور في عيادته عند انقطاع الكهرباء. وبعد انسحاب القوة المقتحمة، سلم ضابط الشاباك إشعارات لاثني عشر مواطناً من عائلة عياش لمقابلة الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في قلقيلية(53).



ب- عادت قوات عسكرية إسرائيلية مرة أخرى وحاصرت القرية ثم اقتحمتها يوم الثلاثاء الموافق 6/7/1993. وعبث الجنود بمحتويات منزل أبو يحيى، وقام بعضهم بتكسير الأثاث انتقاماً من المهندس. وتعرض شقيقا المهندس، مرعي ويونس للضرب المبرح على يد جنود الاحتلال، فيما سلم ضابط الإدارة المدنية أبو يحيى بطاقة هوية خضراء لمدة ست أشهر(54).



جـ- اعتقلت سلطات الاحتلال شقيق المهندس، مرعي، وهو متزوج ولديه أطفال يوم 30/10/،1993 وأصدرت المحكمة العسكرية الإسرائيلية في نابلس عليه حكماً بالسجن لمدة (19) شهراً بتهمة التقائه مع أخيه في أحد المصانع بمدينة رام الله وتقديم خدمات ومساعدة له(55).

د- اعتقلت الشاباك الشقيق الثاني للمهندس، يونس، وهو طالب في السنة الأولى بجامعة بيرزيت يوم 11/12/1993 بتهمة لقاء أخيه في الجامعة. وقد حكمت المحكمة العسكرية الإسرائيلية على يونس بالسجن لمدة (24) شهراً(56).



هـ- اقتحمت الوحدات الخاصة الإسرائيلية منزل المهندس يوم السبت الموافق 5/11/،1994 واعتدى الجنود على والده البالغ من العمر (60 عاماً) بالضرب المبرح وشتم آخرون والدته المسنة بألفاظ نابية، وأيقظوا طفله (براء) بركلاتهم، وصوبوا بنادقهم تجاه رأس ابن العامين مهددين بقتله. وحاول أحد المجرمين إلقاء الطفل من نافذة المنزل، بينما هدد ضابط القوة زوجة يحيى قائلاً: «قريباً سنفجر رأسه مثلما يقتل زوجك رجالنا»(57).



و- وللمرة الثانية خلال أسبوعين، بات مجموعة من الجنود الإسرائيليين باللباس المدني ليلة 11/11/1994 داخل منزل عائلة المهندس في محاولة لمباغتة يحيى وإلقاء القبض عليه إذا ما حاول زيارة ذويه. وشكا آل عياش من أسلوب الجنود وضغوطهم على العائلة من أجل إقناع المهندس لتسليم نفسه. وكان جنود من الوحدات الخاصة تنكروا بصفة رجال صحافة قد مكثوا في المنزل قبل أسبوعين من هذا التاريخ للهدف نفسه(58).



ز- داهمت قوة عسكرية مساء يوم الخميس الموافق 15/12/1994 منزل المهندس، ومكث الجنود في المنزل لفترة طويلة، وقد عبث أحد الجنود في المزرعة التابعة للمنزل(59).



ح- داهمت قوات الجيش الإسرائيلي قرية رافات مرتين خلال يوم واحد، إذ أجرى الجنود وأفراد الشاباك حملة تفتيش في المرتين طالت غالبية المنازل يوم الثلاثاء الموافق 14/2/1995. واستغل الشاباك هذه الحملة لتحطيم بعض محتويات منزل والد المهندس(60).

ط- اقتحم الجيش الإسرائيلي، وللمرة الثالثة خلال أسبوع، قرية رافات يوم الأحد الموافق 16/4/1995. وداهم الجنود برفقة ضابط الشاباك منزل المهندس وأجروا فيه عملية تفتيش دقيقة حطموا خلالها الأثاث ونوافذ الغرف، واعتدوا بالضرب على الشيخ عبد اللطيف عياش، وحققوا معه حول مكان تواجد زوجة يحيى ووالدته اللتان غادرتا القرية منذ عدة أيام(61).



ى- فرحة العائلة بالإفراج عن مرعي عياش بعد أن أنهى مدة محكوميته يوم 17/5/،1995 وقرب الإفراج عن الشقيق الثاني لم تدم طويلاً، إذ داهمت قوات كثيفة من الجيش والشاباك عند آذان الفجر في نحو الساعة الرابعة من صباح يوم الأربعاء الموافق 20/9/1995 منزل العائلة واعتقلت بشكل استفزازي والدة المهندس بعد أن وضعت عصابة خاصة على عيناها وقيدت يداها بالقيود الحديدية، تماماً مثل أي معتقل دون مراعاة لكبر سنها ووضعها الصحي الصعب كونها تعاني من عدة أمراض مزمنة كالسكري والضغط وأزمة بالقلب وتتنفس برئة واحدة (اثر عملية جراحية أجريت لها قبل عدة سنوات)(62).



وأمضت أم يحيى 43 يوماً في تحقيق قاس ومتواصل حيث أودعت في زنزانة انفرادية مغلقة وسيئة التهوية في سجن المسكوبية، وأثر سوء حالتها الصحية نقلت يوم 4/10/1995 إلى مستشفى شعارى تصيدق بالقدس لتلقى العلاج، ولكنها تعرضت لمعاملة سيئة من قبل الأطباء والممرضات بعد معرفتهم هويتها حيث وجهوا لها شتائم بذيئة واستفزوها بالكلام(63).



وأعادت سلطات الاحتلال أم يحيى إلى الزنزانة بعد تحسن حالتها الصحية، ثم نقلت يوم 9/10/1995 إلى قسم الغرف في المعتقل بعد أن أكد محاميها بأن استمرار احتجازها في الزنازين يشكل خطراً على حياتها(64).



تقول المجاهدة أم يحيى: «كان التحقيق معي قاسياً مثل التحقيق مع أي شاب فلسطيني... وقد وضعت في زنزانة مغلقة وكان المحققون يوجهون لي الشتائم والإهانات بشكل مستمر ويبصقون عليَّ.وكنت أشعر بضيق في التنفس وقد ازدادت حالتي سوءاً واشتدت علي الأمراض. ولكني تحملت كل ذلك. وكان السؤال الوحيد الذي يوجهه المحققون لي: أين يحيى... دلينا على مكانه... أنت ذهبت عنده وتعرفين مكانه، ولم يصدقوا أنني لا أعرف أين ذهبت ولا أين مكانه»(65).



واشتملت لائحة الاتهام التي قدمت للمحكمة العسكرية في رام الله على عدة تهم وُجهت لأم المهندس، تضمنت: «أولاً استخدام وثائق مزورة للخروج من منطقة عسكرية مغلقة، وقد ساعدها في ذلك أحد أعضاء حركة حماس ويدعى حاتم إسماعيل. وثانياً، توجهت بطلب من ابنها يحيى إلى السجن المركزي في نابلس حيث التقت بأحد أعضاء حركة حماس هناك ويدعى أنور عياش، وطلبت منه الكشف عن مكان وجود مسدس أبلغها ابنها المهندس أنه موجود لديه»(66).



وأضافت الإذاعة الإسرائيلية إلى ما سبق، أن أم المهندس اعترفت أنها التقت بابنها وزوجته وابنه في غزة قبل خمسة أشهر ونصف(67).



وأخيراً تم الإفراج عن أم يحيى بكفالة مالية قدرها عشرة آلاف شيكل (3،3 آلاف دولار) إضافة إلى عشرين ألف شيكل كتعهد وقع عليه الشيخ عبد اللطيف. وقد اشترط القاضي للموافقة على الكفالة بأن تلتزم أم يحيى بالإقامة الجبرية الشديدة داخل بيتها، وحظر عليها الخروج من المنزل تحت أي ظرف من الظروف. وهكذا، انتقلت عائشة عياش إلى منزلها يوم 30/10/،1995 ورغم ذلك استمرت معاناتها الصحية التي تضاعفت بسبب العزلة عن العالم تماماً، فهي لا تعرف ما يحدث في القرية أو الشارع وحتى عند عتبة بيتها. وازدادت المعاناة باعتقال طبيبها الخاص، الدكتور فتح الله عياش، لمدة ثلاث أشهر إدارياً في معتقل مجدو. كما منعت سلطات الاحتلال الوالدة من مغادرة المنزل بعد أن شعرت بألم شديد في أحد أضراسها، وفشلت كل المحاولات للحصول على إذن للذهاب إلى طبيب الأسنان. فاضطر الشيخ عبد اللطيف إلى إحضار طبيب الأسنان يوم 11/12/1995 إلى المنزل للقيام بعملية خلع الضرس(68).



ك- فيما كان الشيخ عبد اللطيف وابنه مرعي منشغلان بمتابعة اعتقال أم يحيى ويحاولان عبر المحامي التخفيف من معاناتها، فوجئت العائلة بمداهمة قوات كبيرة من الجيش الإسرائيلي يوم السبت الموافق 23/9/1995 المنزل حيث قام الجنود باعتقال مرعي والاعتداء بالضرب المبرح على والده. ولم يكتف هؤلاء بهذه الهمجية، بل قاموا بجر الشيخ الكبير على الأرض إلى الموقع الذي تتواجد فيه سيارات الجيب العسكرية ثم تركوه ملقى على الأرض بعد أن هدده الضابط بالعودة واعتقال كل أقارب المهندس، وقال متحدياً: «سنجعلك تذوق الموت البطيء». وقد أدت هذه الاعتداءات إلى كسر في كتف أبو يحيى وفقدانه السمع في إحدى أذنيه إلى جانب عدم قدرته على الوقوف من شدة الألم والضرب الذي تعرض له حيث نقل لعيادة الدكتور فتح الله التي تعرضت أيضاً للمداهمة من قبل ضابط الشباك بحجة معرفة الأدوية التي تتلقاها أم يحيى التي كانت معتقلة في ذلك الوقت(69).



أما شقيق المهندس، مرعي فقد مدد اعتقاله بغياب المحامي، وأصدرت محكمة إسرائيلية أمراً حظر عليه الالتقاء بأي محام بدعوى متطلبات التحقيق معه. وتعرض مرعي إلى أسلوب تحقيق عنيف من قبل ضباط الشاباك في قسم تابع للمخابرات في بتيح تكفا حيث أبقي مقيداً وفي أوضاع جسدية مؤلمة، وفي حالة شبح مع وضع كيس يغطي رأسه، كما أنهم لم يسمحوا له بالنوم لفترات طويلة. وشكا مرعي بأنه تعرض للإهانة وضغوط نفسية شديدة عن طريق استخدام اعتقال والدته كوسيلة لإرغامه على الاعتراف بتهم وإفشاء معلومات لا علم له بها حول مكان اختباء المهندس(70).



ل- الحقد الأعمى على عائلة المهندس استمر حتى بعد استشهاد القائد القسامي حيث داهمت قوة إسرائيلية في نحو الساعة العاشرة مساء يوم الجمعة الموافق 1/3/1996 منزل الشهيد يحيى عياش وفتشته بحجة البحث عن مواد ممنوعة ثم قامت بتحطيمه بشكل كامل. وغادرت القوة المنزل في نحو الساعة الثالثة من صباح اليوم التالي. وعاودت سلطات الاحتلال حصار قرية رافات ثم اقتحامها واعتقال الشيخ عبد اللطيف وولديه يونس ومرعي يوم الأربعاء الموافق 6/3/1996 أثر العمليات الاستشهادية الأربعة التي نفذتها حركة حماس ثأراً للشهيد يحيى عياش. وقد أمضى الشيخ عبد اللطيف (35 يوماً) في معتقل مجدو بينما اعتقل يونس ومرعي لمدة ستة أشهر في سجن مجدو أيضاً. وكان اعتقالهما إدارياً، إذ لم توجه لهما أي تهمة سوى أنهما شقيقا المهندس(71).



ولم تكن هذه الوقائع آخر المعاناة لعائلة المهندس، فقد نسفت السلطات العسكرية منزل الشهيد عياش بالديناميت يوم الخميس الموافق 14/3/1996 في إطار حملة لمعاقبة أسر وعائلات المجاهدين الاستشهاديين. وتطايرت الحجارة في الهواء بعد أن ضغط خبراء المتفجرات على زر التفجير، ليتحول المنزل الذي كانت تعيش فيه زوجة الشهيد وطفلاه إلى كومة من التراب(72). وعلى الرغم أن قرية رافات تقع في المنطقة (ب) وفق تصنيفات اتفاقية طابا، إلا أن العدو الصهيوني رفض السماح بإعادة بناء منزل الشهيد لأسباب أمنية حسب قول المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي. وأوضح المتحدث العسكري الإسرائيلي بأن «عملية هدم منزل عائلة يحيى عياش تمت لأسباب أمنية بموجب أمر رسمي صدر عن قائد المنطقة الوسطى في الجيش الإسرائيلي وبتصديق من وزير الدفاع. ولذلك لن تسمح الحكومة بإعادة بناء بيوت الإرهابيين التي دمرت بمقتضى أوامر هدم ومصادرة»(73).



2- الانتقام من رافات



كان والد يحيى وزوجته وشقيقاه يدركون أنهم تحت المراقبة الشديدة من قبل القوات الإسرائيلية المزودة بأحدث معدات المراقبة والتجسس، ولذلك فإنهم قيد الاعتقال في المنزل ، وعندما كانوا يخرجون إلى بوابة المنزل الأمامية، فإنهم يخرجون فقط لإطعام الدجاج والعناية بأشجار الزيتون التي تعد المصدر الوحيد لدخل العائلة بعد منع سلطات الاحتلال الوالد والشقيقان من العمل في المناطق المحتلة منذ عام 1948. وقياساً على هذه الأوضاع، وبناء على حديث أهل القرية الذين لم يجرؤوا على مغادرة منازلهم بعد مغيب الشمس، فإن كل منزل في رافات كانا خاضعاً للمراقبة أيضاً، وتحدث السكان كذلك عن مواجهتهم كمائن ليلية نصبها رجال المخابرات الذين بذلوا مجهودات مكثفة لمنع وجود علاقة بين عائلة يحيى وبقية السكان. وعلى الرغم من ذلك، لم يبتعد أهل رافات عن عائلة المهندس، وإنما استمروا في الذهاب لمنزل الشيخ عبد اللطيف في زيارات خاطفة وفي مجموعات لأن السير في مجموعة يعد أكثر أمناً(74).



سلطات الاحتلال وخلال الأعوام الثلاث من المطاردة التي لم تخل من تبادل المواقع بين المهندس والكيان الصهيوني، عاقبت جميع سكان قرية رافات من خلال الحصار والمداهمات المستمرة وتفتيش المنازل والتحقيق مع أصحابها. وامتد هذا العقاب ليشمل جميع الحواجز العسكرية المقامة في أنحاء مختلفة من الضفة الغربية والدوريات الراجلة في شوارع المدن الفلسطينية، فقد كثف الجنود من عمليات التفتيش والاستجواب عندما كانوا يكتشفون حقيقة الشخص المار على الحواجز بأنه من قرية رافات أو عائلة عياش. وكثيراً ما تشدد الجنود في فحص بطاقات الهوية والأمتعة الشخصية، ووصلت الأمور في بعض الأحيان إلى احتجاز الشخص بضع ساعات، وكل ذلك لأنه من رافات(75).



وفي إطار حملتها المحمومة ضد قرية رافات، اعتقلت قوات الاحتلال جميع طلبة المدرسة الثانوية في القرية وعددهم (27) مع بداية العام الدراسي الجديد، فيما تعرض الدكتور فتح الله عياش، إلى مضايقات كثيرة حيث اعتقل إدارياً لمدة ثلاثة أشهر لأنه ابن عم المهندس. وليس هذا فحسب، بل تعرض لعملية تنكيل أثناء نقله إلى معتقل مجدو حيث تم إجباره على النوم في إحدى السيارات العسكرية في الليلة الأولى لوصوله المعتقل وضرب على رأسه(76).

وحدث نفس الأمر مع حوالي (50) شاباً من القرية بتهمة إجراء اتصال مباشر أو غير مباشر مع المهندس(77).

وتعرض للاعتقال أيضاً كل من كان له علاقة بيحيى قبل مطاردته، بحجة أن بعضهم سمح للمهندس بالمبيت في منازلهم وآخرين قدموا له الطعام. إذ أن، أحد شبان القرية اعترف وكأنه يفشي سراً خطيراً أنه طرح مرة السلام على يحيى وهو بعيد عنه فسجن بسبب هذه الجريمة عاماً كاملاً، وآخر حكم بالسجن ستة عشر شهراً لأنه أخذ ليحيى الطعام مع شاب آخر. وهناك ثالث، نام يحيى في بيته ليلتين متتاليتين، فكان جزاؤه السجن أربع سنوات ونصف فقط. وحتى مسجد القرية لم يسلم من الاقتحام حيث حاصرت قوة من الجيش الإسرائيلي المسجد بعد ظهر يوم الجمعة الموافق 2/12/،1994 وفاجئت المصلين أثناء خروجهم باعتقال شابين بتهمة تقديمهما المساعدة للمهندس(78).



ولم يحل استشهاد المهندس من استمرار فرض العقاب على قرية رافات، فقد حاصرت قوات الاحتلال القرية في أعقاب العمليات الاستشهادية الأربعة في شباط (فبراير) وآذار (مارس) 1996 وفرضت على سكانها حظراً للتجول لأكثر من شهرين متواصلين عانت خلالهما القرية من نقص شديد في المواد الغذائية، كما تكبد الأهالي خسائر باهظة لعدم تمكنهم من الوصول إلي مزارعهم(79).



وبدعوى صلة القرابة التي تربطهما بالمهندس، تدخلت قوات الاحتلال لمنع شقيقين من عائلة عياش من إقامة حفلة زفافهما، وهددت السلطات العسكرية التي قالت بأن لها ثأراً مع القرية، بقطع المياه عن رافات وحظر إعطاء سكانها تصاريح للعمل كخطوات انتقامية إذا ما استمر حفل الزفاف(80).



3- حملات اعتقال وتفتيش مكثفة



بزعم «شن حرب محكمة ضد الإرهاب تشمل الإرهابيين أنفسهم ومن يساندهم على حد سواء» وفق تصريحات نائب رئيس الحكومة ووزير الخارجية الإسرائيلية، شمعون بيريز في معرض دفاعه عن إجراءات الحكومة في الكنيست، شارك الآلاف من الجنود وعناصر قوات الأمن والاستخبارات في أوسع حملة مطاردة للمهندس(81). فمن إقامة الحواجز العسكرية وعمليات التفتيش في الأحياء والشوارع العامة في مدينة نابلس وقرى دير بلوط وكفر الديك وبروقين وطمون وقراوة بني حسان وعقربا وروجيت وكفر قليل وسالم وغيرها، إلى شن حملة اعتقال عشوائية ومفاجئة لعابري السبيل من مطلقي اللحى في الشوارع أو عبر الحواجز المقامة بين المدن الفلسطينية بصورة ثابتة أو بشكل مؤقت ومباغت. واتسعت الحملات الإسرائيلية لإلقاء القبض على المهندس لتمتد إلي المناطق المحتلة منذ عام ،1948 حيث ذكرت الصحف الإسرائيلية يوم 24/10/1994 بأن قوات الجيش والشرطة ووحدات الشاباك أقامت حواجز تفتيش على طريق وادي عارة في منطقة المثلث. وأشارت الصحف كذلك، بأن أفراداً من الشرطة يرتدون سترات واقية من الرصاص انتشروا يوم الأحد الموافق 23/10/1994 على عدد كبير من حواجز التفتيش التي أقيمت لهذا الغرض. وقال أحد أفراد الشرطة الذين شاركوا في حراسة الحواجز: «إن عياش شاب خطير وقد يطلق النار علينا في كل لحظة، ولذلك لا بد من الحذر»(82).



وقد اعترفت مصادر جهاز الشاباك بأن (1500) من نشطاء حركة حماس في الضفة الغربية قد اعتقلوا في الفترة ما بين شهري تشرين أول (أكتوبر) من عام 1994 وكانون الثاني (يناير) من عام 1995(83).



ولكن الجنرال ايلان بيران - قائد المنطقة الوسطى- رفع عدد المعتقلين ليصل إلى (2600) من بينهم ما يزيد عن ألف تم اعتقالهم بعد عملية بيت ليد(84).



وفي سياق التبريرات السياسية والعسكرية لهذه الاعتقالات الواسعة، كتب رون بن يشاي، الذي يعمل معلقاً عسكرياً في صحيفة يديعوت أحرونوت:



«توفر الاعتقالات الجماعية التي تقوم بها إسرائيل في أوساط مؤيدي حركة حماس أفضليات لأذرع الأمن التي تقوم بمحاربة أعمال العنف وحتى إذا كان المعتقلون من أعضاء الجهاز التنظيمي للحركة ولا يوجد بينهم حتى شخصاً واحداً ينتمي للخلايا التي تقوم بعمليات، فإن عمليات الاعتقال هذه يمكن أن تؤدي إلى التشويش على العمليات إذ تؤدي إلى المس بمعنويات الأعضاء الميدانيين وتوفر معلومات استخبارية كبيرة من أجل مواجهة الحركة. ولكن أما الاعتبار الأكثر أهمية والذي رجح كفة الميزان لصالح موجة الاعتقالات الكبيرة فقد تمثل بالاعتبارات العملية، إذ أثبتت موجة العنف الأخيرة مرة أخرى مدى صعوبة تغلغل المخابرات الإسرائيلية العامة «الشاباك» في صفوف الخلايا التي تقوم بعمليات. ولهذا السبب بالذات لا تؤدي عمليات ضد نقاط محددة إلى الأهداف المرجوة منها». وأضاف بن يشاي: «إعداد سيارة ملغومة يحتاج إلى نشاطات تنظيمية معقدة جداً، يشارك فيها أشخاص يقدمون مساعدات كثيرة وعمليات الاعتقال يمكن أن تؤدي إلى التشويش على إجراءات شراء مواد كيماوية وإنتاج مواد متفجرة وتشوش على عمليات شراء السلاح وربما تؤدي إلى الحيلولة دون سرقة سيارات وإعدادها من أجل تفجيرها. ويؤدي اعتقال المحرضين والذين يقدمون المواعظ في المساجد إلى وضع عقبات أمام استغلال الأماكن الإعلامية لنجاح العمليات وسيؤدي اعتقال المحاسبين إلى التشويش على توزيع الأموال على أعضاء هذه المنظمة وعلى عائلات الأعضاء وتمويل المؤسسات التي تؤهل الكوادر»(85).



ولم تكتف سلطات الاحتلال بالاعتقالات الجماعية والعشوائية لإرباك مخططات وخطط المهندس، إذ امتدت الإجراءات الإرهابية إلى مداهمة الجبال والكهوف والقرى إلى جانب توزيع المئات من المنشورات الورقية على المواطنين في مدينة نابلس، تضمنت الصور الشخصية للمجاهدين المطاردين وبعضها احتوى على اسم كل مطلوب وصورته الشخصية بالإضافة إلى توجيه إنذار بمعاقبة كل من يقوم بتقديم مساعدة لهؤلاء المجاهدين(86). وبحجة البحث عن يحيى عياش، تعرضت قراوة بني حسان إلى حظر تجول شبه دائم، واقتحمت قوات الاحتلال منزل الشيخ عزيز مرعي، والد القائد عدنان مرعي (أبو مجاهد)، عدة مرات، ووصل الأمر إلى مداهمة المنزل بمعدل مرتين أسبوعياً وفي ساعة متأخرة من الليل، ويقول الشيخ: «لقد بلغ الأمر حداً لا يطاق، لقد خلعوا البلاط وحطموا الأثاث والخزائن ومزقوا الكنبات بالسكاكين، وفي كل مرة ينبشون كل شيء في المنزل ويخلطون الأشياء بعضها ببعض»(87).



وفتشت قوات الاحتلال بحثاً عن المهندس عشرات المنازل بعد إخراج أصحابها منها في بلدة ياسوف يوم الاثنين الموافق 26/12/،1994 واعتدى الجنود بالضرب المبرح على العديد من الشبان(88).



وواصلت القوات الإسرائيلية استخدام نفس الأسلوب في حي المخفية بمدينة نابلس وقرية مردة الواقعة إلى الشمال من المدينة يوم 26/2/،1994 حيث رابط الجنود على مداخل القرية ولم يسمحوا للمواطنين بالدخول أو الخروج منها. وقد استمرت أعمال التفتيش طوال الليل، إذ قام الجنود بإطلاق القنابل المضيئة في سماء القرية. كما تعرضت قريتي سالم وعزموط إلى نفس الإجراءات الإرهابية وفي نفس اليوم. وتعرضت عشرات المنازل للمداهمة في قرية كفر الديك يوم الثلاثاء الموافق 28/3/1995 وحطم أثاث بعض المنازل(89).



أما المعتقلين من هذه القرى، فقد تشددت المحاكم العسكرية في الأحكام التي أصدرتها بحقهم بدعوى تقديم مأوى أو مساعدة للمهندس ومجموعاته. فالطالب الجامعي فتحي عبد الفتاح الحايك، وهو من زيتا - جماعين، صدر عليه حكم بالسجن سبع سنوات نصفها فعلي والباقي مع وقف التنفيذ بتهمة تقديم مأوى وخدمات للمهندس(90). كما حكم على الشابين عصام ومعتصم صبري موقدة (35 و25 عاماً على التوالي) بالسجن الفعلي لمدة عام بتهمة تقديم خدمات للمهندس، وعاودت سلطات الاحتلال اعتقالهما يوم 5/11/،1994 وفتشت منزليهما مستخدمة كلاب الأثر. وأدانت المحكمة العسكرية يوم 11/6/1995 شابين من قرية زيتا - جماعين هما ناصر الحايك وناهد إسماعيل بتهمة تقديم مساعدة للمهندس، وقضت المحكمة بسجن الأول تسعة أشهر ودفع غرامة مالية قدرها ألف شيكل، بينما نال الثاني حكماً بالسجن لمدة اثني عشر شهراً ودفع غرامة مالية قدرها ألف شيكل أيضاً(91).



4- تعذيب عنيف لمعتقلي حماس



لم يخف المسؤولون الإسرائيليون أن أهم وسيلة يحاربون بها المهندس ومجموعاته الاستشهادية هي الحرب الاستخبارية. ولذلك وجه الشاباك الذي عجز عن الحد من نشاط المهندس جل غضبه إلى معتقلي حركة المقاومة الإسلامية (حماس)،وأخضعهم لعمليات تعذيب شديدة وضغوط جسدية منتظمة من أجل انتزاع الاعترافات منهم. وبرر اسحق رابين، الذي كان مسؤولاً عن أعمال الشاباك بحكم منصبه، هذه الأساليب التي تتعارض تماماً مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وميثاق جنيف لمعاملة الأسرى والمعتقلين اللذين صادقت الحكومة الإسرائيلية عليهما بقوله: «إن العمليات الانتحارية ليست من فعل شخص واحد، بل من فعل شبكة كاملة تدرب الانتحاري وتعد له العبوة المتفجرة وتنقله إلى مكان الهجوم.. لا يمكن منع الانتحاري من الوصول إلى هدفه لأنه مستعد للموت، ولكن يمكن بل ويجب كشف كل العناصر التي تحيط به. وهذه الخطوة تحتاج إلى إجراء تحقيق ناجح ومفيد من قبل المخابرات الإسرائيلية. ومن يعتقد أنه يجب أن نتوقف عن استخدام هذه الأساليب يكون مخطئاً وسيتحمل مسؤولية تقليص قدرة جهاز المخابرات على مواجهة الهجمات الانتحارية ضد أهداف إسرائيلية»(92).



وبناء على طلب الجنرال كارمي غيون -رئيس الشاباك- منحت اللجنة المصغرة في الحكومة الإسرائيلية المعنية بمتابعة شؤون جهاز الشاباك محققي المخابرات تصاريح خاصة لاستخدام أساليب تحقيق عنيفة جداً وعمليات تعذيب منظم أثناء التحقيق مع معتقلي كتائب الشهيد عز الدين القسام. كما منحت اللجنة أولئك المحققين حرية أوسع للعمل دون قيود أثناء إجراء التحقيقات مع المعتقلين الذين يشتبه بانتمائهم لكتائب القسام(93).



زاهر جبارين الذي اعتقل في فترة مبكرة من بدء نشاط المهندس العسكري، تعرض لتحقيق قاس وعومل معاملة سيئة أدت إلى تردي حالته الصحية وانخفاض وزنه من 75 كيلو غرام إلى 45 كيلو غرام. وعلى الرغم من صدور الحكم عليه بالسجن المؤبد بالإضافة إلى أربعين عاماً أخرى، إلا أن سلطات الاحتلال أعادته إلى سجن نابلس المركزي في 15/10/1995 للتحقيق معه من جديد حيث أخضع للتعذيب الشديد على خلفية اتهامه بالاتصال من سجنه مع تلاميذ المهندس، عبد الناصر عيسى وعثمان سعيد بلال. وقد تبين بأن سلطات الاحتلال استهدفت أيضاً الحصول منه على معلومات إضافية حول المهندس وشخصيته(94).



وأما المهندس عباس السيد وهو أحد نشطاء حركة حماس في مدينة طولكرم، فقد منع من النوم طوال عشرة أيام إلى جانب تعرضه للشبح ويديه مكبلة للخلف على كرسي صغير جداً مربوطة بالأرض، فيما وضع كيس مغلق على رأسه، وتعرض للضرب باتجاه الصدر والرقبة باستمرار إلى أن فقد قواه وأصيب نتيجة ذلك بضيق مزمن في التنفس(95).



وكان المعلم الأكثر تميزاً في التعذيب الذي أوعزت حكومة رابين إلى الشاباك بالعمل على تطبيقه على كل من اشتبه باتصاله أو تقديمه العون للمهندس هو أسلوب الهز الذي يشكل خطراً على حياة الإنسان. وقد أدى هذا الأسلوب بالفعل إلى استشهاد المعتقل عبد الصمد حريزات بعد عشرين ساعة فقط من اعتقاله. وقد أكد البروفيسور ابينوم رافس من قسم الأعصاب في مستشفى هداسا - عين كارم بالقدس بأن «من شأن أسلوب الهز أن يؤدي إلى احتقان الدماغ وضرر دماغي ناجم عن الحركة بين الدماغ والجمجمة من شأنه تدمير خلايا الدماغ، ويزداد الضرر تدريجياً خلال عدة ساعات وخطورته مرتبطة بالمواصلة في الهز ودرجته. وإذا استمر الهز لفترة طويلة فإنه يسبب الموت. وفي حالة الضرر الجزئي فإن الشخص الذي يتعرض لأسلوب الهز سيعاني من آلام الرأس والدوار وحتى صعوبات في التنفس والسمع»(96). ويضيف الدكتور غورم فاغز، الأستاذ المساعد في جامعة كوبنهاجن الدانمركية، الذي زار مدينة القدس ضمن بعثة طبية لمنظمة العفو الدولية (امنستي) محذراً من استمرار استعمال طريقة الهز كأسلوب تعذيب: «طلبت من معتقل سابق أن يهزني مثلما هزوه ولكني أوقفته بعد 3 ثواني وكنت لا أزال أشعر بآثار هذا الهز حتى بعد 12 ساعة»(97).



وحول ما يتركه أسلوب الهز على المعتقلين، كتب المحامي اليهودي اندريه روزنطايل الذي دافع عن المجاهد المعتقل أيمن حجازي بعد زيارته لموكله في معتقل المسكوبية إلى قسم الالتماسات في النيابة العامة الإسرائيلية محذراً من الخطر على حياة أيمن الذي قال لمحاميه بأنه مضطر إلى الاعتراف بكل ما يريده المحققون نظراً لأنه سيواجه الموت أثناء التحقيق. ومما جاء في أقوال أيمن: «إن المحقق بنيامين أمسكني من ملابسي وكتفي وهزني خلال عشر دقائق (5 - 6) مرات، وفي نفس الوقت تعرضت للضرب على ظهري. وطوال خمسة دقائق لم أستطع أن أرى شيئاً، فيما عانيت من ألام شديدة في رأسي استمرت لعدة أيام. وقد حذرني المحققون أن التحقيق حتى الآن لا يساوي شيئاً مقابل ما سأواجهه في الليل»(98).



وأما الطالب في جامعة بيرزيت، أحمد إبراهيم سعيد، والذي اعتقل يوم 29/6/،1994 فقد ظل في جناح التحقيق بسجن عسقلان ما يزيد على 43 يوماً تعرض خلالها لتعذيب وتحقيق قاسيين بتهمة أنه نقل رسالة إلى يحيى عياش. ويقول أحمد في تصريح مشفوع بالقسم لمندوب منظمة العفو الدولية: «عصبوا عيني ووضعوني في سيارة عسكرية أنا ومعتقلاً آخر، وانطلقوا بنا من سكن الطلاب إلى سجن رام الله، وفي الطريق كانوا يضربوننا على أرجلنا ورؤوسنا... فقاموا بنقلنا إلى جهة كانت غير معروفة لدينا وهي سجن أشكلون المركزي... حيث قابلنا أو قابلتُ ضابط المخابرات وأبلغنا بأننا في سجن أشكلون، وأن عليّ قضايا كثيرة يجب أن أعترف بها، فعندما قلت له ليس عندي شيء وأن هذا لا أساس له من الصحة، قام بضربي ضربات متتالية وسريعة على صدري، وأخذ بالصياح والشتم. وبعد ذلك جعلني أجلس وأقف في أوضاع مؤلمة مدة من الزمن، واستمر هذا الحال طوال اليوم ليلاً ونهاراً.



وعندما كنا في جلسة التحقيق استقبلنا بنفس الأساليب: بالضرب عند الصدر والأصابع، والجلوس القرفصاء لمدة تتراوح أو تصل إلى ساعة، والوقوف في الشمس ثلاث أو أربع ساعات. وبين جلسات التحقيق هذه كنا نجلس على كرسي صغير من الخشب في وضع مؤلم، حيث أن رجلي الكرسي الأماميتين أقصر من الخلفيتين، وظهر الكرسي موضوع بشكل مائل بحيث لا يسع الظهر على حافة الكرسي، ونبقى على هذه الحال خمس ليالِ، والأيام التالية كنا نذهب إلى الزنازين. ونخرج إلى التحقيق من صباح الأحد حتى صباح الجمعة، واستمر هذا الحال طيلة شهرين ونصف، وبعد ذلك أصبحوا يعذبوننا يوم الجمعة. واستمر هذا الحال إلى أن حصل حادث الانفجار في ميدان «ديزنغوف» بتل أبيب، إذ وقفت 20 ساعة بدلاً من أربع ساعات في اليوم.وزاد الجلوس (القرفصاء) من ساعة إلى أربع ساعات، وأصبحوا يستخدمون أساليب أشد قسوة من التعذيب الجسدي، من قبيل الضغط على المعدة وعلى العمود الفقري وعلى مفاصل القدم. وكانوا يهددونني بالعقم باستمرار، ويذكرونني بأسماء أشخاص معتقلين سابقين استشهدوا في التحقيق أو خرجوا بعاهة من السجن. وبعد حادث التفجير في ميدان «ديزنغوف».. قضينا 11 يوماً متواصلاً بدون نوم».



ويضيف أحمد أنه أُجبر أثناء حرمانه من النوم، على أن ينبطح على كرسي في وضع مؤلم ويداه مقيدتان، ثم دفعه المحققون فانقلب على الأرض. كما أدخلوه زنزانة فيها أشخاص ذكروا أنهم يتعاطفون معه، وطلبوا منه تسليمهم «الرسالة» التي قيل أنه يحملها بغرض تهريبها إلى خارج السجن، وعندما رفض ذلك ضربوه. وطبقاً لتقرير منظمة العفو الدولية الذي تضمن الشهادة السابقة، فقد قُدِّم أحمد سعيد للمحاكمة يوم 22 نوفمبر/ تشرين الثاني 1994 متهماً بالحيازة غير المشروعة لمسدس ونقله من شخص لآخر، وبنقل الرسائل الخاصة للمهندس، وحُكم عليه بالحبس 30 شهراً، منها 23 شهراً مع إيقاف التنفيذ، ثم أفرج عنه يوم 12 يناير/ كانون الثاني 1995(99).



5- دراسة وتحليل شخصية المهندس



كان الشهيد محور العديد من الدراسات والأبحاث التي حاولت تحليل شخصيته من مختلف الجوانب، واشتملت الدراسات التي أعدها جهاز المخابرات الإسرائيلية على محاولة تحديد طريقة عمل القائد القسامي وكيف يوجه مجموعاته وكيف يختار العناصر.



ولعل أبرز ما نشر من هذه الدراسات، الندوة المفتوحة التي بثها التلفزيون الإسرائيلي (القسم العبري) من الساعة التاسعة وحتى العاشرة من مساء يوم الأربعاء الموافق 25/1/1995. ففي تلك الندوة استضاف التلفزيون أربعة خبراء إسرائيليين، اثنان من الجامعة العبرية، وثالث من الصحفيين المتخصصين في الشؤون العربية، وخبير رابع من الضباط السابقين في جهاز الشاباك. وتناول الخبراء الأربعة شخصية المهندس والجهود المبذولة لإلقاء القبض عليه أو التخلص منه إلى جانب تناول الصورة التي ارتسمت له في أذهان الإسرائيليين، ثم بث التلفزيون شريط مصور عن عائلة عياش والبيئة التي نشأ فيها (100) .



أيهود يعاري، المعلق في التلفزيون الإسرائيلي، كتب بدوره أن لكل مرحلة من مراحل «النضال الفلسطيني» رموزها، وأنه مثلما شكل عماد عقل رمز العمل العسكري في حركة «حماس» إبان الانتفاضة، فإن يحيى عياش يمثل الآن رمز العمل العسكري «الانتحاري» للحركة في مرحلة ما بعد اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية. ومن جهته، أعرب رجل المخابرات الأسبق شمعون رومح بأنه لا يرى أن الصورة المرتسمة للمهندس مجرد وهم وخيال صنعته وسائل الإعلام من العدم، فلهذا الرجل سر في النجاح، كما يقول رومح. ويضيف الخبير الأمني «مع أسفي الشديد فلا بد لي أولاً أن أعرب عن تقديري وإعجابي بقدراته وخبرته وإلمامه إزاء كل ما يتصل بإعداد المتفجرات.. بعد ذلك لا بد من إبداء التقدير إزاء حقيقة أن هذا المطلوب لا زال نشيطاً لا يستكين ولا يهدأ.. يعمل بلا توقف.. يجند خلية تلو الأخرى.. يجدد النشاطات ويبعث فيها روح الحياة بعد كل ضربة.. وأخيراً لا بد من إبداء التقدير والإعجاب إزاء قدرة هذا الرجل على الاستمرارية والبقاء.. فإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على أنه يفكر ويعمل بصورة صحيحة»(101).



أما أهارون كلاين، فيصف طريقة عمل المهندس في مقال نشره في صحيفة عال همشمار العبرية بقوله: «أنها ورشات صغيرة منتشرة في يهودا والسامرة وغزة، تصدر العمليات العدوانية... إنها عدد من المصانع المفصولة عن بعضها يوفر خط الإنتاج فيها مخرب مصمم على الانتحار وقتل أكثر عدد من اليهود». ويضيف كلاين مشيداً بيحيى عياش: «صنع المهندس متفجرات شديدة الانفجار، من مواد كيماوية. وانتج مادة متفجرة مماثلة للمتفجرات المعيارية»(102).



ووفقاً للوائح الاتهام التي قدمت ضد عدد من المجاهدين الذين اتهموا بمساعدة المهندس وعملوا معه، فبالإمكان استنتاج أساليب عمل يحيى عياش حيث استبدل مساعديه بين فترة وأخرى، إلى جانب اهتمامه بالانتقال من مكان إلى آخر بكثرة(103).



6- مطاردة بكل الوسائل المتاحة



لم يبق أمام اسحق رابين وحكومته من إجراءات لعرقلة نشاط المهندس ومجموعاته سوى الأمر بتشكيل لجنة أمنية أعطيت صلاحيات واسعة لاستخدام كافة الوسائل والإمكانات المتوفرة بغية تقديم خطط ومقترحات معنية أساساً بتحصين المناطق اليهودية. وكانت اللجنة برئاسة وزير الشرطة وعضوية كلا من: رئيس الشاباك، والمفوض العام للشرطة، ونائب رئيس الأركان، ومدير عام وزارة الخارجية، ورئيس شعبة التخطيط في هيئة الأركان، وقائد الجبهة الداخلية، ونائب مأمور الميزانيات في وزارة المالية، ومستشار رئيس الوزراء لشؤون الإرهاب، بالإضافة إلى منسق أعمال الحكومة في الضفة وغزة، وعدد آخر من كبار الموظفين والمستشارين. وأوضح وزير الشرطة الذي أعلن عن تشكيل اللجنة أمام الكنيست أنه تم أيضاً تعيين طاقم اقتصادي برئاسة وزير المالية يتولى بحث الأبعاد الاقتصادية للمقترحات، مؤكداً أنه «لا يعقل أن تخشى الأمهات الإسرائيليات على حياة أبنائهن في وسط البلاد»(104).



وبعد نحو شهر من تشكيل اللجنة الأمنية، أقر اسحق رابين مبادىء خطة الفصل التي أعدتها اللجنة والتي تتكلف نحو نصف مليار دولار، وتتضمن إقامة حاجز أمني وسياج وما بين (8-10) نقاط عبور على امتداد خط الفصل مع نشر قوات وإقامة أبراج مراقبة وشبكة إنذار مبكر، واستمرار حصار القدس ومنع أبناء الضفة والقطاع من دخولها، وتنص المبادىء الأمنية في خطة الفصل كذلك على وصف (مجال الفصل) إلى الشرق من الخط الفاصل، وهو مجال يرابط فيه جنود من الجيش وقوات حرس الحدود الذين ينتشرون على امتداده(105).



وبناء على خطة موشيه شاحل، يتم وضع مجسات وعيون إلكترونية تبث أشعة لايزر وترسل هذه الأشعة إشارات إلى مركز مراقبة إذا قام أناس باجتياز المنطقة. وفي الأماكن الاستراتيجية، يكون هناك مواقع مراقبة وأبراج حراسة تزود بأجهزة ومعدات للمراقبة في ساعات الليل والنهار شبيهة بتلك التي يتم استخدامها على الحدود مع سورية ولبنان. وبالإضافة لتلك الأجهزة يتم الاستعانة بدوريات أرضية متنقلة مثل سيارات الجيب والتراكتورات والمدرعات الخفيفة(106). وفي الأماكن الوعرة، يستخدم إضافة إلى الدوريات الراجلة سيارات خاصة،بينما تقترح الخطة إيجاد موجات حجرية بارتفاع عدة أمتار وحفر عميقة في المناطق الصعبة كالوديان العميقة، إلى جانب دوريات جوية لحراسة الخط الفاصل وإجراء مسح كل متر على طول الخط المقترح(107).



وأدخلت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية كلاباً هجومية أمريكية تعتبر الأفضل تدريباً في العالم على اكتشاف المواد المتفجرة إلى حيز الخدمة في نطاق الشبكة الدفاعية على امتداد الخط الفاصل وفي مدينة القدس كذلك(108).



7- دور سلطة الحكم الذاتي



تفهمت سلطة الحكم الذاتي المحدود المشكلات الأمنية التي واجهت الكيان الصهيوني أثر العمليات الاستشهادية التي نفذها المهندس ومجموعاته القسامية، وقد صب في هذا السياق تصريح ياسر عرفات لصحيفة يديعوت أحرونوت، والذي أكد فيه «أن التعاون بيننا وبينكم سيحسن من القدرة على منع وقوع هجمات إرهابية، وأنا أطالب رابين منذ وقت طويل تشكيل لجنة مشتركة لمنع عمليات الإرهاب»(109).



وإلى جانب تأكيد رئيس الحكومة الإسرائيلية من جهته للتعاون بين جهاز الشاباك وجهاز الأمن الوقائي التابع للسلطة في كل أنحاء الضفة الغربية وقطاع غزة وليس فقط في مناطق الحكم الذاتي، ومع تمتع أفراد جهاز الأمن الفلسطيني بحرية نسبية في العمل والتنقل من جانب الإدارة الإسرائيلية، فإن المفوض العام للشرطة الإسرائيلية -اساف حيفتس- اعترف أيضاً بوجود تعاون في مجال تبادل المعلومات الاستخبارية والإرشاد المهني(110).



وفي ضوء تعهد ياسر عرفات بمواصلة سلطته التعاون مع العدو الصهيوني من أجل منع تكرار العمليات الاستشهادية، وهو الإعلان الذي جاء في أعقاب العملية الاستشهادية في رامات اشكول بمدينة القدس في شهر آب (أغسطس) عام ،1995 فقد جرت عدة لقاءات بين قادة أجهزة الأمن والاستخبارات من الطرفين للتنسيق في مكافحة كتائب الشهيد عز الدين القسام. وبدأت هذه اللقاءات حين التقى اسحق رابين كل من: اللواء نصر يوسف (قائد الشرطة الفلسطينية)، والعميد أمين الهندي (رئيس المخابرات العامة)، والعقيد محمد دحلان (رئيس جهاز الأمن الوقائي في قطاع غزة). بينما التقى ياسر عرفات قائدي المنطقة الجنوبية والقوات الإسرائيلية في قطاع غزة(111).



وعقد لقاء آخر في 16/9/1995 بفندق هليتون في منتجع طابا المصري، مثل الجانب الإسرائيلي فيه شمعون بيريز (وزير الخارجية)، والجنرال ايلان بيران (قائد المنطقة الوسطى)، والجنرال عوزي ديان (رئيس شعبة التخطيط)، والجنرال كارمي غيون (رئيس جهاز الشاباك). ومن الجانب الفلسطيني، حضر ياسر عرفات وأحمد قريع وصائب عريقات والعقيدان جبريل الرجوب ومحمد دحلان. وبعد المداولات، وقع الجانبان بروتوكولاً أعده الجنرالان بيران وغيون(112). وأما اللقاء الثالث، فقد عقد مساء السبت الموافق 7/10/1995 في حاجز ايرز، تعهد خلاله الجانب الفلسطيني بزيادة وتعزيز الجهود ضد مجاهدي الكتائب المطلوبين لسلطات الاحتلال، والتعاون لمنع وقوع العمليات التي ينفذها يحيى عياش ومحمد الضيف(113).



ومن نتائج هذه اللقاءات، برز بشكل ملفت إصدار أمر من قبل رئيس السلطة الفلسطينية لكافة الأجهزة والقوى الشرطية والاستخبارية بالقبض على المجاهدين يحيى عياش ومحمد الضيف باعتبار أنهما الرأس المدبر لعمليات كتائب الشهيد عز الدين القسام. فبعد الاجتماع الذي عقده ياسر عرفات مع قادة الشرطة يوم الخميس الموافق 24/8/1995 خرج اللواء نصر يوسف ليعلن أمام مراسلي وكالات الأنباء العالمية: «تلقينا أوامر من ياسر عرفات بملاحقة يحيى عياش ومحمد الضيف وإلقاء القبض عليهما»(114).



ويضيف قائد الشرطة الفلسطينية: «أعطى الرئيس تعليمات في هذا المجال للأجهزة، والآن البحث جاري. ونحن معنيون بشكل أساسي وحازم ألا تكون مناطقنا لا منطلق ولا مكان عمل داخلي ولا منطلق لعمل خارجي متطرف. وكل الإجراءات هي قيد السرية، ومن السابق لأوانه الحديث في هذا الأمر، وإن شاء الله نصل إلى نتائج إيجابية في هذا الموضوع. ولكن، بلا شك بالنسبة ليحيى عياش هو عبارة عن شخص واحد، وعملية البحث عن شخص يشبه البحث عن إبرة في كومة قش. ولذلك نحتاج جهد مكثف ونحتاج شيء من الدقة في التحرك والبحث»(115).



ويؤكد العميد موسى عرفات، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية، ما صرح به اللواء نصر، ويضيف في مقابلة صحفية: «وردت إلينا أخبار عن وجود يحيى عياش في غزة، ونحن نقوم حالياً بالتحقق منها. وقد سمع العالم كله أن الرئيس عرفات أصدر توجيهات في هذا الخصوص»(116).



وذهب اللواء زكريا بعلوشة، رئيس جهاز الأمن العام الفلسطيني، بدوره إلى أبعد من ذلك حين وصف الشهيد يحيى عياش بالأسطورة المزيفة. ولكن ما يهمنا هو الأوامر التي أصدرها ياسر عرفات حيث نسبت الإذاعة الإسرائيلية للواء بعلوشه قوله: «إن عرفات أمرنا بالعمل على إلقاء القبض على يحيى عياش بسرعة رغم أنه لم تتوفر للآن أية معلومات حول مكان وجوده وإذا ما توفرت هذه المعلومات سنعتقله فوراً.. يجب إلقاء القبض عليه لإيصال هذه الأسطورة إلى نهايتها، ولا يجب أن يعيش مثل هؤلاء الأشخاص بين أوساط الشعب الفلسطيني»(117).



أما من ناحية عملية، فقد أوكل ياسر عرفات إلى حكم بلعاوي (عضو اللجنة المركزية لحركة فتح ومنسق الشؤون الأمنية في سلطة الحكم الذاتي) مهمة ملاحقة المهندس وكلفه بتشكيل غرفة عمليات خاصة بهذه المهمة الدقيقة بعد أن فشلت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية والفلسطينية في تصفية القائد القسامي أو إلقاء القبض عليه، أو حتى حصر أماكن تواجده(118). وإلى جانب هذا التوكيل، شكل رئيس السلطة الفلسطينية جهازاً أطلق عليه (دائرة العمل الخاص) بقيادة الرائد مازن الجرتلي (أبو علاء) الذي كان مسؤولاً عن أمن منظمة التحرير الفلسطينية في أوروبا الشرقية، واتبع هذا الجهاز بالمخابرات العامة التي يقودها العقيد طارق أبو رجب، وضمت الدائرة إلى جانب الرائد أبو علاء حوالي ثمانين ضابطاً وعنصراً معروفين بالقسوة والعنف، وتركز عمل الدائرة على اختراق الكتائب القسامية واعتقال مجاهديها حيث كان لها دور بارز في إطلاق النار على المجاهدين المطاردين واعتقال عدد منهم إلى جانب المشاركة في انفجار حي الشيخ رضوان والذي أسفر عن استشهاد القائد كمال كحيل(119).



وعلى أرض قطاع غزة، حاصرت الشرطة الفلسطينية يوم 9/1/1995 أحد المنازل في منطقة (جباليا/ النزلة) بعد الاشتباه بوجود يحيى عياش فيه، ولكن الحصار انتهى دون أن تعرف السلطة ما إذا كان المهندس موجوداً في البيت أم لا. وعاودت قوات كبيرة من الشرطة الانتشار في شوارع وأحياء ومخيمات القطاع للتفتيش والتدقيق في الأشخاص والسيارات يوم 23/8/1995 بحثاً عن المهندس بعد ورود معلومات أمنية إسرائيلية بأنه يتنقل متخفياً ومتنكراً في قطاع غزة ويحمل هوية مزورة وينسق مع محمد الضيف. وفي يوم الثلاثاء الموافق 29/8/،1995 داهمت قوات معززة من جهازي الأمن الوقائي وأمن الرئاسة (القوة 17) حي الأمل بخان يونس. وحاصرت الشرطة منزلاً بجوار مسجد الرحمة، واقتحمته بعد تحطيم أبوابه ثم أطلقت النار بكثافة في الهواء واعتقلت ثلاثين شخصاً بعد أن فشلوا في العثور على المهندس داخل المنزل(120).



وفي سجون السلطة وزنازينها، ذاق المعتقلون ويلات العذاب والتحقيق الشديد والذي فاق ما تعرض له المجاهدون في معتقلات وسجون الاحتلال الإسرائيلي. فعلى سبيل المثال، يقول المعتقل كمال أبو جلاله من سكان مخيم البريج، وكان معروفاً بانتمائه لحركة فتح ونشاطه بتزويد (صقور فتح) بالأسلحة بأنه اعتقل وحقق معه في سجون السلطة بتهمة بيع سيارة المجاهد حاتم إسماعيل -مساعد المهندس وضابط الاتصال مع عبد الناصر عيسى- ويضيف أبو جلاله: «حققوا معي بشكل جنوني حيث أدخلوني لزنزانة يوجد بها شناكل وربطوا يدي من الخلف ورفعوني إلى أعلى عن طريق بكرة وضربوني بوحشية، وشددوا الكلبشات الحديدية حتى نزفت دماً وظهرت جروح كبيرة في جميع أنحاء جسمي»(121).

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:43 PM   رقم المشاركة : 16
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


جمعة الشهادة


إنه يوم الجمعة المباركة، الخامس من كانون الثاني (يناير) 1996م، وهو أيضاً 15 شعبان 1416من الهجرة النبوية الشريفة. وهذه الجمعة، لم تكن كأي جمعة، إذ فاضت المدينة المقدسة والمسجد الأقصى المبارك بالآلاف الذين تزاحموا، كل يريد شرف الصلاة في الصف الأول. فقد خرج الشيخ عز الدين القسام من أحراش يعبد، وحضر عبد القادر الحسيني من بيادر القسطل، وسار خلفهما الشهداء أفواجاً وجماعات وأسراب يملؤون المسجد الأقصى وساحاته وحدائقه وعند المداخل وفوق البوابات منذ ساعات الفجر الأولى، ويتجمهرون تغمرهم الفرحة بمشاركة فلسطين عرس ابنها الذي رسم البسمة، بسمة البطولة والثأر، على شفاه الصبايا والنساء والأطفال والشيوخ والشباب.



وطالت ساعات ثقيلة كما لم يكن من قبل، حتى صدحت الطيور الخضر من غزة هاشم نشيد الابتهال الجميل: جاء البطل، صانع الشهداء وأميرهم.. جاء السيف المدجج بعشق فلسطين، وهوى الشهادة. فاستعاد الشيخ الجليل عز الدين القسام وقع الصدى، ووقف ليهتف وتردد الجموع من خلفه: إنه جهاد نصر أو استشهاد.



وفي غزة هاشم، تجمع فتيان قبية ودير ياسين، وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا. وبعد صلاة الضحى، خرجوا مع الفارس الكبير في موكب جميل أضاء سماء فلسطين، وعبثاً حاولت الجبال والوديان، فقد أودع الفتى الوسيم تلاميذه الراية، ونثر حكايته الأروع في طابور الشهادة الممتد في أرجاء الوطن.



في ذلك الصباح، توقف القمر الذي اعتاد أن يغيب زمناً ثم يعود حاملاً الموت لقتلة الأطفال، في مدارس يوسف عليه السلام. وطاف مودعاً الياسين والرنتيسي وصلاح وزاهر وعبد الناصر، ومئات آخرين حفظوا صورته وهو يلف الكوفية حول عنقه ويرسم على فمه ابتسامة خجولة حين ظهر نحشون فاكسمان في حلم حريتهم الجميل. وكالعادة، قالوا: إنه لا بد عائد.



وفوق أسوار القدس، اصطف الشهداء الأبرار يرقبون طلعة أميرهم الكبير وإمامهم في صلاة البطولة والأبطال عند منبر صلاح الدين. وأما عبد الرحمن وبشار فقد اصطحبا مهندسهما حتى الأقصى المبارك، وساروا به نحو محراب التحدي بين الصفوف التي كانت تهتف: أنت قائدنا وإمامنا يا صانع الشهداء.



1- التفجير باللاسلكي



عملية التفجير باللاسلكي تعتبر إحدى أحدث وأخطر وسائل الحروب السرية التي تستخدم فيها أسلحة غير تقليدية كالطائرات والمدفعية والجيوش، وهي وسيلة فعالة للقضاء على الخصم دون حاجة لمواجهة مباشرة. وعلى الرغم أنها تضمن الفاعلية وأمن المنفذين ووجودهم بعيداً عن مكان التفجير، إلا أنها أكثر تعقيداً من عمليات التفجير العادية، لأنها تحتاج إلى مراقبة مسبقة وإلى تحديد طرق سير الخصم، وأدق التفاصيل المتعلقة بتنقلاته. كما يضمن التفجير باللاسلكي، أو الموجه عن بعد، وقوع الانفجار في اللحظة المناسبة التي يكون فيها الهدف ضمن مدى تأثير الانفجار. ولذلك، تستخدم هذه الوسيلة لضرب الأهداف المتحركة والثابتة على حد سواء، أو الأشخاص الذين لا يتواجدون في الأهداف الثابتة بشكل دائم أو منتظم، ويبدلون باستمرار أوقات قدومهم إلى المكان وخروجهم منه، وقد استخدمت الموساد عمليات التفجير باللاسلكي وعمليات التفجير اللاسلكية في حربها المعلنة ضد قادة المقاومة الفلسطينية وبعض مسؤوليها(1).



ويمكن القول، وبأسلوب مبسط أن نظام التفجير باللاسلكي يتألف من الأجزاء التالية:

أ- جهاز لاسلكي (مُرسل) يبث موجات لاسلكية ذات ترددات معينة ووفق شيفرة خاصة. ويعمل هذا الجهاز المتطور ضمن مدى يتراوح بين كيلومتر واحد إلى عدة كيلومترات.



ب- جهاز لاسكلي (مُستقبل) يعمل على ترددات الجهاز المرسل ذاته، ويقوم بتحليل الموجات المستقبلة واستبعاد الموجات اللاسلكية غير المرغوبة (كموجات الإرسال الإذاعي والموجات الأخرى الموجودة في الجو على ترددات الجهاز المرسل). وعندما يتلقى الجهاز المستقبل الإشارة اللاسلكية وفق الشيفرة المحددة يحولها إلى جهد كهربائي يؤدي إلى تفجير الصاعق الكهربائي المتصل مع الجهاز.

ج- عبوة ناسفة بأحجام وأشكال تعتمد على طبيعة الهدف والحاجة.

د- صاعق كهربائي موجود داخل العبوة الناسفة ومربوط مع الجهاز المستقبل.

هـ- فخ لمنع فك الجهاز المستقبل أو العبوة في حالة اكتشافها. وقد نجح خبراء المتفجرات في تصميم أجهزة تنفجر عند اكتشافها من قبل الخصم.

و- راصد يستطيع رؤية الهدف أو تحديده، ويكون على اتصال مباشر مع الجهاز المرسل، سواء كان الاتصال لاسلكياً أم بالنظر أم بأية وسيلة اتصال ضوئية أخرى(2).



2- خطة اغتيال المهندس



أُثير الكثير من التساؤلات والتكهنات حول جريمة اغتيال المهندس، والمتآمرون المشتركون في تنفيذ الجريمة الغادرة، فقد نشرت وسائل الإعلام تفاصيل غامضة وتقارير متضاربة في بعض الأحيان. ولئن ما تزال قضية اغتيال مهندس الأجيال تتفاعل وتثير الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً حول الشخصية التي تقف حقيقة خلف عملية الاغتيال وكيف استطاعت الوصول إلى المهندس واختراق الجدار الأمني الذي أحاط به. إذ أن الجريمة، وبشهادة خبراء الاستخبارات كانت معقدة فنياً واحتملت وفق الشواهد الكثيرة التي أحاطت بها نسبة عالية من المجازفة والمخاطرة. ولكن جهاز الشاباك والسلطة السياسية الإسرائيلية التي أعطت الضوء الأخضر بالتنفيذ لم يجدا مفراً من قبول هذه النسبة، فالهدف ثمين ولم يتم الاقتراب منه بهذه الدرجة من قبل.



عمليات البحث والمقارنة التي أجريناها بعد جمع كافة ما نشر حول الجريمة، وبخاصة القصة التي رواها أسامة حماد، صاحب المنزل الذي استشهد فيه المهندس وآخر شخص شاهده على قيد الحياة، إلى جانب تقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية من صحف وتلفاز وإذاعة، ومن خلال التفاصيل التي أمكن التحقق من صحتها، فإننا نقدم السيناريو التالي الذي نتوقع بأنه يمكن الاعتماد عليه:



1- أسامة حماد، عضو حركة حماس الذي يقيم مع عائلته في منزل من طابقين على بعد مئة متر من المفوضية العامة للشرطة الفلسطينية في بيت لاهيا يعرف المهندس منذ عام 1987. فقد كان أسامة طالباً في جامعة بيرزيت وسكن مع الطالب يحيى عياش في قرية أبو قش القريبة من الجامعة. وبعد أن تخرج أسامة من الجامعة في صيف العام ،1995 وعاد إلى قطاع غزة في شهر آب (أغسطس)، اتصل به المهندس للمساهمة في تقديم المساعدة والخدمات له، وبخاصة في مجال الاتصالات مع الضفة الغربية بعد أن انكشف أمر الهاتف الذي كان يستخدمه يحيى في مخيم النصيرات(3).



2- الاستخبارات العسكرية الفلسطينية التي يتزعمها العميد موسى عرفات هي التي اكتشفت علاقة أسامة بالمهندس في شهر أيلول (سبتمبر)، وقيام الأخير بإجراء الاتصالات من منزل والدة الأول. وحتى تلك اللحظة، لم تكن أجهزة الأمن الإسرائيلية على علم بهذه التفاصيل، ولكن مصدر مطلع في جهاز الأمن العام الفلسطيني يؤكد بأن العميد موسى عرفات المعروف بقربه من الشاباك، أبلغ عميلاً مزدوجاً قيل أنه كمال حماد (خال أسامة)(4).



3- وعلى وجه السرعة، نقل العميد المعلومات القيمة إلى قيادة الشاباك. وبعد أن اطمأن الجنرال كارمي غيون لصحة المعلومات الواردة عبر شبكة العملاء الواسعة التي يحتفظ فيها بمدينة غزة، أبلغ شمعون بيريز بصفته رئيساً للوزراء ووزيراً للدفاع. وفي الاجتماع العاجل والطارىء الذي دعى له بيريز، أعاد رئيس الوزراء الجديد تأكيد الأوامر والتعليمات التي أعطاها سلفه بالقيام بكل ما هو ممكن للقضاء على المهندس. واتفق قادة الموساد وآمان والشاباك على وضع خطة محكمة لاغتيال المهندس تشترك الأجهزة الثلاث في عمليات التنسيق وتبادل المعلومات والتنفيذ حيث أسندت القيادة الميدانية للجنرال كارمي غيون نفسه(5).



4- بعد تحديد الوسيلة المنوي استخدامها، وجد الجنرال غيون أن نقطة الضعف التي يمكن النفاذ من خلالها تكمن في سكن أسامة مع والدته في بيت لاهيا، وهي أولاً، منطقة قريبة من مستوطنة نتساريم، وثانياً، خال أسامة المدعو كمال حماد. ومن المعروف أن كمال حماد (45 عاماً) هذا يتعامل مع سلطات الاحتلال منذ عام 1970 حيث كان له ضلع في الوشاية بعدد من الفدائيين في ذلك الوقت، وهو يمتلك شركة مقاولات كبيرة قامت بأعمال عديدة لصالح الإدارة المدنية الإسرائيلية ونفذت مشاريع إسكانية كثيرة بعد أن سلمته سلطات الاحتلال أراضي حكومية وأملاك غائبين(6). وقد سافر هذا العميل قبيل انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة إلى تونس حيث التقى مع ياسر عرفات وموسى عرفات وأبو علي شاهين ومحمد دحلان ورشيد أبو شباك وعرض عليهم تقديم بعض الأراضي ومشروع إسكان على سبيل الهدية مقابل غض الطرف عن عمالته وحمايته من أيدي حماس والجهاد الإسلامي. إذ تبرع العميل بشقة سكنية في الطابق الثالث من بناية (برج النصر) إلى العميد موسى عرفات. وفي مقابل ذلك، زوده قائد الاستخبارات العسكرية باثنين من العناصر المزودين برشاش كلاشنكوف لحراسته، تولى حماد دفع رواتبهما(7).



5- طلب الشاباك من كمال حماد التقرب من ابن أخته وإغرائه بالعمل لديه. ولأن أسامة الذي أنهى تعليمه مؤخراً وحصل على شهادة بكالوريوس لغة عربية ودبلوم تربية بدون عمل، فقد قبل دون تردد الوظيفة التي عرضها خاله، وهي الإشراف على تعليم أطفاله الأربعة عشر(8). ويوماً بعد يوم، تقرب كمال من ابن إبلاغهما محاولاً توثيق العلاقة معه حيث قام بإهدائه تليفون خلوي. وطبقاً لتعليمات الجنرال غيون، عاد كمال إلى ابن أخته طالباً الجهاز ليوم أو ليومين. وتكررت هذه الطلبات ما بين أربع وست مرات، وفي كل مرة كان يتذرع بأعذار مختلفة(9). ومن البديهي أن نستنتج أن الهدف من ذلك هو أن يعتاد أسامة على طلبات خاله، ولا تساوره الشكوك إذا ما عاد واستعار التليفون أثناء وجود المهندس. ورغم ذلك، يؤكد أسامة، بأن المهندس كان حذراً، إذ أنه كان يخشى استخدام هذا النوع من الأجهزة في اتصالاته لمعرفته بسهولة التنصت على المكالمات التي تجري من خلالها وإمكانية التحكم فيها من قبل العدو الصهيوني. وإذا ما اضطر إلى استخدام إحداها، كان يحيى عياش يفحص الجهاز ويطلب من غيره التأكد أيضاً(10).



6- تمكنت الشاباك من تتبع مكالمة تليفونية أجراها الشيخ عبد اللطيف مع ابنه، ومن خلال تلك المكالمة، اتضح للجنرال غيون بأن والد المهندس سيتصل بابنه على الهاتف العادي بمنزل أسامة حماد في الساعة الثامنة من صباح يوم الجمعة الموافق 5/1/1996(11).



7- وضع الجنرال غيون ومساعدوه خطة تفصيلية لاغتيال المهندس، بعد أن انتقل إلى موقع متقدم في مستوطنة نيسانيت القريبة من بيت لاهيا للإشراف بشكل مباشر على عملية التنفيذ حيث أقيمت غرفة قيادة أمنية ذات تجهيزات فنية عالية. وفي ذلك الموقع، استعان رئيس جهاز الشاباك بخبراء وفنيين قاموا بتركيب بطارية خاصة صنعها القسم الفني بالموساد في جهاز التليفون الخلوي الذي استعاده كمال حماد من ابن أخته في أواخر كانون أول (ديسمبر) 1995. والبطارية الجديدة كانت في الحقيقة بنصف حجمها العادي حيث وضعت المتفجرات التي يتراوح وزنها بين 40 و 50 غراماً في النصف الآخر. وكان كمال حماد قد دأب على التوجه إلى المستوطنة(12).



8- حاولت زوجة المهندس أن تستذكر الساعات الأخيرة للشهيد القائد، فتقول: «اشتاق كثيراً لقريته وأهله وعائلته. وكان يقول دائماً بأنه يريد العودة إلى هناك. وحدد وقتاً لذلك، قبيل عيد الفطر». وتضيف أم البراء، بأنه ودعها وطفليه صباح يوم الخميس، أي قبل يوم من استشهاده، وخرج من المنزل الذي يختبىء فيه بجنوب قطاع غزة للقيام بمهمة ليلية هامة جداً، وكان من المفترض عودته يوم السبت. ولذلك، طلب المهندس من زوجته أخذ ابنه عبد اللطيف صباح يوم الجمعة لختانه حيث فعلت، ولم تعلم أم البراء عن استشهاد زوجها إلا في ساعات المساء عندما حضر أصدقاؤه(13).



9- انتقل المهندس إلى منزل أسامة حماد في نحو الساعة (30:4) من فجر يوم الجمعة الموافق 5/1/،1996 وقام بتأدية صلاة الفجر ثم ذهب للنوم. وحسب القصة التي يرويها أسامة حماد بعد ذلك، فإنه كان من المفترض أن يتصل والد المهندس على تليفون المنزل في نحو الساعة الثامنة غير أن اتصالاً غريباً جرى في ذلك الوقت حين اتصل كمال حماد في الساعة الثامنة طالباً من ابن أخته فتح جهاز التليفون الخلوي لأن شخصاً يريد الاتصال به ثم قطع الخط الهاتفي، ولم يكن في خط الهاتف البيتي حرارة بعد هذا الاتصال. وفي نحو الساعة التاسعة، اتصل والد المهندس مستخدماً الهاتف الخلوي حيث رفعت زوجة أسامة السماعة وسلمتها لزوجها الذي كان نائماً مع يحيى في نفس الغرفة. فأيقظ أسامة المهندس ثم أعطاه السماعة. وبعد (15) ثانية تقريباً، وفيما كان أسامة يهم بالخروج من باب الغرفة تاركاً المهندس ليحدث والده، سمع دوي انفجار، فالتفت على الفور فرأي يد الشهيد القائد تهوي إلى أسفل، وغطى الغرفة دخان كثيف، ليتبين بعد ذلك أن المهندس قد استشهد(14).



10- طائرة مروحية تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي حامت فوق المنزل في ذلك الوقت، يعتقد أنها كانت تقل ضابط الشاباك المسؤول عن تفجير الشحنة الناسفة التي زرعت داخل جهاز الهاتف النقال. فما أن تأكد الضابط من تشخيص صوت المهندس عبر أجهزة الرصد حين قال لوالده: «كيف حالك يا أبي، دير بالك على صحتك ولا تظل تتصل على الهاتف»، حتى ضغط على زر جهاز الإرسال لإرسال ذبذبة معينة لانفجار العبوة الناسفة لاسلكياً، فوقع الانفجار(15).



11- اتصل كمال حماد بعد ذلك بوالدة أسامة وسألها عن حالة ابنها، وإن كان بخير وفي صحة جيدة ولم يمسه سوء. فأخبرته أنه بخير، فقال لها: «معلش أمر الله نافذ»(16).



12- لم يعرف أسامة من هول الصدمة ما يفعله، إلا أنه تدارك نفسه سريعاً ومنع أياً من أفراد عائلته من الاقتراب من الغرفة التي كان فيها جثة الشهيد، واتصل أسامة ببعض أصدقاء المهندس من كتائب عز الدين القسام، وروى لهم كل شيء بالتفصيل، فأخذ المجاهدون جثة المهندس في ساعات الظهر وانطلقوا بها. وبعد ذلك قرروا وضع الجثة في مستشفى الشفاء(17).



13- عدد من قادة حركة حماس توافدوا على المستشفى لمعاينة جثة الشهيد، ومنهم الصحفي فايد أبو شمالة الذي يعرف المهندس منذ أيام الدراسة الجامعية. وقال فايد بأن الجهة اليمنى من وجه المهندس (من أذنه وحتى منتصف وجهه) كان مهشماً تماماً، وكذلك يده اليمنى، بينما لم يتأثر بقية جسمه إطلاقاً بالانفجار(18).



14- أكد أسامة بأن الشهيد كان يتمنى الشهادة وكان دائماً يردد «بأن على كل فلسطيني أن يتدرب على السلاح وأن يجاهد». ويضيف أسامة بأنه صباح يوم الجمعة وقبل صلاة الفجر بقليل عبر المهندس لصديقه بأنه يشعر بدنو أجله(19).

15- بيان الكتائب أكد ضلوع أطراف من السلطة الفلسطينية في التمهيد والتعاون وتسهيل مهمة منفذي الجريمة الغادرة بحق المهندس. وأشار بيان الكتائب أيضاً، أنه وحسب التقارير المرفوعة إلى قيادة الجهاز العسكري لحركة حماس، فقد أكد مسؤول الوحدة المكلفة بحماية الشهيد أن مجموعته نجحت قبل أسبوعين من الجريمة في ترتيب مغادرة الشهيد لموقع كان يتواجد فيه قبل مداهمة أجهزة استخبارات وشرطة السلطة بنحو نصف ساعة(20).



16- هرب كمال حماد إلى المناطق المحتلة منذ عام 1948 فور وقوع الجريمة حيث وصل عند المسؤولين عنه في جهاز الشاباك بمستوطنة نيسانيت، ثم نقل بعد ذلك إلى مدينة يافا حيث ما يزال يقيم هناك(21).



3- توقيت جريمة الاغتيال



لنحو أربع سنوات، وضع اسحق رابين الذي تعامل مع المهندس بصفته خصماً له، ملف تصفية القائد القسامي على رأس أولويات حكومته السياسية والأمنية، ولكن إحدى مفاجآت هذا الملف كانت في مقتل رابين على أيدي متطرف يهودي قبل أن تتمكن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية من اغتيال المهندس. وبذلك، أضيفت فضيحة أخرى لملفات تلك الأجهزة التي كانت تصورها الدعاية الصهيونية بأنها أجهزة خارقة تكتشف الأحداث قبل وقوعها، وتستطيع الوصول إلى ما تريد بأقل جهد وأسرع وقت. وكان لاهتزاز ثقة الشارع الإسرائيلي بتلك الأجهزة، آثاراً مقلقة على القيادات الأمنية والعسكرية، فلا هي تمكنت من حماية رئيس الوزراء وأهم شخصية في البلاد، ولم تستطع القبض أو قتل عدوها الأول الذي أثار الهلع في قلوب الإسرائيليين(22).



وللخروج من حالة انعدام الوزن الذي أوقف أجهزة الأمن الإسرائيلية على حوافها، كان لا بد من القيام بفعل خارق يعيد الاعتبار لتلك القيادات داخل المؤسسة السياسية والأمنية في الدولة العبرية. ولعل هذا ما يفسر رفض شمعون بيريز استقالة الجنرال كارمي غيون أثر اغتيال رابين مباشرة، ثم قبولها بعد يومين فقط من تنفيذ جريمة اغتيال المهندس(23).



وفي الوقت الذي اعتبرت فيه جريمة اغتيال المهندس سببا في إعادة الثقة في أجهزة الأمن الإسرائيلية وتطمين الشارع الإسرائيلي بأن عدوه الأول قد جرى الانتهاء منه، وأن الانتقام قد حصل ممن أراق الدم اليهودي كما يردد قادة الاحتلال دائماً، فإن هناك هدفاً لا يقل أهمية، بل كان أكثر أهمية. وهذا الهدف يتمثل في جعل مقتل المهندس عنواناً لمرحلة جديدة، لا (مخربين) فيها، خاصة أن اغتيال عياش قد سبقه تصفية قادة عديدين مثل فتحي الشقاقي وهاني عابد وكمال كحيل وإبراهيم النفار ومحمود الخواجه وغيرهم. وعليه، كان ثمة رسالة صهيونية خلف جريمة اغتيال المهندس، خلاصتها أن زمن الفدائيين والأبطال قد انتهى، وأن هذا هو زمن القبول بإسرائيل والتعامل معها بواقعية(24).



وعلى الرغم مما روجت له السلطات الإسرائيلية، فإن هناك كثيرين في الجانب الإسرائيلي لم يكونوا مقتنعين بأن اغتيال المهندس سيوقف الجهاد والمقاومة وينهي الكفاح المسلح. وعلى الصعيد الفلسطيني، فإن جريمة الاغتيال أعطت حركة حماس فرصة لاستعادة نشاطها العسكري. فالصهاينة هم المعتدون، وهم الذين صعدوا، والاغتيال نفذ في غزة. وانطلاقاً من كل ذلك، فإن معسكر المقاومة قد ربح رغم الخسارة الكبيرة بفقدان الشهيد. ولعل تنفيذ تلاميذ المهندس للعمليات الاستشهادية الأربع خلال فترة زمنية قصيرة (عشر أيام) يعد تأكيداً لما سبق.



4- الأمريكيون يؤكدون دور السلطة الفلسطينية



بمجرد أن قطعت الإذاعة الإسرائيلية نشرة أخبارها لتكون أول من يعلن عن اغتيال المهندس ويورد أنباء الجريمة أشارت أصابع الاتهام على الفور إلى تواطؤ سلطة الحكم الذاتي في قطاع غزة ودورها سواء في إطلاق يد عملاء الشاباك ومطاردة المهندس والتضييق عليه وحتى التعاون المباشر مع أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية في تنفيذ الجريمة. وقد ظهرت خيوط هذا التواطؤ فور وقوع الجريمة، وتأكد الدور الرئيسي للعميد موسى عرفات ومقسم الهاتف في مدينة غزة. ومع ذلك، نجد أنه من المهم أن حماس لم تكن لوحدها في كشف تواطؤ سلطة الحكم الذاتي في تنفيذ الكيان الصهيوني لجريمة اغتيال المهندس. فهناك أيضاً، الإدارة الأمريكية التي رعت مؤتمر السلام والمفاوضات بين قيادة ياسر عرفات والعدو الصهيوني. إذ نقلت صحيفة نيوزداي التي تصدر في لونج ايلاند نيويورك عن مسؤول بمكافحة الإرهاب في مكتب التحقيقات الفيدرالية (fbi) قوله: «إن إسرائيل لم تتمكن من تحديد مكان عياش الذي يُعرف بلقب المهندس لمهارته في صنع القنابل رغم عامين من البحث. ولكن منظمة التحرير الفلسطينية هي التي رصدت في نهاية الأمر منزل زميل سابق لعياش في قطاع غزة حيث كان يختبىء أكثر الأشخاص الذين تطالب إسرائيل بالقبض عليهم»(25). وتضيف الصحيفة الأمريكية بأن متحدثاً إسرائيلياً امتنع عن التعقيب على التقرير الذي نشرته حيث قال يوري درومي، كبير المتحدثين الرسميين باسم الحكومة الإسرائيلية: «ربما يجب أن تسألوا السلطة الفلسطينية»(26).

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:43 PM   رقم المشاركة : 17
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


البيعة لأمير الجند

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة


رائع أنت يا صانع الشهداء، رائع في حياتك وأروع عند استشهادك. فها أنت تجمع فلسطين كلها في يوم عرسك الجميل. ففي الشهادة تماماً كما في الحياة، كنت رمزاً لعظمة الأمة بتضحياتها وانتصاراتها. وخاب ظن القتلة والمنهزمون، فقد تعطرت الأرض بفوح من دم يحيى المتفجر، لتدب سخية معطاء تشحن نبض المقاومة في عروق كل تلك الجماهير من المحيط إلى الخليج، فتسري في شرايينها وتجدد دماءها، وتعطيها نفحة الأمل والقوة وتشد من عزيمتها وإصرارها على مواصلة دعوة الجهاد بعد أن كاد طوفان شعارات المتصهينيين أن يغرقها.



ها هي الجماهير تخرج مودعة، معلنة بيعتها للمقاومة والتحاقها والتفافها حول الكتائب المجاهدة التي خرجت طارق وياسر وعدنان وعلي وكمال ويحيى الذين كشفوا عن القلوب الغمة، وعن العيون غشاوة رانت على الأبصار دهراً.



لم يمت المهندس إذن، بل بشهادته تفجرت نشوة الحياة من جديد في واقع كاد أن يموت، ولئن كانت فلسطين تعلم أن الرجل الذي طارد الشهادة مثلما كانت سلطات الاحتلال الصهيوني تطارده لا بد راحل نحو مقعد صدق عند مليك مقتدر، غير أن للفاجعة وقعها الأليم لا تخففه احتمالات وقوعها الأكيدة. فما أن أعلنت القناة العبرية في التلفزيون الإسرائيلي ومن ثم الإذاعة نبأ الاغتيال حتى اهتزت أرجاء فلسطين، ودبت قشعريرة وسرى شعور حزين، وحاولت القلوب الفزعة أن تكذب أو تشكك. واهتزت الكلمات في الحناجر حين أعلنت حماس: توقف عقل الفتى العاشق وسكنت نبضات قلبه. فبكى كل شيء في فلسطين حتى كاد طوفان الدمع أن يغرق شوارع غزة وحارات نابلس وطولكرم والخليل.



ومر ليل الجمعة الباكية ثقيلاً على الجبال والوديان والناس بينما سكنت الأمواج في انتظار حزين. وفي الصباح، تراكض الباحثون عن وطن نحو رافات يعانقون جدران منزل المهندس متوعدين بالثأر، ومؤمِّنين على دعاء أم يحيى: «قلبي وربي رضيانين عليك». وكم تمنى أولئك لو أنهم تشرفوا بتشيعه أو على الأقل مشاهدة وجهه أو ملامسة كفه، فيتعلمون كيف يضرب وكيف يصنع لنا الحياة.



الشعب كله صار أهل يحيى، وصار يحيى هو الشعب كله، فعظمة الشهادة والإنجاز، أبت أن يكون المهندس ابن رافات وحدها، ولا ابن حماس دون غيرها. فكما كان عمله وحياته لكل فلسطين -من بحرها لنهرها- جاء استشهاده ليملأ كل فلسطين بالأمل والرجاء، تماماً كالبرق ليست انطفاءته إلا ميلاداً للحياة. وهذا الكلام ليس عاطفة أو تحيزاً، فها هو الصحفي فايد أبوشمالة ينقل لنا المشاعر التي سادت، وقد كان من أوائل الذين ألقوا نظرة على جثة الشهيد بعد نقلها لمستشفى الشفاء. إذ يقول أبو شمالة: «لا أستطيع وصف تلك اللحظات التي اختلط فيها الحابل بالنابل وخرج الناس من هول الصدمة وفداحة الخطب إلى الشوارع وكلهم يأمل آلا يكون الخبر صحيحاً، وبالنسبة لي فقد تلقيت النبأ كالصدمة ولم أستطع تصديقه في الساعات الأولى والتي كان فيها الخبر في حكم الإشاعة، وخرجت لأتحقق من صحته بنفسي وتجولت في الشارع وتوجهت إلى بيت لاهيا وبدأنا نبحث مع زملائنا من الصحفيين ونحن كالمشدوهين وتملكتنا جميعاً مشاعر عصبية ولم أعد أطق أن أسمع أحداً يسأل إن كان الخبر صحيحاً. كنت في قرارة نفسي أشعر أن اغتياله ممكن، لكن كانت مشاعري ترفض التصديق وتتمنى آلا يكون ذلك صحيحاً وأن يخسأ أعداؤه الذين كانوا يفرحون لاستشهاده.. ورغم أن المؤكدات بدأت تتوالى والقصة بدأت تتضح إلا أنني بقيت أصارع الحقائق بمشاعر الرفض للتصديق(27).



التجاوب الشعبي المدهش الذي ولده استشهاد المهندس يؤكد أكثر من معنى ويشير إلى أكثر من دلالة: فهو أولاً- استفتاء عفوي بأن خيار الجهاد والمقاومة لا يزال في قلوب أبناء فلسطين. وثانياً، أثبت الشعب الفلسطيني بأن من يعطي فلسطين بإخلاص وأمانة كعماد عقل ويحيى عياش يجد صدى أفعاله لدى الجماهير مجسداً في مسيرة عماد ويحيى. وأما ثالثاً، فإن كرة اللهب البشرية التي اندفعت لوداع المهندس هي في إحدى صورها تعبير صريح عن حالة الغضب ومشاعر الاحتقان التي يكنها الفلسطينيون لعدوهم رغم كل الاتفاقات والترويج لحالة الصداقة الجديدة.



1- فلسطين تعلن الحداد العام



«لست وحدي التي تفاجأت باستشهاد يحيى عياش، ولكن جميع الشعب تفاجأ أيضاً باستشهاده، فالناس توقعوا أن يظل المهندس حي، ويسمعوا عن عملياته.. نحن لسنا وحدنا الذين خسرنا يحيى عياش، وإنما خسره كل شعب فلسطين لأنه أشفى غليل كل طفل ويتيم، ومسح دموع كل أرملة وكل أم فقدت ابناً أو زوجاً، وانتقم للأيتام، الجميع خسروه وبكوا عليه»(28).



بهذه العبارات أجابت هيام عياش (أم البراء) وزوجة المهندس واصفة مشاعرها وانطباعاتها عن جنازة الشهيد ومهرجانات التأبين الكبيرة التي جرت له. ولم تكن زوجة الشهيد وحدها تحمل هذه المشاعر، فها هي أم البطل، تتحدى مراسل صحيفة معاريف العبرية الذي زار القرية لمقابلة العائلة، فتقول له: «في كل يوم تقام ليحيى زفة، في كل أنحاء الضفة والقطاع ما زالوا يقيمون مهرجانات التأبين له. يحيى ابني رجل فريد من نوعه، إنني فخورة به، وأزداد فخراً عندما أرى أن كل الشعب الفلسطيني هو يحيى»(29).



ما أن علت مكبرات الصوت في مساجد الضفة الغربية وقطاع غزة بتلاوة بيان النعي والتمجيد بجهاد الشهيد القائد، ثم استمرار حماس في إذاعة نداءاتها حتى ساعة متأخرة من الليل، حتى صعد الآلاف من المواطنين -شيباً وشباباً- إلى أسطح المنازل للاستماع إلى آخر البيانات بعد أن وقع نبأ الاغتيال عليهم كالصاعقة وإن كان الجميع توقعوا هذه النهاية للمهندس. وبات الناس تلك الليلة ولا حديث لهم سوى اغتيال المهندس(30). ومع بزوغ الفجر، توجه الناس إلى أكشاك بيع الصحف والباعة المتجولين لشراء الصحف التي أبرزت على صدر صفحاتها صور الشهيد وتقارير موسعة عن جريمة استشهاده وردود الفعل الفلسطينية والعربية والإسرائيلية والعالمية.وقد نفذت جميع نسخ الصحف في وقت مبكر من ذلك اليوم(31). ولوحظ خلو أوسع الصحف انتشاراً، وهي صحيفة القدس المقدسية من إعلانات التعزية باغتيال القائد القسامي بعد أن حظر الرقيب العسكري الإسرائيلي عليها نشر أية إعلانات رافضاً في الوقت نفسه أي حلول وسط كشطب بعض الكلمات والألفاظ(32).



ولثلاثة أيام، أعلنت الضفة الغربية وقطاع غزة الحداد العام، ورفعت الرايات السوداء، وأغلقت المحال التجارية أبوابها وخرجت الجماهير الغاضبة إلى الشوارع منادية بالثأر. وجرت مهرجانات التأبين والمسيرات الشعبية بمشاركة جميع القوى السياسية الفلسطينية وممثلين عن سلطة الحكم الذاتي. وعلقت الدراسة في الجامعات والمدارس، وأقيمت صلاة الغائب على روح الشهيد في العديد من المناطق، وبخاصة المدن الرئيسة(33).



ففي حين عم الإضراب الشامل مدينة القدس وضواحيها، وألصقت صور يحيى عياش في الشوارع، ووقعت صدامات ومواجهات عنيفة بين المتظاهرين وجنود الاحتلال، شهدت مدينة رام الله أيضاً إضراباً عاماً ومسيرة جماهيرية حاشدة في صباح يوم السبت، شارك فيها أكثر من (30) ألف رددوا الهتافات والشعارات الإسلامية والوطنية وأحرقوا الأعلام الإسرائيلية. وقد شارك في المسيرة إلى جانب حركة حماس، كافة الفصائل الفلسطينية ومحافظ المدينة وعدد كبير من قادة وكوادر القوى والأحزاب السياسية وضباط في الشرطة الفلسطينية حيث ألقيت كلمات باسم حركة فتح وحزب الشعب والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية وحركة الجهاد الإسلامي والكتلة الإسلامية في جامعة بيرزيت، بالإضافة إلى كلمة حركة حماس ألقاها الشيخ حسن يوسف(34).



وعلى نفس الصعيد، انطلقت بعد صلاة ظهر يوم السبت مسيرة حاشدة من مسجد أريحا الجديد نحو مركز المدينة بمشاركة كافة الفصائل. وتجمهر أكثر من ألفي متظاهر أمام منصة البلدية حيث أشعلت النيران في أعلام إسرائيلية وألقيت العديد من الكلمات من قبل مختلف القوى السياسية(35). كما ساد الحداد والإضراب مختلف أنحاء مدينة نابلس، وأغلقت جميع المحلات في المدينة والضواحي أبوابها، وعمت المسيرات الشعبية مناطق عديدة، ندد المشاركون فيها بالإرهاب الصهيوني مطالبين بالثأر للشهيد. وواصلت مكبرات الصوت في مساجد المدينة بث آيات من القرآن الكريم وبيانات النعي داعية إلى التوجه إلى مقر جمعية التضامن الخيرية لتقديم التعازي باستشهاد المهندس للحركة الإسلامية. وأوقفت محطات التلفزة المحلية بالمدينة البث، واستعاضت عنه بإذاعة القرآن الكريم والأناشيد الإسلامية والوطنية وبيانات النعي، وبعضها بث فيلم عمر المختار. وفيما علق مجلس الطلبة في جامعة النجاح الوطنية الدراسة بالتنسيق مع إدارة الجامعة، انطلقت مسيرة كبرى ضمت ثلاثة آلاف في جنازة رمزية وهم يحملون تابوتاً عليه علم فلسطين، طافت شوارع نابلس مرددة الهتافات، والشعارات الإسلامية(36).



وما أن أعلن نبأ استشهاد المهندس، حتى خرج آلاف المواطنين من سكان محافظة طولكرم في مسيرة حاشدة جابت شوارع المدينة ومخيم طولكرم، ردد خلالها المتظاهرون الهتافات المؤيدة لحماس وكتائب الشهيد عز الدين القسام منددين بالكيان الصهيوني وبمفاوضات السلام، ومعاهدين الشهيد على مواصلة الجهاد حتى دحر الغزاة المحتلين. واتجه المتظاهرون نحو الشارع الرئيسي (طولكرم - نابلس) الذي يعتبر مسلكاً للدوريات الفلسطينية - الإسرائيلية المشتركة وأغلقوه لبعض الوقت، ومن ثم توجهوا نحو مركز المدينة حيث ألقى الشيخ محمود الحصري إمام مسجد الروضة كلمة نعى فيها الشهيد، مؤكداً أن الشعب الفلسطيني هو يحيى عياش. كما ألقيت كلمات باسم الجبهة الديمقراطية والجبهة الشعبية وحزب الشعب بالإضافة إلى محافظ مدينة طولكرم(37).



وفي مدينة قلقيلية المجاورة، عم الإضراب الشامل وانطلقت مسيرة من جانب بيت الشهيد أبو علي في وسط قلقيلية ضمت عشرات الآلاف من أبناء المدينة والقرى المحيطة في الساعة الواحدة من بعد ظهر يوم السبت. وشارك في المسيرة التي حملت جنازة رمزية للمهندس كافة المؤسسات الإسلامية والوطنية وأجهزة سلطة الحكم الذاتي ورافقتها فرق الكشافة حيث زُين النعش بالشعارات والأكاليل والبطاقات، وفتحت حركة حماس بيت عزاء للشهيد يحيى عياش في مقر الغرفة التجارية. وشهدت القرى المحيطة بمدينة قلقيلية مواجهة عنيفة بين المتظاهرين وقوات الاحتلال. ففي قرية حبلة التي تقع ضمن المنطقة (ج) حسب خطة إعادة الانتشار واتفاقية أوسلو، وقعت مواجهات بين حرس الحدود والمواطنين الفلسطينيين، فرضت أثرها سلطات الاحتلال نظام منع التجول على القرية(38).



أما مدينة خليل الرحمن، فقد أعلنت الإضراب الشامل حداداً على المهندس، وتعطلت حركة المواصلات العامة ولم ينتظم الطلاب في مدارسهم كالمعتاد. وغطت الشعارات التي تنعى الشهيد كافة أنحاء المدينة وجدران المنازل والمحلات التجارية، فيما علقت الأعلام السوداء فوق أسطح المباني. وأعلن نشطاء من حركة حماس، خلال استعراض عسكري قاموا به، حالة من الاستنفار العام في صفوف الحركة مؤكدين أن دم الشهيد لن يذهب هدراً(39).



وعلى غرار خليل الرحمن، عم الإضراب والحداد الشاملين مدينة بيت لحم والمناطق المجاورة لها، وشوهدت العديد من الشعارات التي تنعى الشهيد. وقد أكد العديد من المراقبين أن المدينة لم تشهد مثل هذا الإضراب في قوته والالتزام التام به من قبل جميع التجار والمواطنين منذ مدة طويلة(40).



وفي مدينة جنين، نظمت الفعاليات الوطنية والإسلامية مسيرات حاشدة تقدمتها جنازة رمزية وذلك يومي السبت والأحد. وطافت المسيرة الأولى التي شارك فيها حوالي عشرة آلاف مواطن شوارع وأحياء المدينة ومخيمها، حيث رفع المشاركون اللافتات والأعلام ورددوا الهتافات المنددة بالاحتلال وبعملية الاغتيال. وفي وسط المدينة، تحولت المسيرة إلى مهرجان جماهيري تحدث فيه الشيخ خالد سليمان والشيخ جمال عبد السلام وممثلين عن الجبهتين الشعبية والديمقراطية، أشادوا بالشهيد ومناقبه ودوره في مسيرة الجهاد وعاهدوه على التمسك بالقيم التي زرعها. كما انطلقت مسيرات شارك فيها مئات من الطلبة من مدارس جنين ومخيمها بعد أن أعلنت إدارات المدارس عن تعطيل الدراسة، وهتف المشاركون ضد الاحتلال وجريمته معلنين العهد والوفاء للمهندس. وافتتحت القوى والفصائل الوطنية والإسلامية ولجنة بلدية جنين بيت عزاء في قاعة البلدية لمدة يومين حيث أمته وفود تمثل الفعاليات والمؤسسات المختلفة(41).



وفي قطاع غزة، عم الإضراب الشامل وتوقفت جميع النشاطات فيما أخذت المساجد تذيع آيات القرآن الكريم، وعلقت الجامعة الإسلامية الدراسة، ونظم مجلس الطلبة مهرجاناً خطابياً شارك فيه ممثلون عن كافة الكتل الطلابية. وقال الصحافي علاء الدين أسعد صفطاوي واصفاً المشاعر التي سادت القطاع: «إن الشارع الفلسطيني أصيب بصدمة عنيفة إزاء نباء استشهاد الجنرال الإسلامي يحيى عياش. ليس هيناً على شعبنا أن يتقبل بصمت استشهاد هذا البطل. فهو شخصية وطنية كبيرة وليس رجلاً عادياً»(42).



ولم تكن الحركة الوطنية والإسلامية الأسيرة في سجون الاحتلال الصهيوني بعيدة عن التأثر بهذا الحدث الجلل. فقد اندفع المعتقلون في كافة السجون، وفور سماعهم لنبأ الجريمة، إلى الساحات العامة منظمين التظاهرات والمسيرات التي نددت بالاحتلال وأعوانه معربين عن سخطهم وغضبهم الشديد. ورفض أسرى الحرية الانصياع لتعليمات إدارة السجون التي أعلنت الاستنفار وفرضت حظر التجول على معتقل النقب بعدما هاجم الأسرى أبراج المراقبة العسكرية ورشقوها بأدواتهم وأغراضهم. كما قرر المعتقلون والأسرى، إعلان الحداد والإضراب عن الزيارات لمدة أسبوع، ورفعوا الرايات السوداء، ونظموا مهرجانات تأبينية حاشدة شاركت فيها كافة القوى(43).



لقد أظهرت جريمة اغتيال المهندس إجماع جميع شرائح المجتمع الفلسطيني وقواه السياسية في النظر نحو يحيى عياش بأنه يستحق بحق التمجيد والافتخار. فقد تابع المواطنون نشرات الأخبار عبر الإذاعات والتلفاز بغية الحصول على آخر مستجدات الجريمة. ووزع نشطاء حركة حماس ملصقات وصور حديثة للشهيد، فيما قام أصحاب المحلات التجارية والمواطنون بإلصاقها على مداخل محلاتهم وفي صدر منازلهم. كما أدى المواطنون صلاة الغائب في غالبية مساجد الضفة الغربية ترحماً على روح المهندس، فيما دعا الوعاظ والعلماء المسلمين إلى التوجه إلى قرية رافات وبيوت العزاء في المدن للتعبير عن تضامن الشعب مع أسرة الشهيد. وتقول إحدى عائلات مدينة نابلس، بأن نجليها (6 و4 سنوات) رفضا تناول الطعام يوم السبت تأثراً وحزناً، وبقيا أمام شاشة التلفاز لمشاهدة أحداث جنازة المهندس(44).



2- شد الرحال إلى قرية رافات



خيمت حالة من الحزن والذهول على قرية رافات، مسقط رأس الشهيد القائد، واكتظت بممثلي وسائل الإعلام المحلية والأجنبية ومصوري شبكات التلفزة، بينما توجه الآلاف من المواطنين إلى منزل المهندس فور إذاعة أنباء جريمة الاغتيال. فقد هرع سكان القرية في أسى وألم إلى منزل الشيخ عبد اللطيف، وجلس الرجال في إحدى الغرف والنساء في غرفة أخرى في جو لفه الحزن والحداد، وكانوا يستمعون إلى الإذاعة كل دقيقة على أمل أن يعرفوا شيئاً عن تفاصيل الاغتيال(45).



وجاءت أنباء استشهاد المهندس في الوقت الذي كان فيه أفراد الأسرة يحتفلون مع أبناء القرية بالإفراج عن مرعي عياش بكفالة مالية مقدارها 3500 شيكل حيث خرج يوم الخميس الموافق 4/1/1996 بعد اعتقال دام ثلاثة شهور وعشرة أيام في معتقل مجدو بتهمة إجراء اتصالات مع شقيقه(46).



ولذلك، وجد الصحفيون صعوبة بالغة في إجراء مقابلات مع أقرباء الشهيد لتأثرهم بشخصية المهندس، حتى أن صحفياً أمريكياً بكى أثناء مقابلته والدة الشهيد، بينما أبدى صحفي أجنبي آخر تعاطفه مع أفراد العائلة. وأبلغ مصور شبكة تلفزيون عالمية الشيخ عبد اللطيف إنه كان يتمنى الالتقاء بيحيى والتعرف عليه عن قرب «فلقد كان عياش أسطورة عالمية» على حد تعبيره. ورد أبو يحيى، وهو يتمالك نفسه: «إن كان يحيى قد مات، فهذه ليست النهاية، فهو ليس سوى واحد من آلاف الفلسطينيين للمضي على الدرب نفسه». وأضاف الشيخ الصابر: «لقد تمنيت الشهادة لابني كي يذهب إلى الجنة. مات يحيى ولكن فلسطين وشعبها لن يموتا»(47).



أما والدة المهندس التي سقطت مغشياً عليها من أثر الصدمة فور سماعها نبأ الجريمة، فقد احتبست دموعها بعد أن عادت إلى هدوئها وطلبت من زوار المنزل عدم البكاء على يحيى، قائلة لهم بصوت وعبارات واضحة: «أرجو الله أن تكون الجنة مثواه، يحيى شهيد، والشهداء لا يبكى عليهم أحد»(48). ولكن يونس، الشقيق الأصغر للمهندس، لم يستطع حبس الدموع في عينيه وهو يسمع عبارات والدته، وبرر ذلك بقوله: «شعوري مزيج من الفرحة والحزن، الفرحة لأن يحيى دخل الجنة، والحزن لأن الفلسطينيين فقدوا واحداً من أبطالهم»(49).



ويضيف يونس: «إنه قطعة من قلبي، فهل يستطيع الإنسان العيش دون قلبه»(50).



أما رافات، القرية، فقد وصفها أحد الصحافيين الأجانب في تقرير كتبه: «عندما تدخل قرية رافات الصغيرة ستجد أنها هذه المرة قد اختلفت عما قبل، في شكلها وفي سحنات وجوه أهلها.. فجدرانها تغص بصورة المهندس حتى لم تدع حائطاً ولا عمود كهرباء إلا وتربعت صورة المهندس عليه. والجدران تراكمت عليها الشعارات، شيء كتب بالأحمر وآخر بالأزرق، حتى تظن أن جدران رافات عبارة عن سبورة لأطفال المدرسة الابتدائية. وعندما تتجول في أزقة القرية ترى الأطفال ينظرون إليك ويشيرون بإصبعهم إلى صورة المهندس ليلفتوا نظرك إليها. أحد الأطفال الصغار اقترب مني وقال: أتمنى أن أكون مثله، وطفل آخر قال لي أن أمه بكت كثيراً في البيت عندما سمعت نبأ استشهاد المهندس.

كان اسم يحيى يتردد على كل لسان وفي كل مجلس، وكما يقول الحاج سعد الدين: «إن يحيى هو ابن القرية لقد افتخرنا به جميعاً، لقد رفع رؤوسنا». وأما السيد محمد سعيد فيقول: «إن خبر استشهاد يحيى كان كالزلزال في القرية، لا تجد أحداً إلا وهو يبكي عليه حتى أن بعض النساء أخذن يصرخن عليه بصوت عال حتى اضطررنا لإسكاتهن». ويضيف السيد محمد سعيد: «إن يحيى كان محبوباً في قريتنا لقد كان معروفاً عنه الأدب والحياء». ويقول الطالب يوسف (18 عاماً): «إن يحيى أصبح مثالاً لطلاب كثيرين، وقد أصبحوا يلصقون صورته على حقائبهم وكراساتهم وخصص بعض المعلمين في المدرسة حصة من حصصهم للحديث مع الطلاب حول المهندس». وفي المدارس التي درس فيها يحيى كانت صوره تملأ الجدران واسمه كتب بالخط العريض على طول الجدار يحيى.. لن ننساك مهندس الأجيال يحيى الشهيد الحي»(51).



الجيش الإسرائيلي أعلن حالة التأهب القصوى في صفوف قواته العاملة في الضفة الغربية وكثف من تواجده حول رافات والقرى المجاورة، ونصب الحواجز العسكرية الثابتة على مدخل القرية. ولكن الوفود المعزية بالشهيد التي تدفقت مستخدمة الحافلات والسيارات الخصوصية وبعضها مشياً على الأقدام استمرت بالتدفق على بيت الشيخ عبد اللطيف طوال ساعات النهار وحتى ساعات متأخرة من الليل(52).



وكان لهذا التجاوب الشعبي أثره العميق على عائلة المهندس، إذ أن بيت المهندس لم يخلو من الزائرين الذين وفدوا من كل فج وصوب، فمن نابلس والخليل وأريحا وحتى من مدن فلسطين المحتلة منذ عام 1948. ولم يبق أحد من الناس سواء من رؤساء البلديات، والوجهاء، أو المخاتير إلا وأم البيت يعزي بالمهندس البطل. ويقول أحد الزائرين من مدينة أريحا : «لقد جئت إلى هنا لأن يحيى هو ابن الشعب الفلسطيني، إن المدن الفلسطينية جميعاً حزنت على يحيى». ويضيف مواطن آخر جاء من رام الله: «إن حضورنا للتعزية في هذا البطل هو واجب»(53).



ويصف لنا الحاج ساطي عياش (90 عاماً)، جد الشهيد القائد، الذي توسط جلسة العزاء، مشاعره والآثار التي خلفتها تلك الوفود فيقول: «يا ليتنا خلفنا خمسين مثل أبو البراء، يحيى إنسان مؤمن وحافظ للقرآن، والذين قتلوه لا يحبون السلام»(54). وكما قال أحد جيرانه: «إن اسم رافات لم يظهر إلى العالم إلا بعد بروز اسم يحيى. إنه يمثل لنا تاريخاً مشرقاً، إنه حقاً رمز لهذا الشعب وليس من رمز آخر يضاهيه»(55). وأما مرعي -شقيق المهندس- الذي لم يتوقف عن مصافحة الناس طوال تلك الفترة، فقد رفع ذلك من عزيمته ومعنوياته حيث صرح: «أرادوا تحطيم معنوياتنا بحرماننا من وداعه، لكنها مرتفعة مثل الجبل الذي تقع عليه القرية»(56).



ولعل أشمل ما يؤرخ لما شهدته قرية رافات أثر استشهاد المهندس، ما كتبه عطا عياش -عم المهندس- الذي يقيم في الأردن بعد زيارته للقرية، إذ يقول: «وصلت إلى قرية رافات بعد يومين من استشهاد يحيى عياش وتوجهت نحو بيت والده، فوجدت الجموع الحاشدة والمئات من الرجال والنساء ما بين رائح وغاد.. سيارات تنزل حمولتها وسيارات تنقل العائدين من تقديم واجب العزاء.



جميع رجال القرية كانوا متواجدين، صافحتهم كأي واحد من غير أبناء القرية ولم ينتبه لي إلا عدد قليل منهم بسبب كثرة القادمين. وصافحت والدي الذي لم أره منذ سنوات. وصافحت اخوتي أعمام الشهيد وأولاد أخي أشقاء الشهيد، كانت لحظات لا تُنسى اختلطت فيها مشاعر الشوق بمشاعر الحزن ومشاعر الفخر.



وكفكفت دموعي وتمالكت قدر استطاعتي، وتلوت قول الله تعالى على مسامع الحاضرين (^إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويُقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن). في اليوم التالي، ومنذ الصباح الباكر أخذت الجموع تتوافد من القرى والمدن والمدارس والجامعات. وكان الجميع يهتف: «كلنا يحيى عياش» و«الله أكبر ولله الحمد»... الوفود تتوالى وكل وفد يضم عدداً كبيراً من الناس بلغ أحياناً أكثر من خمسمائة، ويحرص كل قادم على مصافحة آل الشهيد ولسان حال الجميع جملة واحدة «يحيى ليس ابنكم وحدكم، بل هو ابن الشعب الفلسطيني وابن الأمة الإسلامية». ويقف المتحدثون والخطباء ليذكروا الشهيد بما هو له أهل وكانت أجهزة تكبير الصوت تنقل الكلمات إلى أبعد مدى. وقد غطت محطات التلفزة المحلية التي تبث داخل الضفة الغربية بعض هذه الكلمات والزيارات، وكانت الأغاني الحماسية والأناشيد الإسلامية تصدح من حين لآخر.



ومن الوفود التي تركت زيارتها لآل الشهيد الأثر الكبير وفد مدينة خليل الرحمن الذي ضم أكثر من (350) شخصاً تمكنوا من الوصول من أصل (1000) شخص.



وإن نسيت فلن أنسى لحظة وصول والد الشهيد قادماً من غزة بصحبة والدته وأفراد أسرته بعد المشاركة في تشييع جثمان الشهيد، هتاف «الله أكبر» شق عنان السماء، ثم خنقت الجميع العبرات وانهمرت القبلات على رأس والد الشهيد.



وأخذ والد الشهيد يشرح بعض ما رأى وما سمع في غزة، وكان مما قال: إن عدد من خرج في جنازة الشهيد يقارب نصف مليون، كل أبناء قطاع غزة خرجوا. وبلغ طول الجنازة (12) كم. ولم أجد تفسيراً لخروج هذه الجموع الحاشدة إلا أن الله قد أحب هذا الشهيد فألقى محبته في قلوب أهل الأرض والسماء»(57).



3- أضخم جنازة في تاريخ فلسطين



ودع الشعب الفلسطيني جثمان الشهيد يحيى عياش باحتفال يليق بالأبطال، ولو قدر لأهلنا في الضفة الغربية وفي الشتات المشاركة، لفاق عدد المشاركين المليون. ورغم ذلك، خرج قطاع غزة من أقصى الجنوب في رفح وحتى أقصى الشمال في بيت حانون برجالهم ونسائهم، وشيبهم وشبابهم، وبأطفالهم وفتياتهم، ليودعوا المهندس الذي أرق على مدى السنوات الأربع الأخيرة مضاجع المؤسسة السياسية والأمنية في الكيان الصهيوني. وقدرت وسائل الإعلام عدد المشاركين بأربعمائة ألف شخص، في حين ذكرت القناة الثانية في التلفزيون الإسرائيلي أن عدد المشيعين بلغ ثلاثمائة ألف شخص(58). ورغم هذا الفارق في التقدير إلا أنه يبقى أكبر موكب تشييع شهدته فلسطين، إذ استغرقت مسيرة الموكب أكثر من أربع ساعات، وحين وصل الجثمان مقبرة شهداء الانتفاضة، كان آخر موكب التشييع ما زال عند مسجد فلسطين على بعد عشرة كيلو مترات(59).



استيقظ قطاع غزة في صباح السبت الموافق 6/1/1996 على مكبرات الصوت في المساجد وهي ترتل آيات القرآن الكريم، ولم يبق مسجد أو مصلى إلا وصدحت فيه آيات الذكر الحكيم. وفي الساعة العاشرة والنصف، بدأت الجموع تتوافد إلى مسجد فلسطين -أكبر مساجد غزة. وغصت باحة المسجد والساحة التي حولها بالآلاف عند اقتراب عقارب الساعة من الحادية عشرة، ولم يتسع المسجد والمنطقة لكل المشيعين الذين اضطر عدد كبير منهم للصلاة في الشارع. وأقبلت مظاهرة ضخمة بلغ تعدادها حوالي خمسة آلاف طالب سارت من الجامعة الإسلامية وجامعة الأزهر إلى مسجد فلسطين، ثم أقبلت مظاهرة أخرى من جهة مخيم جباليا وبيت لاهيا وشمال قطاع غزة ترفع اللافتات وصور المهندس، وحمل المتظاهرون أعلاماً خضراء ورايات سوداء إلى جانب الأعلام الفلسطينية وأكاليل الزهور(60). وكان مجلس طلبة الجامعة الإسلامية قد نظم في وقت سابق مهرجاناً خطابياً في الجامعة أحرق خلاله الطلاب أعلاماً إسرائيلية وهتفوا «الانتقام.. الانتقام يا كتائب القسام» داعين الجهاز العسكري لحركة حماس إلى «الانتقام بأسرع وقت لدماء يحيى عياش»، ثم انتظموا في مسيرة نحو مسجد فلسطين(61).



وهكذا بدأت المنطقة تمتلىء شيئاً فشيئاً حتى لم يعد هناك موطىء لقدم، مما اضطر العاملون في شبكات الإعلام والتلفزة العالمية إلى التناثر بين الجموع وهم يحركون آلات التصوير والأقلام بصعوبة بالغة لتسجيل أقوال الذين تجمعوا لوداع المهندس. وشقت دراجتان ناريتان تصاحبهما سيارة شرطة تابعة لسلطة الحكم الذاتي وتتبعهما سيارة إسعاف طريقها وسط الجموع الغفيرة. وما أن وقفت سيارة الإسعاف التي أقلت جثمان الشهيد، حتى هجمت عليها الجموع بعدما رأت النعش داخلها، وتعالت الهتافات: «الله أكبر.. الله أكبر» و«كلنا يحيى عياش.. كلنا يحيى عياش» و«لا تفرح يا بيريز كلنا يحيى عياش» و«الموت لإسرائيل.. الموت لأمريكا». وبصعوبة بالغة وشديدة أُخرج النعش من السيارة وأُدخل إلى المسجد، وتزاحمت عليه الجموع التي وقفت في ذهول شديد، فالبعض جلس على الأرض وأخذ يبكي بحرارة، والبعض أخذ يصرخ «الانتقام.. الانتقام يا كتائب القسام» و«فرحتك لن تكتمل يا بيريز». وألقيت المنشورات التي تحمل توقيع كتائب عز الدين القسام بالإضافة إلى صور الشهيد القائد من سطح المسجد، ثم جاء عدد من مجاهدي الكتائب وأخذوا يطلقون النار بغزارة، فاهتاجت الجماهير وأخذت تهتف «تحية لكتائب عز الدين»(62).



وكثر الهرج والمرج داخل المسجد، فقد تدافع المئات حول نعش المهندس، كلهم يريد أن يلقي النظرة الأخيرة على الشهيد، ولم تنفع محاولات الشيخ محسن أبو عيطة والدكتور محمود الزهار اللذين كانا على المنبر، وقد بح صوتهما وهما يناديان الجموع الغفيرة أن تبتعد عن النعش، ولكن أحداً لم يسمع، وكأنهم لم يصدقوا أن هذا المسجى أمامهم هو المهندس الذي دوخ دولة بأكملها. وتسببت حالة الإرباك والفوضى في تأخير صلاة الظهر أكثر من مرة. ولم يستطع القائمون على شؤون الجنازة السيطرة على الوضع إلا بعدما أعلن الشيخ محسن أبو عيطة بأن والد المهندس قد وصل من الضفة الغربية. فاندفع المئات نحو الشيخ عبد اللطيف عياش، وحملوه على الأكتاف، وداروا به حول المسجد وهم يهتفون: «كلنا يحيى عياش». ومن كتف إلى آخر، نقلت الجماهير والد المهندس وأدخلته إلى المسجد. وبعد معاناة شديدة، أقيمت صلاة الظهر ثم صلاة الجنازة على الشهيد(63).



دقيقة صمت سادت بعد الصلاة على الشهيد، ترقرقت فيها عيون الرجال والنساء بالدموع، وشوهد أحد رجال الشرطة الفلسطينية ممسكاً بمنديله وهو يبكي، وكان يقول: «كيف لا نبكي على مثل هؤلاء الأبطال». ولم تلبث هذه الأجواء المفعمة بالحزن والبكاء أن شحنت بالحماس حين أخرج الشباب نعش المهندس إلى شاحنة كبيرة لنقله إلى مقبرة الأوقاف الإسلامية (شهداء الانتفاضة) الواقعة إلى الشرق من حي الشجاعية بمدينة غزة. فقد انطلق مئات الألوف وراء الجثمان وهم ينشدون «اليوم يوم الغضب والثورة نار ولهب» وأخذ موكب الجنازة تتقدمه سيارات شرطة وقادة حركة حماس وممثلون عن كافة الفصائل والتيارات السياسية في قطاع غزة ومسؤولين من سلطة الحكم الذاتي، يشق طريقه ببطء شديد نتيجة الحشود البشرية غير المعهودة التي حرصت على المشاركة في زف الشهيد إلى مثواه الأخير، رغم المسافة الطويلة التي قطعتها مشياً على الأقدام. فقد امتلأت الشوارع والطرقات والأزقة وأسطح المنازل والشرفات، ولم يعد هناك شارع واحد يمكن المرور فيه، والكل كان يبكي -رجالاً ونساءً وأطفالاً وشيوخاً- وهم يرددون الهتافات والتكبيرات التي تعكس المشاعر الغاضبة والساخطة. ولأكثر من أربع ساعات، لم يستطع الموكب أن يصل إلى المقبرة، وإن كان قد استطاع أن يصل إلى شارع الوحدة -النصر مروراً بشارع عمر المختار الذي يعد أكبر شوارع قطاع غزة(64).



وعند نهاية شارع الوحدة، التفت الجماهير حول سيارة وفدت من أحد الشوارع الفرعية كانت تضم خمسة من قادة كتائب عز الدين القسام. واندفعت الجماهير تحمل المجاهدين الخمسة على الأكتاف باتجاه الشاحنة حيث قام المجاهدون بإطلاق النار تحية للمهندس. ثم حمل الشباب براء يحيى عياش على الأكتاف، ووضعوا بين يديه بندقية وساعدوه في الضغط على الزناد، بينما رددت الجماهير على الفور «الله أكبر»(65).



اقترب موعد صلاة المغرب، ولم تتمكن الشاحنة التي أقلت جثمان الشهيد من الوصول إلى المقبرة من كثرة حشود المشيعين، فاضطر أحباب المهندس إلى حمل الجثمان على الأكتاف. وعندئذ، اندفعت آلاف الأيدي تريد أن تنال شرف وثواب حمل جثمان الشهيد، وأدى كثرة المتزاحمين إلى تهلهل التابوت وتفكك عراه. وبعد جهد، وعناء شديدين تمكن المشرفون على الجنازة من إدخال الجثمان إلى المقبرة حيث اصطفت ثلة من الشرطة الفلسطينية، أطلق أفرادها (21) طلقة ثم قاموا بأداء التحية العسكرية للشهيد القائد. وقبل مواراة جثمان المهندس الثرى في مثواه الأخير، رفعت الجماهير وهي تهلل وتكبر وتصرخ بالثأر، الشيخ عبد اللطيف على الأكتاف وأوصلته إلى الجثمان، لإلقاء النظرة الأخيرة عليه وتوديعه. كما وضعت الوالدة الصابرة أم يحيى القبلة الأخيرة على جبين المهندس، مما أثار حماس الجماهير، فأخذت تهتف في سماء غزة «الله أكبر.. الله أكبر.. يحيى لن يموت.. يحيى لن يموت». وأطلق القساميون زخات كثيفة من الرصاص عند إنزال الجثمان للقبر، وعندئذ صدح عريف الموكب: «إن مرشحنا هو يحيى عياش، وإننا نفتح باب الترشيح لمن أراد أن يخلف المجاهد الشهيد يحيى عياش». فانطلقت آلاف الألسن تهتف: «نبايع على الشهادة.. نبايع على الموت في سبيل الله»(66).



وعادت الجماهير إلى حمل والد المهندس على الأكتاف وأوصلته إلى شاحنة كبيرة ثبت عليها مكبرات للصوت. وخاطب أبو يحيى مئات الآلاف من المشيعين قائلاً: «يا أهل غزة هاشم نحييكم ونشكركم على هذه المسيرة.. الشهيد ابنكم، منكم وإليكم.. ضحى من أجلكم وأجل وطنه الغالي، وهذا هو يحيى مات في أرضكم... هنيئاً لكم يحيى.. كلكم أبنائي وكلكم يحيى.. الله أكبر ولله الحمد.. إن يحيى ليس ابني لوحدي، فهو ابن كتائب عز الدين القسام». وأما والدة المهندس، فقد بادرت الجماهير بالزغاريد مرددة: «كلكم يحيى، كلكم أبنائي.. الله يحميكم ويحمي جميع الشباب.. يحيى أغاظ في حياته اليهود، وليس هناك ما هو أجمل من الشهادة»، ثم رفعت أم يحيى يدها ودعت قبل أن يغمى عليها بسبب الإجهاد والحزن: «الله يرضى عليك يا يحيى يا ابني.. أقبل يحيى شهيد يا رب.. الله يرضى عليك يا يحيى مع الشهداء.. جميعكم يحيى عياش»(67).



بآيات من الذكر الحكيم تلاها المقرىء الشيخ بسام الصيفي، ابتدأ كلمات التأبين حيث كان جمال زقوت -أمين سر حركة فدا- أول المتحدثين، ثم ألقى الشيخ نافذ عزام، أحد قادة حركة الجهاد الإسلامي كلمة تبعه الشيخ أحمد بحر، فالشيخ محمد طه وأخيراً ألقى الدكتور محمود الزهار كلمة باسم حركة حماس(68).



4- مهرجانات عزاء وتأبين في كل مدينة



ما حصل خلال الساعات الأربع أو الخمس، وهي الفترة الزمنية التي استغرقتها زفة الشهيد يحيى عياش من مسجد فلسطين وحتى مواراة جثمانه الطاهر في مقبرة الشهداء، من أمور وأحداث ومشاهدات لا يمكن لعدسة آلة التصوير أن تسجلها بدقة. فلئن سجل شريط الفيديو كيف كانت أمواج البشر تتقاذف النعش قبل أن يوارى الثرى، وكيف كان الشباب يتسابق ليلقي نظرة على جثمان الشهيد أو لمس النعش على الأقل، إلا أن الأشرطة لم تلاحظ عياناً كيف يكرم الله الشهداء وذويهم في الدنيا قبل الآخرة. ففي غزة، وكما يُحدث والد الشهيد، كان يحرص كثير من الناس على تقبيل يده، ولما كان يمتنع أو يرفض ذلك يقسمون عليه أنه إذا لم يقبلوا يده فسيقبلون قدمه. وفي نابلس، تجمع أكثر من ثمانين ألفاً من أبناء فلسطين في أكبر ميادين جبل النار ليشاركوا في تأبين المهندس، والسعيدة من النساء من كانت تلمس كتف والدة الشهيد أو تلقي نظرة على وجهها من بعيد لأنها لم تتمكن من مصافحتها. وعندما كان والد الشهيد يقف ملوحاً بيديه لتحية الجماهير، تنطلق الهتافات تهز الجبال «الله أكبر.. الله أكبر.. الله أكبر ولله الحمد كلنا يحيى عياش»(69).



وفي الضفة الغربية، قدم عشرات الآلاف واجب العزاء لقادة الحركة الإسلامية هناك. ففي جنين، افتتح بيت عزاء بمبنى البلدية حيث أمه العديد من الوفود الشعبية والنقابية. وافتتح في قاعة الغرفة التجارية الصناعية في مدينة رام الله بيت عزاء آخر، أمه أعداد كبيرة من المواطنين والعديد من ممثلي الفصائل والمؤسسات ووفد من العلماء المسلمين ورجال الدين المسيحي ومجموعة من كبار الضباط والمسؤولين في سلطة الحكم الذاتي. كما قام الآلاف بتقديم واجب العزاء والمواساة لشقيقي المهندس وأعمامه في قرية رافات، وزارت وفود طلابية وأكاديمية منزل الشهيد، وقدموا لذويه التعازي نيابة عن المجالس الأكاديمية والهيئات الإدارية ومجالس الطلبة وكافة العاملين(70).



وما أن انتهت أيام الحداد الثلاث، حتى بادرت المدن الفلسطينية إلى تنظيم مهرجانات التأبين التي جذبت عشرات الآلاف من عشاق المهندس وحماس، وكانت البداية في ساحة المهد بمدينة بيت لحم. فقد شهدت الساحة، احتفالاً تأبينياً حضره آلاف المواطنين، وشاركت فيه سلطة الحكم الذاتي بمختلف أجهزتها، وألقيت خلال المهرجان الذي نظم مساء يوم الثلاثاء الموافق 9/1/،1996 عدة كلمات من بينها كلمة الحركة الإسلامية ألقاها الشيخ غسان هرماس تبعه العميد أبو خالد اللحام، مستشار ياسر عرفات، ثم كلمات أخرى مثلت عدداً من القوى الفلسطينية مثل حركة فتح والجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية. كما نظم النادي الثقافي في جامعة بيت لحم حفلاً تأبينياً آخر يوم الأحد الموافق 11/2/،1996 حضره حشد كبير من طلبة الجامعة والفعاليات الوطنية والإسلامية ورجال الدين الإسلامي والمسيحي إضافة إلى والد الشهيد ووالدته وشقيقه وزوجته وابنه براء. وقد تخلل الاحتفال العديد من الأناشيد والعروض الرياضية، واختتم بتكريم عائلة الشهيد من خلال تقديم الهدايا الرمزية(71).



وفي حفل التأبين الذي نظمته الحركة الإسلامية في لواء سلفيت عقب الجنازة المهيبة للمهندس في قطاع غزة، شهدت قرية رافات تجمعاً حاشداً فاق الثلاثة آلاف مشارك، على الرغم من الحواجز المكثفة للجيش الإسرائيلي في محيط القرية والقرى المجاورة والتي منعت مئات السيارات من الوصول إلى رافات واحتجزت اثني عشر حافلة كبيرة وفدت من عدة مدن فلسطينية. ولأن المكان المعد للمهرجان لم يتسع للحضور، فقد اضطر العشرات للصعود على أسطح المنازل وسطح المسجد. وقد بدأ المهرجان في نحو الساعة (45:12) من بعد ظهر يوم الثلاثاء الموافق 9/1/،1996 بوقوف الحضور وتقديمهم التحية العسكرية للشهيد القائد ثم هتف المشاركون بالتحية للشيخ أحمد ياسين والشيخ عز الدين القسام. ووزع أهالي القرية كميات كبيرة من التمر على الحضور، بينما حمل مئات الأطفال والشباب صور المهندس ولوحوا بها وشاركهم العشرات من كبار السن والعجائز بالتلويح بالحطة والعقال. وبعد كلمتي الحركة الإسلامية وعائلة الشهيد اللتين ألقاهما الشيخ ماهر الخراز وعم المهندس، تم ذبح كبشين (عقيقة) عن المولود الجديد -يحيى الصغير ثم جرت مسيرة كبيرة طافت شوارع القرية وهي ترفع الأعلام والرايات وصور المهندس وانتهت إلى بيت الشهيد.وكان عبد الحميد عاصي -شقيق الشهيد علي عاصي- بين شقيقي المهندس طوال فترة المهرجان (72).



عند عودة والد ووالدة المهندس برفقة زوجته وطفلاه من قطاع غزة، كان في انتظارهم استقبال حاشد من الجمهور الفلسطيني كله حفاوة واحترام شارك فيه المئات. ورغم دلائل الإنهاك والتعب الشديد على وجه العجوزين، إلا أنهما لم يمكثا لوحدهما على الإطلاق، حتى بعد انتهاء أيام الحداد السبع التقليدية. ولفترة طويلة، استقبلت أسرة المهندس مئات المعزين الوافدين من مختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية المحتلة(73). وفي عيد الفطر، وهو العيد الأول بعد استشهاد المهندس، تدفقت الوفود من كل مدن وقرى الضفة الغربية لزيارة بيت المهندس في وقفه تضامنية مما كان له أبلغ الأثر في التخفيف عن آل عياش. وتسابق الزوار على حمل البراء، نجل المهندس، وأخذ الصور التذكارية معه. ويقول يونس، الشقيق الأصغر ليحيى، أن هذا العيد هو الأول الذي يكون فيه وشقيقه مرعي خارج السجن منذ مطاردة العدو للمهندس. ويضيف يونس بأنه لم يتمكن من الخروج من بيت العائلة بسبب كثافة الوفود الزائرة(74).



ولئن تحولت مدينة خليل الرحمن إلى ثكنة عسكرية لكثرة عدد الجنود الذين يجوبون شوارعها والحواجز العسكرية التي أقيمت عند مفترقات الطرق مما حال دون تنظيم أي نشاط جماهيري تكريماً للمهندس الذي مسح دموع أيتام الحرم الإبراهيمي، إلا أن الحركة الإسلامية في بلدتي دورا وبني نعيم نظمتا مهرجاني تأبين. فقد اشترك ما يزيد على سبعة آلاف فلسطيني في مسيرة احتجاجية طافت معظم الشوارع في دورا، لتستقر بعد ذلك أمام مسجد دورا الكبير حيث افتتح الشيخ نايف الرجوب المهرجان التأبيني للشهيد. وكانت كلمة حركة (حماس) للشيخ فتحي عمرو الذي تحدث عن كرامات الشهيد ثم تحدث أحد ضباط شرطة الحكم الذاتي في البلدة حيث وجه التحية إلى الحركة الإسلامية وأبطالها. وبعد كلمة بلدية دورا، تحدث مندوب عن حركة الجهاد الإسلامي ومندوب عن الجبهة الشعبية ومندوب عن حركة فتح. وأختتم المهرجان بكلمة حركة حماس في بلدة دورا ثم كلمة الحركة الإسلامية في مدينة الخليل. وأما المهرجان التأبيني والمسيرة الحاشدة التي نظمتها الحركة الإسلامية في بلدة بني نعيم، فقد ضمت ثلاثة آلاف مواطن، وشاركت أيضاً جميع الاتجاهات السياسية في إلقاء الكلمات التأبينية(75).



وفي وسط مدينة نابلس، وبحضور عائلة المهندس وممثلي الفصائل والمؤسسات الفلسطينية، شارك نحو ثمانين ألف مواطن في المهرجان التأبيني المركزي الذي نظمته حركة (حماس) في نابلس ومخيماتها وقراها. وابتدأ المهرجان بمظاهرة حاشدة سارت في شوارع المدينة وهي تحمل نعشاً فارغاً تعبيراً عن السخط والغضب لعدم المشاركة في وداع الابن البار لفلسطين. وقد حمل المتظاهرون أيضاً، براء يحيى عياش على أكتافهم، وخلال الكلمات التي ألقاها ممثل الحركة الإسلامية في نابلس ومندوبي الفصائل والاتجاهات السياسية، بثت كلمة المهندس إبراهيم غوشة -الناطق الرسمي لحركة حماس- عبر الهاتف من عمان بالأردن(76).



وبمناسبة مرور أربعين يوماً على استشهاد المهندس وتكريماً لشهداء جنين - علان أبو عرة وعبد الرحيم جرادات وطارق منصور- نظمت الكتلة الإسلامية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس مهرجان (عرس الشهداء) حضره عشرة آلاف شخص بالإضافة إلى عائلة يحيى عياش وذوي الشهداء الثلاثة. وافتتح المهرجان الذي جرى على أرض الجامعة يوم السبت الموافق 10/2/1996 بتلاوة عطرة من القرآن الكريم تلاه الاستعراض والكشافة الذين رفعوا الأعلام والرايات وصور شهداء كتائب القسام ثم ألقى الشيخ ماهر خراز كلمة تحدث فيها عن كرامة الشهداء عند الله مطالباً بوضع اسم المهندس فوق جميع كليات الهندسة في الجامعات الفلسطينية. وجدد جمال منصور في كلمته معارضة حماس للاتفاقيات والانتخابات، وندد بمقتل عناصر حركة الجهاد الإسلامي في غزة الأسبوع الماضي على يد الشرطة الفلسطينية.وبعد كلمة شقيق الشهيد علان أبو عرة، قام الشيخ جمال سليم بتوزيع الدروع التقديرية على عائلات الشهداء وسط تصفيق وهتاف الجماهير، بينما قام عدد من الشبان بحمل والد الشهيد ونجله براء على الأكتاف فوق المنصة(77).



أما مدينة غزة التي احتضنت جثمان الشهيد وودعته بما يليق بالقادة الأبطال، فقد أبت إلا أن تحيي المهندس بمهرجان تأبيني أعلنت من خلاله أنها قبلت التحدي. ففي يوم الجمعة الموافق 12/1/،1996 ضاق ملعب اليرموك بأكثر من عشرين ألف من أبناء فلسطين، ولم يعد هناك موطىء قدم. وبدأ الحفل بآيات من الذكر الحكيم ثم انطلق صوت عريف الحفل الشيخ محسن أبو عيطة هادراً ومعلناً لترتفع صور الشهيد يحيى عياش، فانطلقت البالونات وهي تحمل صور الشهيد صاعدة إلى السماء كما صعدت روح الشهيد. وهنا، رفع الآلاف صور الشهيد عالياً، وقام شبان ملثمون بإحراق علم الكيان الصهيوني. ومع بداية المهرجان، أرسل الشيخ محسن أبو عيطة برقية عاجلة إلى بيريز معلناً: «أننا قبلنا التحدي، ودفعنا ضريبة التحدي ولكن فاتورة الحساب لم تغلق، بل لم تفتح بعد. إننا على موعد لأن دمنا غال. ولن يذهب هدراً، فالدم يطلب الدم». وهنا، ظهر ملثمون من حركة حماس وهم يحملون صور المهندس، ويقفون فوق العلم الإسرائيلي، ويؤدون التحية العسكرية للشهيد القائد(78).



وتقدمت شقيقة الشهيد صلاح جاد الله برسالة نيابة عن زوجة المهندس مؤكدة أن يحيى لم يمت فهو حي في السماء وشبحه على الأرض يلاحق الأعداء. وأضافت ابنة حماس بأن يحيى طارده جيش بأكمله، وطارد هو جيشاً بأكمله، وتساءلت من انتصر، عياش أم الجيش؟ وهنا، هتف آلاف المواطنين بصوت واحد: عياش. وفي هذه اللحظات، تقدمت عناصر ملثمة ومكشوفة من كتائب عز الدين القسام، ودخلت بين الأجساد المتلاصقة لتصعد إلى المنصة وتؤدي التحية العسكرية للشهيد القائد وسط زخات من الرصاص والزغاريد والهتاف باختلاط عجيب، لم يعد المرء معه أن يفرق بينها. وقال أحد عناصر الكتائب: «لقد جئنا لنقول للمسؤولين في جهاز المخابرات الإسرائيلية ولزعماء دولة اليهود أنكم ستدفعون ثمن إرهابكم غالياً. نعم، لقد قتلتم المهندس، ولكنه ترك خلفه طابوراً من المهندسين». وعاهدت الكتائب الجماهير بألا يهدأ لهم بال حتى يصلوا لما يرض هذه الجماهير ويشف صدورها.وتحدث المهندس إبراهيم غوشة عبر الهاتف، ثم ألقى الدكتور محمود الزهار كلمة نيابة عن حركة حماس في قطاع غزة، تبعه الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي عبر الهاتف من دمشق، فقال الدكتور رمضان شلح: «إننا نبارك للشهيد ولوالدته وزوجته، ولحماس وللشعب الفلسطيني وأمتنا وأبارك جوهرة فلسطين وتاج الأمة، المهندس يحيي عياش». كما تحدث عبر الهاتف من دمشق أيضاً، أحمد جبريل -الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة)- فأكد أن الحديث عن رجل مثل يحيى عياش صعب وأن تضحياته وما قدمه من أجل فلسطين وعزتها قد جعله في مقدمة الرجال(79).



وعاشت منطقة رام الله واللواء في عرس حاشد حيث نظمت الحركة الإسلامية مهرجانات تأبينية للشهيد يحيى عياش في مدينة رام الله والبيرة ومخيم الأمعري. ففي يوم الجمعة الموافق 12/1/،1996 أقام مركز شباب الأمعري مهرجاناً تأبينياً في ساحة المركز ألقيت فيه كلمات عددت مناقب الشهيد. وتخلل المهرجان أيضاً الأناشيد الإسلامية والوطنية وعروض الكشافة(80).



وعبر أجواء حماسية، ووسط هتافات التحية للمهندس الذي تناثرت صوره الفوتوغرافية الملصقة على الصدور، تجمع أكثر من أربعين ألفاً في ساحة مدرسة الفرندز للبنين، يميناً وشمالاً وعلى جميع أسطح البنايات وحول الأسلاك الشائكة المحيطة بالملعب، من أجل المشاركة في إحياء مهرجان التقدير والاحترام للشهيد القائد وإعزازاً وإكباراً ومؤازرة لأهله وذويه. وقد بدأ المهرجان الذي جرى يوم السبت الموافق 13/1/،1996 بمسيرة كشفية انطلقت من مدرسة بنات البيرة الثانوية وسار خلفها شباب مدينتي رام الله والبيرة الذين تجمعوا من أجل تقديم واجبهم الإسلامي والوطني، وصاحب ذلك أيضاً عروض لمجموعة من الخيالة أطلق عليها (خيالة عياش). ثم افتتح المهرجان بتلاوة عطرة من آيات الذكر الحكيم، تبعها كلمة الكتلة الإسلامية في جامعة بير زيت، فكلمة المفوض السياسي لشرطة رام الله. كما تحدث المهندس إبراهيم غوشة عبر مكالمة هاتفية مسجلة بثت في المهرجان أكد فيها بأن دم الشهيد لن يذهب هدراً، وأن المجرمين الصهاينة سيدفعون الثمن آجلاً أم عاجلاً. ومن جهته، ألقى الدكتور محمد صرصور -نائب رئيس جامعة بيرزيت للشؤون المالية والإدارية- كلمة حيا فيها أهل الشهيد وأشاد به معدداً المناقب التي امتاز بها منذ تقدمه بطلب الالتحاق بالجامعة عام ،1984 ونقل تعازي رئيس الجامعة والطلبة لذوي الشهيد وأبناء الحركة الإسلامية(81).



وألقى والد الشهيد كلمة شكر فيها الحضور وكل الشعب الفلسطيني، وقال مخاطباً الجمهور: «في كل مرة حدثت فيها عملية عسكرية كانوا يقولون لي: مات عياش فيها، ولكني كنت أقول لهم: الله يرضى عليه،إن الشعب كله عياش». فتعالت الهتافات من قبل الجمهور: «كلنا يحيى عياش، بالروح بالدم نفديك يا عياش». وهنا، وقفت زوجة الشهيد تخاطب الجماهير قائلة: «والله إني لأعتز وأفتخر أن أكون زوجة للشهيد البطل يحيى عياش، وأقول لليئا رابين الحمد لله الذي جعلها تخسر زوجها قبل أن يهنأ بمقتل زوجي، إنها الآن حزينة على فراق زوجها، أما أنا فإني فخورة باستشهاد زوجي». فكانت هذه الكلمات وقوداً إضافياً لحماس الجماهير(82). وألقت لجنة المؤسسات الوطنية والإسلامية في مدينتي رام الله والبيرة كلمة في المهرجان أشادت فيها بالمهندس كرمز من رموز الحركة الوطنية والإسلامية، تبعها كلمة حركة حماس ألقاها الشيخ حسن يوسف، أعقبها تكريم لأهالي الشهداء(83).



ولم تتخلف مدينة جنين عن عرس الشهيد، فأقامت الحركة الإسلامية يوم الثلاثاء الموافق 16/1/1996 مهرجاناً تأبينياً حاشداً حضره نحو خمسين ألفاً من الرجال والنساء بالإضافة إلى ممثلين عن كافة الفصائل الفلسطينية وأهالي الشهداء يحيى عياش ورائد زكارنة وعمار عمارنة. وأكد الشيخ جمال سليم في الكلمة التي ألقاها باسم حركة حماس أن يحيى عياش احتل المرتبة الأولى في قلوب وضمائر الناس وأن استشهاده وحد الشعب الفلسطيني الذي هتف بأكمله باسم يحيى عياش. وفيما وجه المفوض السياسي للسلطة الفلسطينية في جنين تحيات الإجلال والإكبار للشهيد وكافة شهداء الشعب الفلسطيني، اعتبر عدنان الصباح في كلمته باسم الجبهتين الشعبية والديمقراطية أن الشعب موحد خلف شهداءه. كما تحدث الدكتور همام سعيد -النائب في البرلمان الأردني- عبر الهاتف، مؤكداً أن حركة الإخوان المسلمين في الأردن ستبقى تدعم نهج الجهاد وأنها لا تعترف باتفاقيات السلام. وألقى الشيخ جمال أبو الهيجاء، الناطق باسم الحركة الإسلامية في جنين، كلمة أيضاً تبعه خالد سعيد بقصيدة رثاء للشهيد يحيى عياش. وعبرت زوجة المهندس في كلمة عاطفية ألقتها في المهرجان أنها تفتخر بأن تكون زوجة ليحيى وأنها تحتسبه عند الله تعالى. وتخلل الاحتفال أناشيد وهتافات ورفعت فيه لافتات ضخمة رسمت عليها صور الشهيد(84).



وفي ذكرى أربعين الشهيد يحيى عياش، نظمت الكتلة الإسلامية في جامعة القدس مهرجان (عرس الشهادة) ضمن فعاليات (أسبوع العهد والوفاء) في قاعة كلية العلوم والتكنولوجيا بأبو ديس يوم 14/2/1996. وبدأ المهرجان بتلاوة آيات من الذكر الحكيم ثم كلمة الشيخ حسن يوسف، تبعه الشاعر خالد السعيد الذي استعرض عدة خواطر وأبيات كتبها في استشهاد المهندس. وعدد شقيق الشهيد في كلمته مناقب المهندس شاكراً القائمين على المهرجان وكافة الحضور، ثم ألقى أحد الطلبة كلمة الكتلة الإسلامية. وفي نهاية المهرجان الذي حضره جموع من المواطنين والشخصيات والطلاب وتخلله الأناشيد والهتافات، قدمت الكتلة الإسلامية الدروع لوالد الشهيد وبإصرار عياش ونجل الشهيد زهير فراح بالإضافة إلى درع شهيد مجزرة الحرم الإبراهيمي حاتم الفاخوري(85).



وبتجمع ما يقرب من أربعين ألفاً في ساحة الشهداء بوسط مدينة قلقيلية، أقام أنصار حركة (حماس) يوم الجمعة الموافق 23/2/1996 مهرجاناً تأبينياً للمهندس يحيى عياش بحضور العديد من الشخصيات التي تمثل مختلف الفصائل الفلسطينية، حيث رفعت الأعلام واللافتات وأطلقت الشعارات التي تندد بسياسة الاحتلال. وألقى الشيخ حسن يوسف كلمة حماس، فدعا إلى ضرورة إطلاق سراح المعتقلين في السجون الإسرائيلية وعلى رأسهم الشيخ أحمد ياسين(86).



5- المواليد الجدد يحملون اسم يحيى عياش



تحول اسم (يحيى عياش) إلى أحد الأسماء المحبوبة في الضفة الغربية وقطاع غزة، تخليداً لذكرى المهندس الأسطورة،إذ قامت (25) عائلة فلسطينية بإطلاق اسم (يحيى عياش) على مواليدها الذين ولدوا أيام الجمعة والسبت والأحد. ونقلت الصحف العبرية عن ذوي ثلاثة مواليد ذكور ولدوا في مشافي قطاع غزة يومي السبت والأحد وأطلق عليهم اسم (يحيى عياش) قولهم إن المهندس يحيى عياش يعتبر «قائداً فذاً وبطلاً قومياً وشعبياً والإفراج به». وذكر والد أحد هؤلاء الأطفال، وهو عضو في حركة فتح: «لست عضواً في حماس، إنني فلسطيني فخور جداً ببطولة المهندس... لقد أصبح شهيداً وهو يرقد الآن في جنان الخلد، لقد قررت إعطاء ابني هذا الاسم تخليداً لذكرى يحيى عياش، وآمل أن يصبح ابني مثله»(87).



6- أهالي الجولان يعزون بالمهندس



نظمت الفعاليات الشعبية والوطنية والبلديات في مرتفعات الجولان السورية المحتلة وفداً، قام بزيارة منزل عائلة الشهيد يحيى عياش في قرية رافات لتقديم التعازي نيابة عن أهالي الهضبة لآل عياش. وقد أعلن الوفد خلال الزيارة تضامن أهل الجولان الكامل مع عائلة المهندس، واستنكارهم لعملية الاغتيال. كما عبر الوفد عن استيائه للتصعيد الخطير من قبل الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، وسياسة التصفية الجسدية التي تقوم بها ضد المجاهدين الفلسطينيين. وجاء في كلمة رئيس الوفد بأن المهندس يعتبر نموذجاً للكفاح الفلسطيني وظاهرة جديدة حازت على ثقة الشعب الفلسطيني(88).



7- غضب شعبي في الأردن



أصابت الشارع الأردني حالة من الذهول في أعقاب الإعلان عن اغتيال المهندس، وسادت حالة من الحزن والشعور بالألم والمرارة في الأوساط الشعبية التي رأت في استشهاده خسارة كبيرة. وقد أظهر التعاطف الواسع مع الشهيد يحيى عياش وعائلته أنه لم يعد حكراً على حركة حماس أو الشعب الفلسطيني، بل تكرس كأسطورة ورمز وبطل وطني وقومي. فمظاهر الحزن كانت واضحة على وجوه المواطنين الذين تابعوا باهتمام كبير عبر وسائل الإعلام تفاصيل جريمة الاغتيال. ووقفت الفعاليات الأردنية الشعبية والحزبية وقفة تستحق التقدير، إذ توافدت هذه الفعاليات بالعشرات و المئات على بيوت العزاء ومهرجانات التأبين في عمان والزرقاء واربد، وسجل معظمهم كلماتهم المعبرة عن موقفهم إزاء الشهيد والحادث الجلل. كما أفردت الصحافة مساحات واسعة من صفحاتها لتغطية تفاصيل الجريمة التي احتلت صدر صفحاتها الأولى، بعد أن كانت تتابع باهتمام بالغ، ومنذ عدة شهور أخبار المهندس قبل استشهاده(89).



ففي مدينة عمان، توافد عشرات الآلاف من أبناء العشائر الأردنية والمخيمات الفلسطينية على بيت العزاء الذي أقامه ممثل حركة حماس بالأردن للتعبير عن تأييدهم للخط الجهادي الذي سارعليه الشهيد وعن إدانتهم للجريمة الغادرة. وكان من بين المشاركين رؤساء حكومات سابقون ووزراء، وقادة وأعضاء المكاتب السياسية، واللجان المركزية للأحزاب السياسية إضافة إلى ممثلين عن القوى والهيئات والنقابات والاتحادات الطلابية والجمعيات الخيرية في المملكة الأردنية(90).

وقام وفد من المجلس الوطني الفلسطيني بتقديم التعازي، وكتب سليم الزعنون في سجل التعازي العبارات التالية: «عندما عجزت الجيوش أن تقتل من الإسرائيليين -بل قتل الإسرائيليون مئات الآلاف زيادة عما قتلنا، وعندما عجز الفدائيون أن يقتلوا من الإسرائيليين، بل قتل الإسرائيليون أضعاف ما قتلنا جاء هذا الرجل الذي لم يتجاوز الثلاثين من العمر ليثأر لنا جميعاً.. ثأر للجيوش، وثأر للفدائيين، وثأر للأقدمين، وأعطى مثالاً حياً، وأعطى خوفاً ورعباً، وأعطى سجلاً في التاريخ سيبقى على مدى الدهر»(91).



كما أقيمت صلاة الغائب بعد صلاة يوم الجمعة الموافق 12/1/1996 وتليت أدعية على روح الشهيد وأرواح شهداء الإسلام. وأطلق على أحد مساجد عمان، اسم (مسجد الشهيد يحيى عياش) بدلاً من الاسم الذي كان يحمله، وهتف عدة مئات من جمهور كرة القدم في العاصمة بحياة الشهيد، أثناء مسيرة قصيرة عقب خروجهم من ستاد عمان الدولي مساء يوم الجمعة الموافق 12/1/،1996 ودعوا في هذه الهتافات أيضاً إلى الثأر والانتقام من قتلة الشهيد(92).



وأقامت جماعة الإخوان المسلمين مهرجاناً تأبينياً في مسجد الجامعة الأردنية تحدث فيه كل من المحامي عبد المجيد ذنيبات (المراقب العام) والنائبين أحمد الكوفحي وإبراهيم زيد الكيلاني. وقد اتسم المهرجان الذي حضره آلاف المصلين الذين ضاقت بهم جنبات المسجد وساحاته الخارجية بالإشادة بالشهادة والشهداء(93).



أما في مدينة الزرقاء، فقد استقبل أعمام الشهيد الزوار المهنئين في استشهاد المهندس يوم الثلاثاء الموافق 9/1/،1996 حيث تجمهر عدد كبير جداً وحضرت شخصيات إسلامية ووطنية عدة بالإضافة إلى نواب حزب جبهة العمل الإسلامي وممثلي حركتي حماس والجهاد الإسلامي بالأردن(94).



وأقام حزب جبهة العمل الإسلامي (فرع مأدبا) حفلاً تأبينياً للشهيد شارك فيها كل من النائب همام سعيد والأستاذ عبد الحفيظ علاوي يوم الثلاثاء الموافق 15/1/1996(95). كما أقامت الحركة الإسلامية في مدينة اربد جنازة رمزية ومسيرة، وتحدث في الجمهور الحاشد كل من الدكتور على العتوم والنائب أحمد الكوفحي(96). وأقام اتحاد الطلبة في جامعة اليرموك حفلاً تأبينياً للشهيد القائد في ذكرى مرور أربعين يوماً على الجريمة. وقدر عدد الحضور بنحو (700) طالب وطالبة(97).



وكان هناك العديد من الفعاليات التي لم تر النور، ومنها على سبيل المثال، الحفل التأبيني الذي دعت إليه نقابة المهندسين الأردنيين تكريماً للشهيد الذي أطلق اسمه على قاعة المحاضرات الرئيسة في مقر النقابة. ويذكر بأن الشهيد يحيى عياش يعد عضواً في نقابة المهندسين الأردنيين تحت رقم (7418) بقسم هندسة الكهرباء منذ عام 1993(98).



8- غضب وحداد يجتاح مخيمات لبنان



وداع المهندس في جنبات المخيمات الفلسطينية بلبنان لم يكن أقل غضباً من وداعه في شتى بقاع الزمان والمكان الفلسطينية. فقد نامت آلاف العيون الفلسطينية المثقلة بمرارات الشتات واللجوء اليومية وهي تكذب الخبر، لتصحو من جديد متسوحة بالحداد والفرح، حيث امتزج حزن الناس بفرحهم، واختلطت الدموع بالزغاريد في خضم مشاعر متناقضة أصبحت على مر فصول الحكاية الفلسطينية حكراً على الفلسطينيين وحدهم. فشاتيلا، وبرج البراجنة، ومار الياس، وعين الحلوة والبص، والرشيدية، ونهر البارد والبداوي وغيرها من المخيمات ازدانت جدرانها بصور الشهيد القائد، فيما علقت الرايات السوداء، والرايات الخضراء المزينة بالشهادتين على أسطع المنازل، وامتلأت ساحات الجدران بعبارات مثل: «عياش لم يكن الأول ولن يكون الأخير»، و«لن نقبل بأقل من رأس بيريز أو شاحال.. قسماً سنثأر» و«تلاميذ القائد عياش يعاهدون على الانتقام الموجع والسريع للشهيد القائد»، و«عياش.. سيد الشهداء وليس أخرهم»(99).



المخيمات لم تتردد لحظة بالحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام. ففي مخيم برج البراجنة، أقيم في نادي الأقصى عزاءً مركزياً للشهيد أمه الآلاف من أبناء المخيمات حيث جرى تعليق عشرات الصور للشهيد وتصدرت لوحة ضخمة للشهيد عز الدين القسام صدر القاعة. ووقف مصطفى اللداوي -ممثل حماس في لبنان- لاستقبال المعزين والمهنئين ومنهم عشرات القادة الفلسطينيين من ممثلي الفصائل واللجان والروابط الشعبية في المخيمات الفلسطينية بالإضافة إلى حشد كبير من الشخصيات اللبنانية. وأكد جميع المتحدثين على إدانتهم للجريمة وتحميلهم سلطة الحكم الذاتي جانباً من المسؤولية. كما أجمع الشباب والشيوخ والأطفال الذين حضروا العزاء أن الشهيد القائد الذي أقض مضاجع الاحتلال سيخلفه تلاميذه في الانتقام له والمقاومة ضد الاحتلال(100).



وأقام تحالف القوى الفلسطينية في لبنان مجلس عزاء وتبريك بذكرى ثالث المهندس يحيى عياش في قاعة الشهداء بمخيم مار الياس شاركت فيه وفود حزبية لبنانية وحشد من أبناء المخيمات. كما أقامت الجماعة الإسلامية في منطقة صيدا احتفالاً تأبينياً للمهندس في مخيم عين الحلوة يوم الأحد الموافق 7/1/،1996 حضره الآلاف من أبناء المخيم، وتحدث فيه كل من الشيخ ماهر حمود -عضو تجمع العلماء المسلمين- والأستاذ علي الشيخ عمار -مسؤول الجماعة الإسلامية- ومصطفى اللداوي(101).



وفي مدينة طرابلس، أقامت الجماعة الإسلامية مهرجاناً حاشداً لتأبين الشهيد في قاعة كبيرة بأحد المساجد العمرية وسط المدينة، وتحدث خلال المهرجان كل من مصطفى اللداوي والشيخ سعيد شعبان -أمير حركة التوحيد الإسلامية- والنائب الدكتور فتحي يكن حيث أثنوا على بطولات الشهيد والشعب الفلسطيني. وطالبوا أبناء الشعب الفلسطيني بالثأر ومواصلة الجهاد حتى التحرير وطرد الاحتلال(102).



وفي إطار التضامن والمؤازرة، أبرق حزب الله والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة التوحيد الإسلامية وتجمع اللجان والروابط الشعبية في المخيمات والفصائل الفلسطينية وعدد من النواب في مجلس النواب اللبناني إلى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) معزين باستشهاد المهندس(103).



وفي ذكرى مرور أسبوع على استشهاد يحيى عياش، أقام حزب الله مهرجاناً حاشداً في حسينية السيدة فاطمة الزهراء ببيروت حضره الشيخ حسن نصر الله، الأمين العام للحزب، والشيخ فيصل مولوي (الأمين العام للجماعة الإسلامية)، ومحمد نزال (ممثل حركة حماس في الأردن) وعدد من كبار الشخصيات السياسية في حزب الله والفصائل الفلسطينية في لبنان بالإضافة إلى سفير إيران في بيروت. وألقى الشيخ حسن نصر الله كلمة أكد فيها أن المقاومة الإسلامية ضد الاحتلال تقف على خط تماس بين أكبر مشروعين يتصارعان على أرضنا، المشروع الغازي المستعمر والمستبد الذي تتغير قياداته ومواقعه ويبقى مضمونه على امتداد التاريخ ومشروع الصحوة والنهضة الذي يريد أن يحافظ على البلاد والعباد والخيرات والمقدرات والسيادة والكرامة والهوية. وأكد محمد نزال من جهته بأن المقاومة الإسلامية في الجنوب اللبناني ومقاومة حماس يجمعها خندق واحد، وأن العدو لا يفهم إلا لغة واحدة هي لغة القوة(104). وكانت الصحف اللبنانية ووسائل الإعلام قد أفردت جزءاً كبيراً من صفحاتها، ونشراتها الإخبارية لتغطية جنازة الشهيد في قطاع غزة، وتفاعلات القضية على الساحة الفلسطينية واللبنانية أيضاً.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:44 PM   رقم المشاركة : 18
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


أصداء إسرائيلية

«باتت إسرائيل تتنفس بشكل أفضل بعد إعلان وفاته، لقد ألحق الأذى بالعديد من الإسرائيليين، كان يعيش على السيف وبالسيف مات»، هكذا لخص موشيه شاحل الذي كان يشغل منصب وزير الأمن الداخلي في الحكومة الإسرائيلية الأجواء بعد اغتيال يحيى عياش، والذي كان مجرد ذكر اسمه كفيلاً بجعل الإسرائيليين يرتعدون. وكانت وسائل الإعلام الإسرائيلية أول من بث نبأ استشهاد المهندس باعتراف صريح بأن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية هي التي نفذت العملية، وهو أمر لم يحصل على سبيل المثال في اغتيال الشهيدين أبو جهاد وفتحي الشقاقي. وهذا يفسر على أنه محاولة لإعادة بث الثقة في صفوف الجمهور الإسرائيلي، خاصة وأن المهندس يعتبر مسؤولاً عن عمليات أسفرت عن سقوط أكثر من أربعمائة إسرائيلي بين قتل وجريح(105).



1- ارتياح سياسي



مظاهر الفرح والارتياح سادت الأوساط السياسية والحزبية، حكومة ومعارضة على حد سواء. ورغم محاولات شمعون بيريز -رئيس الوزراء ووزير الدفاع- إخفاء هذه الحقيقة عبر منع أعضاء حكومته من الإدلاء بأي تصريحات بهذا الخصوص خشية أن تلحق تصريحات من ليست لديه معلومات مفصلة بهذا الشأن الضرر بالدولة العبرية. إلا أن الشواهد كانت أكبر من هذه المحاولات. ففي حين رفض معظم الوزراء الذين سئلوا عن جريمة اغتيال القائد يحيى عياش الإجابة أو الإدلاء بأي تصريح أو تعقيب مكتفين بالقول: «لا تعليق ولست معنياً بالتطرق لهذا الموضوع»، ظهر أربعة منهم على شاشة التلفاز وقد بدا عليهم أجواء الارتياح، لم يستطيعوا معها سوى التصريح بما يشعرون به(106).



يهودا باراك -وزير الخارجية- قال في تعليقه بأن عملية الاغتيال ستمنع المزيد من سفك الدماء على المدى البعيد. واكتفى الوزير يعقوب تسور بالقول: «أزال الله كل أعدائنا»، بينما كان أفرايم سنية أكثر جرأة حين عبر عن سعادته لغياب المهندس قائلاً: «أنا فرح لأنه قتل ولم يعد موجوداً في هذه الحياة»(107). وأما وزير الأديان الإسرائيلي، شمعون شتريت، فقد أشاد بالمسؤولين عن تنفيذ الاغتيال، واعترف في تصريح إذاعي بأنه علم بمقتل المهندس قبل وسائل الإعلام الإسرائيلية. وأضاف الوزير شتريت: «نحن على علم بأنه قتل. إنه يوم سنتذكره، لأنه الرجل المسؤول عن عدد كبير جداً من الهجمات الانتحارية»(108).



ونقلت الصحف الإسرائيلية التي أفردت صفحات عديدة لنشر تقارير وتحليلات مطولة عن المهندس وردود الفعل الفلسطينية والإقليمية والدولية على جريمة الاغتيال مقابلات مع أعضاء كنيست من مختلف الأطياف السياسية. فقال ايلي دايان -نائب وزير الخارجية- في تعليقه: «إن المهندس يستحق كل عقاب، فأيديه ملطخة بدماء الكثير من اليهود». وأعلن رئيس كتلة حزب العمل في الكنيست، رعنان كوهين من جهته بأن «كل من تلطخت يديه بدم اليهود يجب أن يتذكر بأننا لن نتركه لحظة واحدة، واليوم هو يوم عيد بالنسبة لنا»(109).



ودافع نيسيم زفيلي -الأمين العام لحزب العمل- عن قتل يحيى عياش في قطاع غزة الذي يتمتع بحكم ذاتي وخارج نطاق الإدارة الإسرائيلية، وقال للصحفيين خلال زيارته لفرنسا: «إذا انتظرت حتى يقود شخص سيارته الملغومة أو يستقل حافلة فسيكون الوقت قد فات. ولهذا السبب، لم ينته دور أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، وأي فلسطيني كان مطلوباً من قبل لهذه الأجهزة ما زال مطلوباً». ومضي زفيلي قائلاً: «الاستخبارات ظلت تبحث عن المهندس لعدة سنوات دون أن تحرز أي نجاح.. أعرف أنها عملت بجهد كبير من أجل ذلك، وفي بعض الأحيان يحالفك الحظ»(110).



وأذاع راديو الجيش الإسرائيلي مقابلة مع الجنرال أوري أور - نائب وزير الدفاع وعضو الكنيست عن حزب العمل- هاجم فيها بشدة السياسيين الذين أصدروا تصريحات تعقيباً على اغتيال المهندس، ومما جاء في كلامه: «ها أنا أسمع عدد من أعضاء الكنيست الذين لا يعرفون شيئاً، يوزعون الثناء والمديح، من الأفضل لنا أن نصمت. لقد مات وانتهى، وكان للسلطة الفلسطينية مصلحة في ذلك أيضاً». ورغم هذه الكلمات، لم يستطع الجنرال أور لجم لسانه، فاندفع مفتخراً: «سمعت أن المهندس قتل -هناك العديد من الطرق للموت، ولكن ما يهم هو أن هذا الرجل قتل»(111).



كما بارك حجاي ميروم -رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست- للشعب اليهودي تصفية المهندس قائلاً: «إن مقتل المهندس عياش هي بمثابة هدية كبيرة لعملية السلام، وإصابة قاتلة وخطيرة للإرهاب الذي ترتكبه حركة حماس»(112). واتفق رعنان كوهين الذي كان يرأس كتلة حزب ميرتس في الكنيست مع رؤية حجاي ميروم، إذ «أن اغتيال أخطر الإرهابيين لمسيرة السلام يعني إبعاد عقبة رئيسة لاستمرار المسيرة السلمية» على حد تعبيره(113).



وساد الارتياح كذلك في أوساط مختلف الأحزاب الإسرائيلية وممثليها في الكنيست. ففور سماعه لنبأ اغتيال المهندس، سارع بنيامين نتنياهو -زعيم تكتل الليكود- إلى الإعلان «أنه إذا كانت تلك عملية اغتيال فيجب أن نبارك الذين قاموا بالعمل، وقدموا خدمة هامة للغاية لدولة إسرائيل. فالشخص المذكور قتل الكثير من الإسرائيليين ويستحق الموت، وهذه هي الطريقة الوحيدة لمحاربة الإرهاب، ونأمل أن تكون نهاية رفاق عياش مثل نهايته». وبارك رحبعام زئيفى زعيم حركة موليدت- أيضاً عملية اغتيال المهندس الذي وصفه بأن يديه ملطخة بدم الكثير من اليهود. وكان رفائيل ايتان -زعيم حركة تسوميت- أكثر زعماء المعارضة حماساً بدعوته قادة أجهزة الأمن والاستخبارات لمطاردة المجاهدين في كل مكان وفي أي وقت، حيث أختتم تصريحه بالقول: «إذا كان المهندس قتل من قبل رجالنا، فإنهم قدموا خدمة ممتازة للأمن الوطني في إسرائيل وجعلوا المخربين يخشون على حياتهم أينما كانوا»(114).



أما ليئا رابين، زوجة رئيس الوزراء السابق، فقد أعربت عن أسفها لأن اسحق رابين «لم يعش ليرى موت هذا الإرهابي»، إذ أنه اغتيل على يد متطرف يهودي قبل شهرين من مقتل المهندس(115).



2- استنفار عسكري



على الرغم من هذا الابتهاج ومظاهر الارتياح التي سادت الأوساط السياسية والجمهور الإسرائيلي على حد سواء، إلا أن قادة أجهزة الأمن والخبراء والمعلقين العسكريين حذروا من الإفراط في الفرح منبهين بأن المهندس ترك وراءه العشرات من التلاميذ لا يقلون كفاءة عنه. فبعد أن بارك رئيس لجنة الخارجية والأمن في الكنيست عملية اغتيال المهندس، حذر الشعب الإسرائيلي بألا ينسى أن «المهندس خلف وراءه جيلاً شاباً من المهندسين الذين تعلموا منه نظرية تصنيع المتفجرات، ولذلك يجب أن نستعد جيداً لمنع العمليات الانتحارية ومواصلة نشاطات تصفية تلاميذ المهندس في الضفة الغربية وقطاع غزة»(116).



وفي نفس سياق التحذير، دق الجنرال يعقوب بيري -رئيس الشاباك السابق- ناقوس الخطر حين قال: «إنني أحذر من أن نصاب بحالة من النشوة والغرور، بحيث نعتقد بأن قتل المهندس سيضع حداً للعمليات المسلحة والعبوات الناسفة والعمليات الانتحارية». وأضاف الجنرال بيري بأن عملية الاغتيال «لن تكون الضربة القاضية ولا نهاية المطاف للهجمات الانتحارية التي أبدع المهندس في شق طريقها، وترك وراءه العشرات من تلاميذه الذين لا يقلون كفاءة وقدرة عنه في مواصلة الطريق». ولأن عدد هؤلاء التلاميذ غير معروف، فإن رئيس الشاباك السابق يطالب بتعاون السلطة الفلسطينية مع أجهزة الأمن الإسرائيلية لمواجهة التلاميذ الذين تركهم يحيى عياش في أرجاء الأراضي الفلسطينية، واختتم بيري تحذيره بذكر مناقب الشهيد القائد، وهي الصفات التي أورثها لتلاميذه، فيقول: «إن كفاءة وأهلية المهندس تمثلت بالأساس في خبرته ومعرفته المدهشة والواسعة في مجال إعداد القنابل المفخخة، سواء بواسطة سيارات مفخخة أو عبوات جسمية بشرية، بالإضافة إلى مقدرته العالية على الإفلات من عمليات المطاردة، والتملص من ملاحقة دورية ومستمرة له من جانب جهاز المخابرات العامة وأجهزة الأمن الإسرائيلية الأخرى.



ولذلك، كان عياش أخطر المطلوبين الفلسطينيين لأجهزة الأمن الإسرائيلية التي بذلت جهوداً مضنية من أجل إلقاء القبض عليه خلال السنوات الأخيرة. وإن زوال المهندس وضع حداً لأخطر وأعنف المحاربين الذين عرفناهم»(117).



ومع أن الجنرال جدعون عيزرا -مستشار وزير الشرطة- الذي شغل في السابق منصب نائب رئيس الشاباك ومنسق عمليات البحث عن المهندس تفاخر «إن قتل عياش عملاً عظيماً، وعملاً صهيونياً كبيراً، فأنا لا أذكر مخرباً مسؤولاً عن قتل هذا العدد الكبير من اليهود»، معتبراً أن «هذه هي اللغة التي يفهمها الإسلام المتطرف»، إلا أنه أكد -كسابقه- بأن هناك الكثيرين مثل يحيى عياش. ولهذا، يرى الجنرال عيزرا بأن على الدولة العبرية الاستعداد لمواجهة المزيد من العمليات (الانتحارية) على حد تعبيره(118).



أما روني شيكد، الضابط السابق والمعلق المقرب من أجهزة الأمن، فقد أوضح في تحليل نشره تحت عنوان (من يكون وريث عياش؟) أن «يحيى عياش لم يكرس جهوده فقط في صنع السيارات المفخخة والقنابل البشرية الحية، وإنما عمل على تنشئة جيل من مكملي دربه الذين سبق أن برهنوا في العمليات الانتحارية التي وقعت في رامات اشكول بالقدس، وفي رامات غان قرب تل أبيب أنهم لا يقلون كفاءة عن معلمهم وقادرون على زرع القتل والرعب في إسرائيل. وقائد هذه الخلايا محمد الضيف، الصديق المقرب من المهندس، أوفد مقاتلين من أتباعه للضفة الغربية ويدير خلايا مسلحة لا زالت تنشط وتتواجد في قطاع غزة والضفة الغربية». ويحذر شيكد الجمهور الإسرائيلي فيختتم تصريحه قائلاً: «لقد تغيرت قواعد اللعبة، فالمهندس كان يمثل بالنسبة لحماس رمزاً للكفاح العسكري ضد إسرائيل، وتصفيته تشكل أيضاً نهاية أسطورة. ولذلك، فقد تعهد رفاقه وتلاميذه بالانتقام، ولا بد من أخذ هذه التهديدات على محمل الجد»(119).



شمعون بيريز ترأس فور تلقيه نبأ تنفيذ عملية الاغتيال في الساعة التاسعة صباحاً جلسة ضمت كبار ضباط الشاباك والموساد والاستخبارات العسكرية، وتباحث المجتمعون في الإجراءات اللازمة لمواجهة موجة الغضب التي توقعوا أن تجتاح المناطق الفلسطينية إلى جانب الوسائل الاحترازية الكفيلة بإحباط عمليات الانتقام والثأر التي تخطط لها كتائب الشهيد عز الدين القسام(120).



وفي أعقاب المداولات، اتخذت الهيئة الأمنية العليا التدابير التالية:



أ- إعلان حالة تأهب قصوى في صفوف قوات الجيش والشرطة وحرس الحدود ووحدات المخابرات، وفرض طوق عسكري شامل ومشدد على كامل مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، كما تم تعزيز القوات والدوريات داخل المناطق المحتلة منذ عام ،1948 وفي مدينة القدس

251

وضواحيها بشكل خاص، وطلب من تلك القوات زيادة الدوريات وأعمال تفتيش الأشخاص والسيارات مع إبداء أقصى درجات اليقظة. وفي الإطار ذاته، ألغى الجيش الإسرائيلي الدوريات المشتركة مع الشرطة الفلسطينية في مدن الضفة الغربية التي شملها الحكم الذاتي للحيلولة دون عمليات خطف محتملة للجنود الإسرائيليين(121).

ب- منع عمال الضفة الغربية وقطاع غزة من دخول المناطق المحتلة منذ عام ،1948 وحظر دخول الإسرائيليين إلى مناطق الحكم الذاتي خشية تعرض حياتهم للخطر(122).

ج- تحذير الإسرائيليين والمستوطنين منهم بالضفة الغربية وقطاع غزة على وجه التحديد، والطلب إليهم التزام أقصى درجات اليقظة والحذر(123).

د- تعزيز الحراسة في خطوط المواصلات والأماكن العامة في مختلف أنحاء فلسطين المحتلة. واستخدام كلاب مدربة على اكتشاف المواد المتفجرة في عمليات التفتيش والدورية، إلى جانب تشكيل وحدة خاصة من (400) شرطي مزودين بأسلحة خفيفة (مسدسات وبنادق) لحماية خطوط حافلات الركاب ومحطات النقل العام(124).



هـ- ولتفادي انفجار سيارات مفخخة، أوصى خبراء المتفجرات رجال الشرطة باعتبار سيارات الفلسطينيين المتوقفة بطريقة غير منتظمة وفي مكان غير معهود أو تلك التي تنقل أجساماً غريبة أو أسطوانات غاز أو المتوقفة في نفس المكان منذ زمن مشبوهة ويجب تفتيشها من قبل خبراء المتفجرات(125).



و- تشديد التدابير والرقابة الأمنية حول السفارات والممثليات والمؤسسات الإسرائيلية في مختلف أنحاء العالم تحسباً لوقوع أي هجمات انتقامية محتملة(126).



3- أسئلة حول التوقيت



تركت عملية اغتيال الشهيد يحيى عياش أثرها العميق على الأجواء العامة في الأراضي الفلسطينية وفي الدولة العبرية على حد سواء. ففلسطينياً، فتحت العملية الباب واسعاً لإجراء قراءات وتكهنات كثيرة، إذ أنها جاءت بعد تنفيذ عملية انتشار قوات الجيش الإسرائيلي في مدن الضفة الغربية، وقبيل إجراء الانتخابات العامة للمجلس التشريعي الفلسطيني. وأما إسرائيلياً، فقد أثارت العملية عدداً كبيراً من التعليقات حيث استعرض الكتاب زوايا مختلفة ومحاور وقراءات سياسية وعسكرية واستخبارية وإعلامية. وما نحن الآن بصدده، هو تلك التعليقات حول توقيت الاغتيال ومدى ملاءمته للظروف السياسية والأمنية.

المعلق حامي شكيف، أحد كتاب الأعمدة في صحيفة معاريف، لم يستطع الجزم إن كانت العملية قد جاءت في وقت ملائم، وإن كان قد أشار أن شمعون بيريز الذي أمر شخصياً بتنفيذ العملية كان بحاجة ماسة إلى تعزيز مكانته في الشارع الإسرائيلي، لأن الانطباع السائد عنه أنه متهاون مع العرب، وعلى استعداد لتقديم تنازلات لهم أكثر مما كان سيوافق عليه اسحق رابين لو كان حياً على حد تعبيره. ويضيف شكيف: «الاغتيال كشف عن القبضة الحديدية لبيريز، فرئيس الوزراء أراد إسكات اليمين الذي يتهمه بالتخلي عن أمن إسرائيل بجعل المدن التي انسحبت منها قوات الجيش ملاذاً لأفراد حركتي حماس والجهاد الإسلامي. واغتيال المهندس جاء ليثبت بأن مناطق الحكم الذاتي غير آمنة لهم والانسحاب لا يحول دول الوصول إليهم»(127). ويشير شكيف إلى أن بيريز كان بحاجة إلى الدعم الشعبي وكامل الثقل السياسي لتخفيف حمى الانتخابات الإسرائيلية العامة ولإقناع حزبه بأن تسريع المفاوضات وبخاصة مع السوريين لا يعني تقليص الفرص للفوز في انتخابات الكنيست القادمة(128).



وفي مسألة التوقيت، تساءل المعلق العسكري لصحيفة يديعوت أحرونوت فيما إذا كانت هذه هي المرة الأولى التي استطاعت فيها أجهزة الأمن الإسرائيلية الاقتراب من المهندس بهذا القدر، وإذا لم يكن الأمر كذلك، يتساءل أليكس فيشمان: لماذا تقرر إنزال الإصبع عن الزناد في المرات السابقة؟ وإن كان قد تقرر في السابق تأجيل تصفيته لأسباب تتعلق بتوقيت غير ملائم، سياسياً أو تنفيذياً، فلماذا تقرر اغتياله الآن بالذات، حيث أن هذا الموعد حساس للغاية بالنسبة لإسرائيل وبالنسبة للسلطة الفلسطينية؟ وهل كان هناك من اعتقد بأن الأمر يتعلق بفرصة لن تتكرر، ودفع بذلك، جميع الاعتبارات الأخرى جانباً؟». ويضيف فيشمان: «لم يكن ذلك مجرد اغتيال لقاتل أهدر دمه من قبل رئيسي حكومة بل كان اغتيالاً محكماً بأسلوب كان يحيى عياش نفسه سيفرح لو سجله في كراسة عمله، لقد خاطبوه بلغته وبأدواته. إن «المهندس» الذي حصل على هذا اللقب في مداولات هيئة المناطق لدى وزير الدفاع اسحق رابين في حينه، اغتيل، وليس كل مطلوب حظي بالاهتمام من قبل رئيس الحكومة، ولكي يعلن عن المخرب أن دمه مهدور، أي هدف معلن للتصفية، فعليه أن يكون رمزاً تخدم تصفيته سياسة ردع معينة، ثمة تصفيات هادئة لا تصل إلى وسائل الإعلام وهدفها قضم القدرة التنفيذية لهذا التنظيم أو ذاك، وثمة تصفيات علنية مخصصة لوسائل الإعلام بهدف إرسال تلميح ردعي واضح: ليس لأي من قادة الإرهاب حصانة.



إن ضرورة تصفيته كانت واضحة، ولكن ضمن هذه الصيغة ثمة مجهول واحد: اختيار التوقيت فهل كانت هذه المرة الأولى التي يجلس فيها عياش على أهبة الاستعداد؟ وإذا كان لا، لماذا تعذر رفع الإصبع عن الزناد في المرات السابقة؟ هل تقرر في السابق تأجيل تصفيته لأسباب تتعلق بعدم ملاءمة الوقت أو الظروف السياسية أو الميدانية، لماذا يتم اغتياله الآن فقط، عشية الانتخابات للسلطة الفلسطينية التي تعتبر بالنسبة لإسرائيل والسلطة الفلسطينية موعداً حساساً على وجه الخصوص وحجر الزاوية في السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين؟ هل هناك من آمن بوجود فرصة تاريخية لن تتكرر ولهذا السبب ألقى بكل الاعتبارات جانباً؟ أو ربما كان ثمة قرار حرك العملية التي لا يمكن وقفها؟



إن اغتيال عياش إنجاز ميداني مثير وجدير بالتقدير والثناء، ولكن مسألة التوقيت يكتنفها الغموض بصورة لا تقل عن الغموض الذي يكتنف العملية نفسها»(129).



أما يوسي ميلمان، الخبير في شؤون الاستخبارات، فقد اعتبر أنه «حين تقررت تصفيته أخذ خطر استئناف الاعتداءات في الاعتبار». ولكن ميلمان يضيف «توفرت فرصة لذلك، وتمت الاستفادة منها لتصفية حساب قديم مع شخص يداه ملوثتان بهذا القدر من الدماء الإسرائيلية». ومن جهته، اعتبر البروفيسور ارييل ميراري، الأستاذ في جامعة تل أبيب والخبير في شؤون الإرهاب، أن «حماس ستسعى للقيام باعتداءات مثيرة حفاظاً على صورتها، ولتظهر أن قدراتها لم تتأثر بقتل عياش». ويختتم البروفيسور ميراري تعليقه بالتأكيد أن اغتيال المهندس «لن يغير شيئاً في سياسة هذه المنظمة التي لم تتخل يوماً عن اللجوء إلى قوة السلاح»(130).



وتحت عنوان (توازن الرعب)، يعلق يوسي لبيد في صحيفة معاريف على اغتيال المهندس، فيبرر توقيت العملية حيث جاء في مقاله: «إن اغتيال عياش ربما لم يكن عملاً ذكياً، ولكنه كان ضرورياً، لم يكن ذكياً لأن قتل المهندس يقوي حركة حماس ويثير نزعة الانتقام ويشوش على عملية الانتخابات في المناطق، ويمس بالتعايش مع الفلسطينيين، ولو كانت النظرة السياسية هي التي تحسم الموقف لما تم تصفية عياش. ولكن الاعتبارات الأمنية هي التي حسمت الموقف هنا، وليس الاعتبارات السياسية. إن قتل المهندس كان ضرورياً لأن إسرائيل لا تستطيع التسليم ببقاء فلسطينياً قام بقتل عشرات اليهود وبجرح المئات حراً طليقاً وبطلاً بين شعبه. ولذلك فإن الحديث هنا يجري عن انتقام بكل معنى الكلمة: فالعدالة يجب أن تحل، والعلاقات بيننا وبين أعدائنا يجب أن تستند إلى توازن الرعب، وقاتل اليهود يجب أن يعرف أنه سيعاقب»(131).

ومن بين الذين عارضوا توقيت عملية الاغتيال، آلون بن مئير الذي كتب مقالاً بعنوان (اغتيال يحيى عياش لم يخدم عملية السلام)، جاء فيه: «يتوجب على الحكومة الإسرائيلية التي كانت كما يبدو وراء عملية اغتيال يحيى عياش الملقب بـ «المهندس» أن تفكر بشكل جدي إذا ما كانت هذه العملية حكيمة ومناسبة في هذه المرحلة من العملية السلمية الفلسطينية - الإسرائيلية، والجواب بالطبع هو «لا» كبيرة.



لقد عملت الاستراتيجية الإسرائيلية لمناهضة العنف والتي تقضي بتصفية منفذيه بشكل جيد عبر السنوات، وحسب أقوال مصدر من الاستخبارات الإسرائيلية، منعت هذه السياسة وقوع عمليات لأن رجال المنظمات علموا بأن أي ظرف سياسي لن يمنع العملاء السريين الإسرائيليين من ملاحقتهم. لكن على الرغم من نجاح هذه الاستراتيجية، فإن اغتيال عياش قبل الانتخابات الفلسطينية الأولى وفي وقت يقف فيه الشعبان على مفترق طرق تاريخي، يعتبر عملاً أحمقاً ومدمراً.



ومن المسلم به أن عياش قد سبب خسائر وألماً ومعاناة للكثير من الإسرائيليين، لكن السؤال ليس فيما إذا كان عياش يستحق الموت، بل السؤال هو إن كان موته «سيشفي» بعد الجروح التي تسبب بها أو سيكلف الكثير من الإسرائيليين معاناة أكبر وأعظم. وفوق ذلك فإن من الصعب إدراك المنطق الذي يقول بأن موت عياش قد يعزز الهدف المشترك في المصالحة بين الجانبين، ومن الواضح جداً أن رئيس الشاباك المتحمس أكثر من اللازم هو الذي أقنع بيريز بوضع استراتيجية الملاحقة التي لا تكل ولا تمل فوق الاعتبارات السياسية العملية. وبعد أن أقيل من منصبه بسبب فشله في منع اغتيال رئيس الوزراء اسحق رابين، سعى رئيس المخابرات العامة إلى رد الاعتبار لنفسه ولجهازه قبل تخليه عن منصبه بالقيام بعمل أخير، عمل يتعلق أكثر بكرامته الجريحة من أن يبرهن على بصيرته الجيدة في خدمة بلده.



لقد زاد الاغتيال غير الحكيم لعياش من الشكوك الجدية والخطيرة بين الفلسطينيين حول التزام إسرائيل بالعملية السلمية، كما ألحقت عملية الاغتيال ضرراً بالحوار بين السلطة الفلسطينية وحماس، ذلك الحوار الذي توصل الطرفان من خلاله إلى تفاهم بعدم تشويش الانتخابات، وهو التفاهم الذي كان سيتطور أخيراً إلى اتفاق. كما سببت عملية الاغتيال خيبة أمل للكثيرين من أعضاء حماس المعتدلين الذين كانوا على استعداد لإعطاء السلام فرصة، كما أنها أحرجت السلطة الفلسطينية، وبدلاً من أن تضعف حماس، زادتها قوة. وقد زادت عملية الاغتيال من مصداقية المتطرفين الذين قالوا بأن إسرائيل تريد تدميرهم بغض النظر عما يفعلون. وأخيراً، جددت عملية الاغتيال ديناميكية الغضب بين الفلسطينيين، مما جعلهم يتبنون موقفاً سلبياً من العملية السلمية وتزعزعت ثقتهم بكلا الطرفين.



إن استراتيجية إسرائيل المناهضة للعنف والتي تعتمد اعتماداً كبيراً على قدرتها الاستخبارية المكلفة في جمع المعلومات وتكنولوجيتها المتطورة وضرباتها الانتقامية السريعة، قد نجحت بالتأكيد في خفض مستوى أعمال العنف ضد إسرائيل، وفي جعل رجال المنظمات في حال هروب دائم، لكن فعالية ونجاعة هذه الاستراتيجية تختفي اختفاء حاداً عندما تفشل في التكيف مع المناخ السياسي المتغير.



إن من الحماقة أن تعتقد الحكومة الإسرائيلية بأنها تستطيع إجبار حماس على الاستسلام أو أن تتخلى رسمياً عن أعمال العنف، فذلك لن يحدث مع حماس. فاغتيال عياش لن يؤدي سوى إلى استفزاز حماس للقيام بهجوم انتقامي، وبذلك تتجدد دورة العنف لتحصد أرواح المزيد من الإسرائيليين ممن سيموتون بسبب قصر نظر حكومتهم. وسواء اتخذ بيريز قرار اغتيال عياش لأنه أراد تبديل الرأي القائل بأنه متهاون تجاه القضايا المتعلقة بالأمن القومي، أو لأنه استسلم لحاجة ورغبة رئيس جهاز الاستخبارات في إنقاذ سمعته المحطمة، فإن نتيجة هذا العمل ستحدث ضرراً لإسرائيل والفلسطينيين»(132).

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:45 PM   رقم المشاركة : 19
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


رسالة إلى الأجيال



"على الكريم أن يختار الميتة التي يجب أن يلقى الله بها. فنهاية الإنسان لابد أن تأتي ما دام قدر الله قد نفذ".
"مستحيل أن أغادر فلسطين، فقد نذرت نفسي لله ثم لهذا الدين إما نصر أو استشهاد. إن الحرب ضد الكيان الصهيوني يجب أن تستمر إلى أن يخرج اليهود من كل أرض فلسطين".
"بإمكان اليهود اقتلاع جسدي من فلسطين، غير أنني أريد أن أزرع في الشعب شيئاً لا يستطيعون اقتلاعه".
"لا تنزعجوا فلست وحدي مهندس التفجيرات، فهناك عدد كبير قد أصبح كذلك، وسيقضون مضاجع اليهود وأعوانهم بعون الله"
"بالنسبة للمبلغ الذي أرسلتموه، فهل هو أجر لما أقوم به؟ إن أجري إلا على الله وأسأله أن يتقبل منا. وأهلي ليسوا بحاجة، وأسأل الله وحده أن يكفيهم وأن لا يجعلهم يحتاجون أحداً من خلقه. ولتعلموا بأن هدفي ليس مادياً ولو كان كذلك، لما اخترت هذا الطريق. فلا تهتموا بي كثيراً واهتموا بأسر الشهداء والمعتقلين، فهم أولى مني ومن أهلي".
"لا شك بأن العائلة تعاني، ولكن هذا ابتلاء من الله سبحانه وتعالى وهو القائل : (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم ونعلم الصابرين ونبلوا خياركم) أسأل الله أن يكتبنا في الصابرين".
"إنهم – أي السلطة – يحاولون بكل جدية اعتقالي أو قتلي فهم بالنسبة لي لا يختلفون عن اليهود سوى أننا لا نحاربهم، لأننا نعتبرهم من بني جلدتنا وهم يحاربوننا بالنيابة عن اليهود".
"لسه الحبل على الجرار، والله، إن شاء الله، ما أخليهم يناموا الليل ولا يعرفوا الأرض من السماء".

يحيى عياش فلسطين – كانون أول (ديسمبر) 1990م

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 01-06-2012, 06:48 PM   رقم المشاركة : 20
معلومات العضو
جرح ـآلقدر
 
الصورة الرمزية جرح ـآلقدر
 

 

 
إحصائية العضو








جرح ـآلقدر غير متواجد حالياً

المستوى: []
الحياة /

النشاط /
المؤشر %
 

 

My SMS


كل عام وفلسطين العزة إلى النصر أقرب

تغيير MMS

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 66
جرح ـآلقدر will become famous soon enough

 

 

افتراضي رد: الشهيد القائد يحيى عيّاش


قصيدة الشهيد القائد عبد العزيز الرنتيسي في رثاء الشهيد المهندس يحيى عياش

نقرتين لعرض الصورة في صفحة مستقلة

عياش حيٌّ لا تقل عياش ماتْ أو هل يجف النيل أو نهر الفرات

عياش شمسٌ والشموس قليلة بشروقها تهدي الحياة إلى الحياةْ

عياش يحيا في القلوب مجدداً فيها دماء الثأر تعصف بالطغاةْ

عياش ملحمة ستذكر نظمها أجيال أمتنا كأغلى الذكرياتْ

عياش مدرسة تشع حضارةً عياش جامعة البطولة والثباتْ

يا سعدَ أم أرضعتك لبانها فغدت بيحيى شامةً في الأمهات

اليوم يا يحيى ستنهض أمةٌ وتثور تنفض عن كواهلها السباتْ

ونعيد ماضينا ويهتف جندنا النصر للإسلام بالقسام آتْ

فتصيح من دفء اللقاء ديارنا عاد المهاجر من دياجير الشتات

عبّدت درباً للشهادة واسعا ً ورسمت من آي الكتاب له سماتْ

وغرست أجساد الرجال قنابلاً وكتبت من دمك الرعيف لنا عظات

فغدت جموع البغي تغرق كلما دوى بيانٌ: من هنا عياش فاتْ

وارتد بأسهم شديداً بينهم وتفرقوا بين الحمائم والغلاةْ

هذي الألوف أبا البراء تعاهدت أن لا نجونا إن نجت عُصبُ الجناةْ

وتآلفت منها القلوب فكلها يحيى فويلٌ للصهاينة الغزاةْ

يا ذا المسجى في التراب رفاته من لي بمثلك صانعاً للمعجزات؟

أنعم بقبرٍ قد تعطر جوفه إذ ضم في أحشائه ذاك الرفاتْ

آن الأوان أبا البراء لراحة في صحبة المختار والغر الدعاةْ

أبشرْ فإن جهادنا متواصلٌ إنْ غاب مقدامٌ ستخلفه مئاتْ

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
الشهيد, القائد, يحيى, عيّاش


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
الشهيد القائد مهدي مزيد طارق ○ ●قسم اخبار فلسطين 4 03-25-2014 12:10 AM
الشهيد القائد مهدي مزيد Fastinya ○ ●منتدى صور فلسطين 3 11-30-2013 10:49 PM
الشهيد القائد مهدي مزيد Fastinya ○ ●قسم اخبار فلسطين 6 11-18-2013 08:24 AM
الشهيد القائد عصام البطش حمزة الجزائرى ○ ●قسم اخبار فلسطين 2 01-10-2012 09:15 AM
الشهيد القائد الخالد ابو عمار م. حاتم ○ ● ارشيف المنتدى 8 11-10-2009 10:01 AM


الساعة الآن 02:47 PM


Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
كافة الحقوق محفوظه لدى فلسطين المستقبل
PostMan By Cultural Forum | Study at Malaysian University